وتأمل أيضًا ما ذكره في اللات والعزى ومناة، وجعله فعل المشركين معها هو بعينه الذي يفعل بدمشق وغيرها، وتأمل قوله على حديث ذات أنواط، هذا قوله في مجرد مشابهتهم في اتخاذ شجرة، فكيف بما هو أطم من ذلك الشرك عينه؟
فهل للزائغ بعد هذا متعلق بشيء من كلام هذا الإمام؟ وأنا أذكر لفظه الذي احتجوا به على زيغهم.
قال رحمه الله تعالى: أنا من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير أو تبديع، أو تفسيق، أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامة عليه الحجة الرسالية، التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى (١) انتهى كلامه.
وهذا صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٩).
[ ٢٠٠ ]
(١٥/ش) هذا قيد مهم من كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب لكلام الإمام العلامة ابن تيمية، وهو أن عدم تكفير ابن تيمية للمعين حتى تقوم الحجة مخصوص بالمسائل الخفية لا الظاهرة.
وينضم إلى هذا كلام العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن، الذي نقلناه من قبل، وهو أن عدم تكفير ابن تيمية وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب للمعين ليس في الوقوع في الشرك الأكبر، لأنهم يقولون: نحن لا نكفر أحدًا من المسلمين وقع في أمر مكفر إلا بعد قيام الحجة، وهم قد نصوا على أن المشرك ليس من عداد المسلمين، لأن الإسلام هو ترك الشرك، والانخلاع منه إلى إفراد الله
بالعبادة.
وقال محمد بن عبد الوهاب مؤكدًا على هذا المعنى في رسالة بعث بها إلى أحمد بن عبد الكريم يحذره فيها من الامتناع عن تكفير المشركين، ويوضح له فيها منهج ابن تيمية في هذا، وأن كلام الشيخ في عدم تكفير المعين ليس في الشرك والردة، وأنه عام في المسائل الجزئيات، سواء كانت من الأصول أو الفروع
قال رحمه الله تعالى: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن
[ ٢٠١ ]
عبد الوهاب، إلى أحمد بن عبد الكريم، سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
أما بعد: وصل مكتوبك، تقرر المسألة التي ذكرت، وتذكر أن عليك إشكالًا تطلب إزالته، ثم ورد منك مراسلة، تذكر أنك عثرت على كلام للشيخ -أي ابن تيمية- أزال عنك الإشكال، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام.
وعلى أي شيء يدل كلامه، من أن من عبد الأوثان عبادة أكبر من عبادة اللات والعزى، وسب دين الرسول - ﷺ - بعدما شهد به، مثل سب أبي جهل، انه لا يكفر بعينه.
بل العبارة صريحة واضحة في تكفيره مثل ابن فيروز وصالح بن عبد الله وأمثالهما، كفرًا ظاهرًا ينقل عن الملة، فضلًا عن غيرهما، هذا صريح واضح، في كلام ابن القيم الذي ذكرت، وفي كلام الشيخ الذي أزال عنك الإشكال في كفر من عبد الوثن، الذي على قبر يوسف وأمثاله، ودعاهم في الشدائد والرخاء، وسب دين الرسل بعدما أقر به، ودان بعبادة الأوثان بعدما أقر بها.
وليس في كلامي هذا مجازفة، بل أنت تشهد به عليهم، ولكن إذا أعمى الله القلب فلا حيلة فيه، وأنا أخاف عليك من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]، والشبهة التي دخلت عليك، هذه البضيعة التي في يدك، تخاف تضيع أنت وعيالك إذا
تركت بلد المشركين، وشاك في رزق الله، وأيضًا قرناء السوء، أضلوك
[ ٢٠٢ ]
كما هي عادتهم.
وأنت -والعياذ بالله- تنزل درجة درجة، أول مرة في الشك وبلد الشرك وموالاتهم والصلاة خلفهم، وبراءتك من المسلمين مداهنة لهم، ثم بعد ذلك طحت على ابن غنام وغيره، وتبرأت من ملة إبراهيم، وأشهدتهم على نفسك باتباع المشركين من غير إكراه، لكن خوفًا ومداراة.
وغاب عنك قوله تعالى في عمار بن ياسر وأشباهه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٦، ١٠٧].
فلم يستثن الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، بشرط طمأنينة قلبه.
والإكراه لا يكون على العقيدة بل على القول والفعل، فقد صرح بأن من قال المكفِّر أو فَعَلَه فقد كفر، إلا المكره بالشرط المذكور، وذلك: أن ذلك بسبب إيثار الدنيا، لا بسبب العقيدة.
فتفكر في نفسك، هل أكرهوك، وعرضوك على السيف مثل عمار، أم لا؟
وتفكر: هل هذا بسبب أن عقيدته تغيرت، أم بسبب إيثار الدنيا؟
ولم يبق عليك إلا رتبة واحدة، وهي: أنك تصرح مثل ابن رفيع، تصريحًا بمسبة دين الأنبياء، وترجع إلى عبادة العيدروس، وأبي حديدة،
[ ٢٠٣ ]