(١) (١٥/ش) كم أدخل المتكلمون من الشر على المسلمين في أمور دينهم، وذلك بسبب إعراضهم عن دلالات نصوص الوحيين، وتكلفهم طرقًا للوصول إلى الحق -بزعمهم- لم ينزل الله بها سلطانًا، ولذلك شاعت الردة فيهم تارة عن أصل الدين، وتارة عن بعض شرائعه، وقد يظهر هذا بعضهم، ويكتمه آخرون خوفًا من سيف الشرع الحكيم.
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٨/ ٥٤ - ٥٥)، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٤/ ٥٤، وما بعده).
[ ٢١٢ ]
وكان هدي السلف معهم متمثلًا في محاصرتهم لكبت شرهم، واستئصال بدعهم، حتى لا يشوشوا على العامة من المسلمين في أمور دينهم.
قال الإمام ابن تيمية ﵀: «في الرد على بعض أئمة أهل الكلام لما تكلموا في المتأخرين من أهل الحديث، وذموهم بقلة الفهم، وأنهم لا يفهمون معاني الحديث، ولا يميزون بين صحيحه من ضعيفه، ويفتخرون عليهم بحذقهم، ودقة علومهم فيها، فقال رحمه الله تعالى: لا ريب أن هذا موجود في بعضهم، يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الفروع والأصول، وآثار مفتعلة، وحكايات غير صحيحة، ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه، وقد رأيت من هذا عجائب.
لكنهم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل. فكل شر في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر؛ ولك كل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم، وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم.
وبإزاء تكلم أولئك بأحاديث لا يفهمون معناها، تكلف هؤلاء من القول بغير علم ما هو أعظم من ذلك وأكثر، وما أحسن قول الإمام أحمد: ضعيف الحديث خير من الرأي.
وقد أمر الشريخ أبو عمرو بن الصلاح بانتزاعه مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا.
مع أن الآمدي لم يكن في وقته أكثر تبحرًا في الفنون الكلامية والفلسفية
[ ٢١٣ ]
منه، وكان من أحسنهم إسلامًا، وأمثلهم اعتقادًا.
ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة سواء كانت حقًا أو باطلًا، إيمانًا أو كفرًا، لا تدرك إلا بذكاء وفطنة فلذلك يستجهلون من لم يشركهم في علمهم، وإن كان إيمانه أحسن من إيمانهم إذا كان منه قصور في الذكاء والبيان.
وهم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٢٩، ٣٠] الآيات.
فإذا تقلدوا عن طواغيتهم أن كل ما لم يحصل بهذه الطرق القياسية ليس بعلم، وقد لا يحصل لكثير منهم منها ما يستفيد به الإيمان الواجب، فيكون كافرًا زنديقًا منافقًا جاهلًا ضالًا مضلًا ظلومًا كفورًا، ويكون من أكابر أعداء الرسل، ومنافقي الملة، من الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١].
وقد يحصل لبعضهم إيمان ونفاق، ويكون مرتدًا، إما عن أصل الدين، أو بعض شرائعه، إما ردة نفاق، وإما ردة كفر.
وهذا كثير غالب، لا سيما في الأعصار والأمصار، التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق. فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتسع لذكره المقال.
وإذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور
[ ٢١٤ ]
الظاهرة، التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين المسلمين، بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمدًا - ﷺ - بعث بها، وكفر من
خالفها.
مثل: أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله، من الملائكة، والنبيين، وغيرهم. فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل معاداة اليهود، والنصارى، والمشركين، ومثل تحريم الفواحش، والربا، والخمر، والميسر ونحو ذلك.
ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين. وإن كانوا قد يتوبون من ذلك، ويعودون كرؤوس القبائل، مثل الأقرع، وعيينة، ونحوهم، ممن ارتد عن الإسلام ثم دخل فيه.
ففيهم من كان يتهم بالنفاق، ومرض القلب، وفيهم من لم يكن كذلك.
فكثير من رؤوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة؛ وتارة يعود إليها، ولكن مع مرض في قلبه ونفاق، وقد يكون له حال ثالثة يغلب الإيمان فيها النفاق، لكن قل أن يسلموا من نوع نفاق والحكايات عنهم بذلك مشهورة.
وقد ذكر ابن قتيبة عن ذلك طرفًا في أول مختلف الحديث، وقد حكى أهل المقالات بعضهم عن بعض من ذلك طرفًا، كما يذكره أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر بن الباقلاني، وأبو عبد الله الشهرستاني، وغيرهم.
[ ٢١٥ ]
وأبلغ من ذلك أن منهم من يصنف في دين المشركين، والردة عن الإسلام، كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب، وأقام الأدلة على حسن ذلك، ومنفعته، ورغب فيه، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام.
وجميع ما يأمرون به من العلوم والأعمال والأخلاق لا يكفي في النجاة من عذاب الله، فضلًا أن يكون موصلًا لنعيم الآخرة» (١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ٥٢ - ٥٥).
[ ٢١٦ ]