متن الباب ٣٨
باب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ . [النساء: ٥٩] . وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ . [البقرة: ١١] وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ . [الأعراف: ٥٦] . وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ . [المائدة: ٥٠] .
عن عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب "الحجة" بإسناد صحيح.
وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة؛ فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد-لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة- وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود -لعلمه أنهم يأخذون الرشوة- فاتفقا أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] .
وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة. فقال للذي
[ ٣٧٩ ]
لم يرض برسول الله ﷺ: أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت.
الثانية: تفسير آية البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ .
الثالثة: تفسير آية الأعراف ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ .
الرابعة: تفسير ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ .
الخامسة: ما قاله الشعبي في سبب نزول الآية الأولى.
السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب.
السابعة: قصة عمر مع المنافق.
الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ.
[ ٣٨٠ ]
شرح الباب ٣٨
باب في بيان أن من آمن بالله ورسوله وما أنزل إليه حقًّا وصدقًا لم يتحاكم إلى الطاغوت
ومن تحاكم إليهم من الكهنة والسحرة وأشباههم مطمئنًا بهم مصدقًا قولهم فليس بمؤمن ويدل على ذلك قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ . [النساء: ٦٠] . وذلك لزعمه أن حكم الطاغوت أصلح ولا يعلم المطبع على قلبه أن غير الحق هو الإفساد ويدل على ذلك قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ . [البقرة: ١١] . وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ . [الأعراف: ٥٦] . وذلك لأنه رغب عن حكم الإسلام الذي ارتضاه الله في آخر الزمان وبغى حكم الجاهلية قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ . [المائدة: ٥٠] .
وفي الحديث عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" ١، قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح، وقال الشعبي٢: كان بين رجل من المنافقين
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/١٢) والخطيب في تاريخه (٤/٣٦٩) والبغوي في "شرح السنة" (١/٢١٢) من طريق نعيم بن حماد حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمر. ٢ أخرجه الطبري (٥/٩٧) عن الشعبي مرسلًا.
[ ٣٨١ ]
وبين رجل من اليهود خصومة فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد. عرف أنه لا يأخذ الرشوة ولا يميل في الحكم، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود. لعلمه أنهم يأخذون الرشوة ويميلون في الحكم فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا من جهينة فيتحاكما إليه فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] . وقيل: نزلت في رجلين اختصما فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف ثم ترافعا إلى عمر ثم ذكر له أحدهما القصة فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ: أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله١.
فيارب يسر صولة عمرية
لنا كي يمضي الوحي في الناس شائعًا
ويردع من يبغي الجهالة حكمها ولم يك للوحيين في الحكم سامعا
فكم من ترى في زي علم وهمة يصد عن الوحيين في الدين بادعا
فلا لكتاب الله يصغي سماعه ولا للذي قال الرسول مطاوعا
فيا رب عجل بالذي ينصر الهدى بآياتك الفصحى سيوفًا قواطعا
كما كان في وقت الرسول محمد عليه صلاة الله ما البدر لا معا
_________________
(١) ١ علقه الواحدي في أسباب النزول (ص ١٠٧- ١٠٨) والبغوي في معالم التنزيل (١/٥٥٢) عن الكلبي عن أبي صالح باذام عن ابن عباس.
[ ٣٨٢ ]
متن الباب ٣٩