وقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] .
عن ثابت بن الضحاك ﵁، قال: نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة، فسأل النبي ﷺ فقال: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد"؟ قالوا: لا. قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم"؟ قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ: "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم" رواه أبو داود، وإسنادها على شرطهما.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ .
الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة.
الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البيِّنة ليزول الإشكال.
الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك.
الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع.
السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية ولو بعد زواله.
[ ٢٢٣ ]
السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله.
الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة، لأنه نذر معصية.
التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده.
العاشرة: لا نذر في معصية.
الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك.
[ ٢٢٤ ]
شرح الباب ١٠
باب في بيان ما يدل على أنه لا يباح لمسلم أن يذبح لله بمكان يُذْبح فيه لغير الله
بل ينهى عن ذلك لأنه تحنيث بالإشراك بالله فيه وأنه موضع تهمة من رآك فيه ذابحًا اتهمك بأنكر المنكرات أي الشرك بالله، وقد ورد عنه ﷺ أنه قال: "اتقوا موضع التهم" ١. وأيضًا يقتدي بك الجهال فيفشوا الشرك. ونهيه من الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ . [التوبة: ١٠٨] . أي في المسجد الذي اتخذ االمنافقون مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله، روي أن بني عمرو بن عوف لما بنو مسجد قباء سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم فيؤمهم فأتاهم فأمَّهم وصلى فيه وكان بالمدينة أبو عامر الراهب تنصر في الجاهلية، وما آمن بمحمد ﷺ، وبعد وقعة بدر التحق بقريش وحثهم على المحاربة وكان معه في أحد ثم ذهب إلى عظيم الروم وكتب إلى أعوانه من المنافقين يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش لمحاربة الإسلام وأمرهم ببناء مسجد له فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء إرصادًا لرجوعه من عند عظيم الروم فلما أتموا بناءه أتوا رسول الله ﷺ حين رجع من تبوك وقالوا: أقمنا مسجدًا للضعفاء وذوي العلة والمطيرة نلتمس تصلي فيه وتدعو بالبركة فنوى أن يأتيهم فنزلت في تكذيبهم الآيات، فأمر رسول الله ﷺ بهدمه فهدموه وأحرقوه بأمره صلى الله عليه وسلم٢، قلت: إذا كان هذا حكم مسجد بني ضرارًا
_________________
(١) ١ أورده الغزالي في الإحياء (٣/١٣) وعلق عليه العراقي بقوله: لم أجد له أصلًا. ٢ أخرجه ابن إسحاق في المغازي كما في الدلائل للبيهقي (٢٥٧٥) .
[ ٢٢٥ ]
وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله باطنًا وفي الظاهر إرادة الصلاة والطاعة فيه حتى إنه نوى رسول الله ﷺ أن يأتيهم ويصلي فيه فنهى الله عن قيامه فيه للصلاة فكيف بمواضع تبنى لعبادة غير الله وهتك محارم الله ومعاصي الله؟ فهذه المواضع أولى بالهدم والحرق نقلًا وعقلًا وقد تقدم، قال في ذلك ابن القيم -﵀-: فإن قلت: ما استدل به من قوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ . [التوبة: ١٠٨] .على عدم الذبح بمكان يذبح فيه لغير الله؟ قلت: لأن الله ينهى رسول الله ﷺ أن يصلي فيه ومعلوم بالضرورة أن الرسول ﷺ يصلي لله وحده لا شريك له ومع ذلك نهي عن الصلاة فيه، وبعدما فعلوا فيه ضررًا ولا كفرًا ولا تفريقًا بل مجرد أن أوجب النهي عن الله بالقيام والصلاة فيه، فكيف بكمان فعل فيه الشرك والكفر؟ فهو أولى بالنهي عن الطاعة فظهر وجه الاستدلال بالآية لما بوَّب لأجله الباب.
وأما السنة وعن ثابت بن الضحاك١ قال: نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة٢ بضم الباء الموحدة من أسفل موضع يقول فيه وضاح اليمن:
أيا نخلتي وادي بوانة حبذا إذا نام حراس النخيل جناكما
نهى النبي ﷺ عن الذبح عند موضع عبده المشركون ومعلوم أن ذلك إنما هو لتعظيم البقعة التي يعظمونها بالتعييد فيها أو لمشاركتهم في التعييد فيها أو لإحياء شعار عيدهم فيها، ولهذا لما خلت عن ذلك أذن في الذبح فيها، وإذا كان تخصيص بقعة عيدهم محذورًا فكيف نفس
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود (٣٣١٣) والبيهقي (٨٣/١٠) من حديث ثابت بن الضحاك. ٢ بضم الباء وقيل بفتحها وهو موضع جنوب مكة دون يلملم، وقيل: هضبة من وراء ينبع.
[ ٢٢٦ ]
عيدهم خشية أن يكون الذبح سببًا لإحياء أثر هذه البقعة بعد الاندثار وذريعة إلى اتخاذها عيدًا.
قال الشيخ ابن تيمية –قدس الله سره- في:اقتضاء الصراط المستقيم": "العيد والأزمنة اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو مكان لهم فيه اجتماع وكل عمل يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة فليس النهي عن خصوص أعيادهم بل كل ما يعظمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام وما يحدثونه فيها من الأعمال يدخل في ذلك، وأعياد الكفار كثيرة مختلفة وليس على المسلم أن يبحث عنها ولا يعرفها بل يكفيه أن يعرف فعلًا من الأفعال أو يومًا أو مكانًا أن سبب هذا الفعل أو تعظيم هذا المكان والزمان من جهتهم ولو لم يعرف سببه الذي من جهتهم فيكفيه أن يعلم أنه لا أصل له في دين الإسلام فإنه إذا لم يكن له أصل فإما أن يكون قد أحدثه بعض الناس من تلقاء نفسه أو يكون مأخوذًا عنهم فأقل أحواله أن يكون من البدع ونحن ننبه على ما رأينا كثيرا من بعض الناس قد وقعوا فيه.
فمن ذلك الخميس الحقير الذي في آخر صومهم فإنه يوم عيد المائدة فيما يزعمون ويسمونه: عيد العشاء، وهو الأسبوع الذي يكون فيه من الأحد إلى الأحد هو عندهم الأكبر فجميع ما يحدثه الإنسان فيه من المنكرات منهي عنه فمنه: خروج النساء وتبخير القبور ووضع الثياب على السطح وكتابة الورق وإلصاقها بالأبواب واتخاذ موسمًا لبيع البخور وشرائه. ومن ذلك ما تفعله النساء من أخذ ورق الزيتون والاغتسال بمائه وقصد الاغتسال من ذلك فإن أصل ذلك ماء المعمودية. ومن ذلك ترك الوظائف الراتبة والصنائع والتجارات أو حلق العلم أو غير ذلك واتخاذه يوم راحة وفرح واللعب فيه بالخيل وغيرها على وجه يخالف ما قبله وما بعده من الأيام. والضابط أنه لا يحدث
[ ٢٢٧ ]
فيه أمرًا أصلًا بل يجعل يوما كسائر الأيام وقد نهاهم النبي ﷺ عن اليومين اللذين كانا لهم يلعبون فيهما في الجاهلية وأنه ﷺ نهى عن الذبح بالمكان إذا كان المشركون يعيدون فيه، قال غير واحد من التابعين وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] . فروى أبو بكر الخلال في الجامع بإسناده عن محمد بن سيرين قال: هو الشعانين، وكذلك ذكر عن مجاهد قال: هو أعياد المشركين، وكذلك عن الربيع بن أنس قال: أعياد المشركين، وقال القاضي أبو يعلى: مسألة في النهي عن حضور أعياد المشركين وروى أبو الشيخ الأصفهاني بإسناده في شروط أهل الذمة عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] . قال عيد المشركين".
قلت: إذا النهي في الذي يحضر أعيادهم ولو لم يفعل فعلًا أو يفعل لله فكيف بمن يحضر أعيادهم وأماكنهم ويفعل أفعالهم فتأمل حتى تميز بين الناس في الإسلام، فسأل النبي ﷺ فقال: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ: أوف بنذرك". إذًا لأنه عدم الموانع التي يمنع الوفاء لأجلها من معاصي الله تعالى "فإنه لا وفاء في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم". رواه أبو داود وإسناده على شرطهما. أي البخاري ومسلم.
[ ٢٢٨ ]
متن الباب ١١