وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] . وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥٠] .
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله: وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
وعن جندب مرفوعًا: "حد الساحر ضربه بالسيف" رواه الترمذي، وقال: الصحيح أنه موقوف.
وفي "صحيح البخاري" عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر.
وصح عن حفصة ﵂: أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت، وكذلك صح عن جندب. قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية النساء.
[ ٣١١ ]
الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت، والفرق بينهما.
الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس.
الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي.
السادسة: أن الساحر يكفر.
السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب.
الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر، فكيف بعده؟!
[ ٣١٢ ]
شرح الباب ٢٣
باب ما جاء في بيان السحر وأنواعه وحكمه
أما حده وبيانه، فقال صاحب القاموس: السحر بالكسر هو ما دق مأخذه ولطف.
وأما أنواعه فهو قولي وفعلي والكل يحصل به مقصود الساحر من تفريق أو تبديل أو تغيير أو اختلاف، ويتفرع من هذين النوعين فروع مستنكرة مستغربة ولولا أن الله تعالى من حكمته الباهرة يبطله إذا أتى به الساحر في مقام ادعاء النبوة لادّعى النبوة، لأن كل ما يفعله النبي بأمر الله معجزة له حقيقة يفعله الساحر مجازًا بالتخيلات كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ . [طه: ٦٦] . فأثبت الله لها السعي من سحرهم، وثانيًا: إن عمل الساحر ما يثبت بل يبطل كما قال تعالى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ . [يونس: ٨١] . وقال تعالى: ﴿مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ . [طه: ٦٩] .
وأما معجزة الأنبياء فلها حقيقة كما جرى بين موسى والسحرة فإنهم مع كثرتهم قيل أنهم سبعون ألفًا وألقوا ما ألقوا من الكيد أمر الله موسى أن يلقي عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون.
وأما حكمه: فقيل: إنه كفر واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ . [البقرة: ١٠٢] . وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ . [البقرة: ١٠٢] . قلت: دلت الآيات على كفرية السحر لفظًا ومعنى ومقتضى أما اللفظ بقوله تعالى عن هاروت
[ ٣١٣ ]
وماروت: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ . [البقرة: ١٠٢] . أي بتعلمك السحر وفعله، فبقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ . [البقرة: ١٠٢] . فدل على أن اتباع السحر وتعلمه وفعله كفر؛ لأن الذي تر الشياطين على ملك سليمان هو السحر، وقال رسول الله ﷺ: "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد كفر" ١. وأما المقتضي فبقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ . [البقرة: ١٠٢] . أي من نصيب من الرحمة وذلك الشقاوة الأبدية التي ما يتصف بها إلا الكافر، وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ . [النساء: ٥٠] . قال عمر: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وقال جابر: الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد.
ومما أخرج ابن أبي حاتم ابن عباس قال: إن هاروت وماروت هبطا إلى الأرض فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي وقالوا له: إنما نحن فتية فلا تكفر، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه البيهقي في سننه عن عائشة -﵂- أنها قدمت على امرأة من أهل دومة الجندل تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به، قالت: كان لي زوج فغاب عني فدخلت علي عجوز فشكوت لها فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك، فلما جاء الليل جائتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الأخر فلم يكن كثير حتى وقفنا ببابل فإذا برجلين معلقين بأرجلهما فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم
_________________
(١) ١ أخرجه النسائي (٤٠٩٠) من حديث عباد بن ميسرة عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا به وإسناده لين.
[ ٣١٤ ]
السحر، فقالا: إنما نحن فتية فلا تكفري وارجعي إلى بلدك ولا تكفري فأبيت فقالا: إذًا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه فذهبت ففزعت ولم أفعل فرجعت إليهما فقالا: فعلت فقلت: نعم، فقالا: هل رأيت شيئًا؟ قلت: لم أر شيئًا، فقالا: لم تفعلي ارجعي إلى بلدك ولا تكفري فأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه ثم أتيت فذهبت فاقشعر جلدي وخفت ورجعت إليهما فقلت قد فعلت فقالا: ما رأيت فقلت لم أر شيئًا فقالا: كذبت لم تفعلي ارجعي إلى بلدك ولا تكفري فإنك على رأس أمرك فأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه فذهبت وبلت فيه فرأيت فارسًا مقنعًا بحديد فخرج عني حتى ذهب في السماء وغاب عني حتى ما أراه، وجئتهما فقلت: قد فعلت. فقالا: ما رأيت؟ فقلت: فارسًا مقنعًا، خرج مني فذهب إلى السماء حتى ما أراه قالا: صدقت ذلك إيمانك خرج منك اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا، فقالت: بلى لم تريدي شيئًا إلا كان خذي هذا القمح فبذري فبذر وقلت اخلقي فخلقت ثم قلت افركي فأفركت ثم قلت: أيبسي فيبست ثم قلت اطحني فطحنت ثم قلت: اخبزي فأخبزت فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان سقط في يدي وندمت والله يا أم المؤمنين ما فعلت شيئًا ولا أفعله أبدًا فسألت أصحاب رسول الله ﷺ وهم يومئذ متوافرون فما دروا ما يقولون لها ولكهم خاف أن يفتيها بما لا يعلمه إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده لو كان أبواك حيين أو أحدهما فكانا يكفيانك. انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالنا: وما هن يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله
[ ٣١٥ ]
والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
١وعن جندب مرفوعًا: "حد الساحر ضربة بالسيف" رواه الترمذي٢ وقال: الصحيح أنه موقوف وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر، وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت وكذلك صح عن جندب قال أحمد: وصح عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ.
قلت: في قتله فوائد:
الأولى: يكون ردعًا وزجرًا لأشباهه عن السحر الذي وهو كفر وفتنة.
الثانية: أن بقتله يبطل السحر الذي فعله وذا مجرب فيكون قتله دواءً نافعًا للمسحور مما يجده في نفسه.
الثالثة: أن تنقطع مادة الفاسد بقتله علمًا وعملًا وتعليمًا وفعلًا قطعًا.
_________________
(١) ١أخرجه البخاري (٢٧٦٦) ومسلم (٨٩) من حديث أبي هريرة. ٢ أخرجه الترمذي (١٤٦٠) والطبراني في الكبير (١٦٦٥) والحاكم (٤/٣٦٠) والبيهقي (٨/١٢٦) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن البصري عن جندب مرفوعًا، قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث، وإسماعيل بن مسلم البصري، قال وكيع: هو ثقة، ويروى في الحسن أيضًا، والصحيح عن جندب موقوفًا".
[ ٣١٦ ]
متن الباب ٢٤
باب: بيان شيء من أنواع السحر
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن حيان بن العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ قال: "إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت".
قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط بالأرض، والجبت، قال: الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد ولأبي داود والنسائي وابن حبان في "صحيحه" المسند منه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" رواه أبو داود، وإسناده صحيح.
وللنسائي من حديث أبي هريرة ﵁: "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه".
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا هل أنبئكم ما الغضة؟ هي النميمة، القالة بين الناس" رواه مسلم.
ولهما عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إن من البيان لسحرًا".
[ ٣١٧ ]
فيه مسائل:
الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت.
الثانية: تفسير العيافة والطرق.
الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر.
الرابعة: أن العقد مع النفث من ذلك.
الخامسة: أن النميمة من ذلك.
السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة.
[ ٣١٨ ]
شرح الباب ٢٤
باب في بيان شيء من أنواع السحر
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن حبان بن العلاء حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ قال: " العيافة والطرق والطيرة من الجبت"، قال عوف: العيافة زجر الطير والطرق الخط يخط في الأرض، والجبت قال الحسن: رنة الشيطان إسناده جيد١. قلت: العيافة على ما ذكرها أهل العلم زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها وهو من العرب كثير في أشعارهم يقال: عاف يعيف عيفًا إذا زجر وحدس وظن، وبنوا أسد يذكرون بالعيافة ويوصفون بها، قيل: إن قومًا من الجن تذاكروا أعيافهم فأتوهم فقالوا: ضلت ناقة فلو أرسلتم مهنا من يعيف فقالوا لغلامهم انطلق معهم فاستردفه أحدهم ثم ساروا فلقيهم عقاب كاسرة أحدى جناحيه فاقشعر جلد الغلام وبكى فقالوا: مالك؟ فقال: كسرت جناحًا ورفعت جناحًا وحلفت بالله صراحًا ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحًا، وأنشد التوربشتي وقال:
تتحابى هدهد فوق بابه هدى وبيان بالجناح يلوح
وقالوا حمامات فحم لقائها وطلح فسلت والمطي طليح
وقال آخر:
يغني الطائران ببين سلمى على غصنين من غرب وبان
وقال آخر:
جرت سنحا فقلت لها أجيري نوى مشهولة فمتى اللقاء السانح
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود (٣٩٠٧) وأحمد (٣/٤٧٧) قد وقع اختلاف كبير في تحديث اسم شيخ عوف، انظر تهذيب الكمال (١/٤٧٤) والحديث حسنه النووي في رياض الصالحين.
[ ٣١٩ ]
مما كانوا يمنون به أي قلت للنفس أجيري أي طفي حال نوى والمشمولة المكروهة من الشمال فإنهم يكرهونها لما فيها من البرد وذهابها بالغيم الذي فيه الحيا والخصب. والطرق هو الضرب بالحصى الذي تفعله النساء، وقيل: هو الخط في الرمل واقتصر في الفائق على الوجه الأول، وأنشد قول لبيد:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع
والطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن هي التشاؤم بالشيء وهو مصدر تطير طيرة مثل تخير خيرة ولم يجيء من المصادر غيرهما وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظبا وغيرهما وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه وأخبر أنه ليس له تأثير من جلب نفع أو دفع ضرن فلا يصدنهم مما يتوجهون إليه من المقاصد أو من سواء السبيل والصراط المستقيم ما يجدونه في صدورهم من الوهم.
قال ابن عباس: الخط يخط في الأرض كان نبي من الأنبياء يخط فيعرف بالفراسة بتوسط تلك الخطوط، قيل: هو إدريس، فمن وافق خطه في الصورة والحالة وهو قوة الخاط في الفراسة والعلم واعمل الموجبين لها فذاك مصيب، وذا محال، لأن خط ذاك النبي معجزة له ولذا قال ﷺ: "من وافق خطه فذاك" على سبيل الزجر معناه لا يوافق أحد خط ذلك النبي لأنه معجزة، قال: والخط هو ما يخط الحازي بالحاء المهلمة والزاي المعجمة الذي يحزر الأشياء ويقدرها بظنه ويقال للمنجم الحازي أيضًا لأنه ينظر في النجوم وأحكامها بظنه، والحازي هو الكاهن قال: والخط هو علم تركه الناس يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلونًا فيقول: اقعد حتى أخط لك وبين يدي الحازي غلام له معه ميل ثم يأتي إلى أرض
[ ٣٢٠ ]
لحكمة" ١. قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ . [الشعراء: ٢٢٤- ٢٢٧] . كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة ومن سلك مسلكهم.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود (٥٠١١) والترمذي (٢٨٤٥) وابن ماجه (٣٧٥٦) من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا. وسماك في روايته عن عكرمة اضطراب. وله شاهد من حديث أبي بن كعب.
[ ٣٢٤ ]