عن عبد الله بن الشخير ﵁، قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: " السيد الله ﵎". قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا؛ فقال: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان" رواه أبو داود بسند جيد.
وعن أنس ﵁، أن ناسًا قالوا: يا رسول الله: يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: "يا أيها الناس، قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد، عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿". رواه النسائي بسند جيد.
فيه مسائل:
الأولى: تحذير الناس من الغلو.
الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: أنت سيدنا.
الثالثة: قوله: " ولا يستجرينكم الشيطان" مع أنهم لم يقولوا إلا الحق.
الرابعة: قوله: "ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي".
[ ٤٧٤ ]
شرح الباب ٦٥
باب ما جاء في بيان حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد
وكشفه غمائم الشبه عن أفق أذهان أهل التجريد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك وكل ما يؤول إليه امتثالًا لأمر ربه القادر المقتدر ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ . [المدثر: ١- ٥] . فهو ﷺ شأنه وطريقته الدعوة إلى الله بالجد والجهد وما كان يبالي بما يأتيه من الأذى ممتثلًا لقول ربه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ . [الأحقاف: ٣٥] .
عن عبد الله بن الشخير قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: "إنما السيد الله ﵎".
قلت: لَمَّا أّنَّهُمْ قالوا: أنت السيد –معرفًا بالألف واللام- قال لهم الرسول ﷺ" السيد الله وذلك أن المحلى بالألف واللام إذا أطلق يترقى الذهن ويبتدر إلى ما هو أعظم وهذا يرى بديهة العقل والاستقراء، كما أن لفظ: "المدينة" إذا أطلق ما يبتدر الذهن إلا إلى ما هو أعظم في المدائن وهو مدينة الرسول ﷺ دون المدائن التي سواها، وأما غير المحلى بالألف واللام فلا، كما تقول رأيت مدينة بالتنوين أو تضيفه تقول مدينة بغداد أو مدينة البصرة والله أعلم فلما علموا عدم رضى الرسول ﷺ بما قالوا رجعوا عن قولهم ذاك إلى غيره قال: قلنا: وأفضلنا فضلًا وأعظمنا طولًا فقال: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان" رواه أبو داود١. وعن أنس أن ناسًا قالوا: يا رسول الله يا خيرنا
_________________
(١) ١ أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٢٤٧) وأحمد (٤/٢٥) عن مطرف بن =
[ ٤٧٥ ]
وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا فقال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناس" خطابًا للكل لأنه مرسل للناس جميعًا فيلزمه التبليغ للجميع، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ .
"قولوا بقولكم" وهذا يقرر ما ذكرت من أن المحلى بالألف واللام عند الإطلاق يبتدر الذهن إلى ما هو أعظم، وعند التنكير أو الإضافة فلا، فلهذا لما قالوا: أنت السيد قال السيد الله، ولما قالوا: أنت سيدنا بالإضافة قال: قولوا بقولكم.
"ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد: عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿". رواه النسائي بسند جيد١. ومن حمايته ﷺ حمى التوحيد قوله لجويرية لما قالت: وفينا رسول الله يعلم ما في غد قال ﷺ: "دعي هذا وقولي ما كنت تقولين" ٢. أي لا تقولي لي ما لست له بأهل، فإن علم الغيب حق الله لا يعلمه إلا هو كما قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ . [الأنعام: ٥٩] . وقوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ . [النمل: ٦٥] . وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ . [الأعراف: ١٨٨] .
ومنها ما ثبت في المسند وغيره عن معاذ بن جبل لما رجع من الشام سجد للنبي ﷺ فقال: ما هذه يا معاذ، فقال: يا رسول الله رأيتهم يسجدون لأساقفتهم ويذكر ذلك عن أنبيائهم فقال ﷺ: "كذبوا
_________________
(١) = عبد الله بن الشخير عن أبيه. ١ أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٢٥٠) من حديث أنس. ٢ رواه البخاري (٤٠٠١ و٥١٤٧) .
[ ٤٧٦ ]
يا معاذ لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، يا معاذ أرأيت إن مررت بقبري أكنت تسجد؟ قال: لا، قال: فلا تفعل" ١.
ومنها ما ثبت في الصحيح من حديث جابر أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه قاعدا ًلمرض كان به، فصلوا قيامًا فأمرهم بالجلوس وقال: "لا تعظموني كما تعظم النصارى بعضهم بعضًا" ٢
وقال: "من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار"٣.
ومنها ما ثبت في الصحيح عن زيد بن خالد قال: صلى بنا رسول الله صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماه من الليل فقال: "أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: قال تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" ٤.
ومنها ما ورد في السنن أن أعرابيًّا قال للنبي ﷺ: جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع لنا فإنا نستشفع بك على الله وبالله عليك، فسبح رسول الله حتى عرف ذلك في وجه أصحابه فقال ﷺ: "ويحك أتدري ما الله، إن شأن اله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجه (١٨٥٣) وأحمد (٤/٣٨١) من حديث عبد الله بن أوفى. وله شواهد كثيرة. ٢ أخرجه مسلم ٤١٣ من حديث جابر بلفظ: "إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهو قعود فلا تفعلوا ". ٣ أخرجه أبو داود (٥٢٢٩) والترمذي (٢٧٥٥) من حديث معاوية. ٤ تقدم تخريجه.
[ ٤٧٧ ]
بالله على أحد". رواه أبو داود١.
ومنها ما خرج البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" ٢.
ومنها قوله ﷺ: " اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد من دون الله، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٣.
ومنها في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " ٤.
ومنها ما ثبت عن عائشة وعبد الله بن عباس -﵃- قالا: لما نزل برسول الله طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ما صنعوا. متفق عليه٥.
ومنها ما روى الإمام أحمد في سنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ تقدم تخريجه. ٣ تقدم تخريجه. ٤ تقدم تخريجه. ٥ تقدم تخريجه.
[ ٤٧٨ ]
أحياء والذين يتخذون القبور مساجد" ١.
ومنها ما ثبت عن ابن عباس -﵁- قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه أحمد وأهل السير ٢.
ومنها ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
ومنها ما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني رسول الله ﷺ، ألا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته٣.
ومناه ما روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور وأن يقعد عليه أو يبني عليه بناء٤.
ومنها ما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله ﷺ نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها، قال الترمذي٥: حديث حسن صحيح.
وفي سنن أبي داود من حديث جابر أن رسول الله ﷺ نهى أن تجصص القبور٦ أو يزاد عليها.
هذا حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد، وقد آل الأمر حتى جصصوا القبور، وبنوا عليها، وجعلوا لها سدنة، فيذرون لها،
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ تقدم تخريجه. ٣ تقدم تخريجه. ٤ أخرجه مسلم (٩٧٠) (٩٤) . ٥ أخرجه الترمذي (١٠٥٢) من حديث جابر. ٦ أخرجه أبو داود (٣٢٢٦) من حديث جابر.
[ ٤٧٩ ]
ويذبحون عندها، ويستشفون، ويخضعون، ويركعون، ويسجدون عندها، ثم آل الأمر بهؤلاء المشركين أن شرعوا للقبور حجًّا، ووضعوا مناسك حتى صَنَّفَ بعضهم من غلاتهم في ذلك كتابًا وسماه (مناسك حج المشاهد) مضاهاة منه بالقبور لبيت الله الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عباد الأصنام.
قال ابن تيمية -﵀-: "اعلم أن العبادة مبناها على الاتباع لا على الابتداع فليس لأحد أن يصلى إلى قبر الرسول ﷺ ويقول: هو أحق بالصلاة إليه من الكعبة وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" ١. مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم بل يستدبرون القبلة ويصلون إلى قبر الشيخ ويقولون هذه قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة، وآخرون أمثل من هؤلاء يرون الصلاة عند قبور شيوخهم أفضل من الصلاة في المساجد حتى المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وكثير من الناس يرى أن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من الدعاء في المساجد ويرى الصلاة في المساجد المبنية على القبور أفضل من المساجد التي لا قبور فيها، وهذا كله مما علم جميع أهل العلم بدين الإسلام أنه مناف لشريعة الإسلام، وأنه لم ينقله أحد من علماء الأمة بل هم متفقون على أنه لا فضيلة للصلاة عند القبور، ولا في المساجد المبنية التي على القبور التي تسمى المشهد بل ذلك مخالف لله ولرسوله ولشرعه كما مضى في الأحاديث المتقدمة، مع أن طائفة من الغالية من الشيعة ومن المنتسبين إلى السنة يرون السفر إلى القبور حجًّا، وقد صنف ابن
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٩٧٢) من حديث أبي مرثد.
[ ٤٨٠ ]
النعمان المفيد شيخ الرافضة كتابًا سماه "مناسك حج المشاهدة" وجعلوا فيها من العبادات ما هو أعظم من العبادات المشروعة في المسجد الحرام، ومن هؤلاء من يقول: إن الحج إلى القبور ويعظمها أعظم من حج البيت العتيق إلى أمثال هذه الأمور التي ابتدعها أهل الضلال وكثير من وقع فيها من الرجال، وقد صنف طائفة من المتفلسفة في هذا، فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه الرسول ﷺ وبين ما شرعه هؤلاء المقتدون بالمشركين والمتمسكون بهدي الشياطين وقصدوه من اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها، وإيقافهم الوقوف على إيقاد السرج والقناديل عليها، وجعلهم القبور عيدًا وتجصيص القبور عليها من الأحجار والآجر والجص والكتابة عليها وغير ذلك مما نشاهد عيانًا وسماعًا، هذا فعل هؤلاء، والذي ثبت عنه ﷺ في زيارة القبور ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة -﵂- أن جبريل أتى رسول الله ﷺ فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت: قلت: كيف أمرك ربك يا رسول الله؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ١. وفي الصحيح أيضًا عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: "السلام على أهل الديار، وفي لفظ: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية" ٢. وروى الإمام أحمد والنسائي عن بريدة قال: قال رسول
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٢/٦٧١/عبد الباقي) من حديث عائشة. ٢ أخرجه مسلم (٩٥٧) من حديث بريدة.
[ ٤٨١ ]
الله ﷺ: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرًا" ١. ومن أعظم الهجر الشرك عندها قولًا وفعلا" انتهى.
_________________
(١) ١ أخرجه النسائي (١/٢٨٥ و٢٨٦) وأحمد (٥/٣٥٠، ٣٥٥، ٣٥٦) من حديث بريدة، والجملة الأولى "كنت نهيتكم عن زيارة القبور" أخرجه مسلم (٩٧٧) .
[ ٤٨٢ ]