متن الباب ٨
باب: من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما
وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩-٢٢] .
عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر! إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] . لتركبن سنن من كان قبلكم". رواه الترمذي وصححه.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النجم.
الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا.
الثالثة: كونهم لم يفعلوا.
الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك، لظنهم أنه يحبه.
الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل.
[ ٢١٠ ]
السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم.
السابعة: أن النبي ﷺ لم يعذرهم، بل رد عليهم بقوله: "الله أكبر! إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم". فغلظ الأمر بهذه الثلاث.
الثامنة: الأمر الكبير، وهو المقصود: أنه أخبر أن طلبتهم كطلبة بني إسرائيل لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨] .
التاسعة: أن نفي هذا معنى "لا إله إلا الله"، مع دقته وخفائه على أولئك.
العاشرة: أنه حلف على الفُتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة.
الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا.
الثانية عشرة: قولهم: (ونحن حدثاء عهد بكفر) فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك.
الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب، خلافًا لمن كرهه.
الرابعة عشرة: سد الذرائع.
الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية.
السادسة عشرة: الغضب عند التعليم.
السابعة عشرة: القاعدة الكلية، لقوله "إنها السنن".
[ ٢١١ ]
الثامنة عشرة: أن هذا عَلم من أعلام النبوة، لكونه وقع كما أخبر.
التاسعة عشرة: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا.
العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر. أما "من ربك"؟ فواضح، وأما "من نبيك"؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما "ما دينك"؟ فمن قولهم: "اجعل لنا إلهًا" إلخ.
الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين.
الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يُؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة لقولهم: ونحن حدثاء عهد بكفر.
[ ٢١٢ ]
شرح الباب ٨
باب في بيان أن من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما من بنية أو حجارة أو قبر أو موطئ أو أثر وما أشبه ذلك أشرك وكفر بالكتاب والسنة
وأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩-٢٠] . قال غير واحد من السلف:
إن اللات كان رجلًا صالحًا يلت السويق للحاج فمات فعكفوا على قبره فلما تمكن رسول الله ﷺ من ثقيف أمر المغيرة بن شعبة وأبا سفيان أن يهدماه.
وأما العزى قال هشام١: حدثني أبي صالح عن ابن عباس قال: كانت العزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد فقال: "إيت بطن نخلة فإنك ستجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى فأتاها فعضدها فلما جاء إليه قال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا، قال: فاعضد الثانية، فأتاها فعضدها، ثم أتى النبي ﷺ فقال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا، قال: فاعضد الثالثة، فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها تصرف بأنيابها وخلفها سدنتها، فقال خالد: كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حممة ثم عضد الشجرة وقتل السادن ثم أتى النبي ﷺ فأخبره أن تلك العزى ولا عزى بعدها".
وأما مناة فكانت بالمشلّل عند قديد بين مكة والمدينة وكانت خزاعة والأوس والخزرج في الجاهلية يعظمونها ويهلون منها للحج
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام (٤/١٣٨)
[ ٢١٣ ]
إلى الكعبة، روى البخاري عن عائشة نحوه١ وقد كان بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر يعظمها العرب كتعظيم الكعبة غير الثلاثة التي نص الله تعالى عليها في كتابه العزيز، إنما ذكر هذه لأنها أشد من غيرها، قال ابن إسحاق: وقد كانت قد اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب ويهدى لها كما يهدى للكعبة ويطاف بها كالكعبة وتنحر عندها وهي تعرف فضل الكعبة عليها لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم ﵇ ومسجده، وكانت قريش وبني كنانة العزى بنخلة وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم. قال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف وكانت سدنتها وحجابها بني مغيث وقد بعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب فهدماها وجعلا مكانها مسجدًا بالطائف.
قال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلّل بقديد فبعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان فهدماها، ويقال علي بن أبي طالب -﵁- قال: وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بيتًا له وكان يقال لها الكعبة اليمانية والكعبة التي بمكة الكعبة الشمالية فبعث رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي فهدمه، قال: وكانت فلس٢ لطي ومن يليها بجبل طي بين سَلْمَى وأجا قال ابن هشام: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ بعث علي بن أبي طالب فهدمه واصطفى منه سيفين الرسوب والمخدم فنفله
_________________
(١) ١ البخاري (٨/٦١٣) ٢ كذا في الأصل.
[ ٢١٤ ]
إياهما رسول الله ﷺ فهما سيفا علي، قال ابن إسحاق: وكان لحمير وأهل اليمن بيتًا بصنعاء يقال له: إريام وذكر أنه كان به كلب أسود وأن الحَبْرين اللذين ذهبا مع تُبّع استخرجاه وقتلاه وهدما البيت، قال ابن إسحاق: وكانت رضى بيتًا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بني تميم ولها يقول المستوعر بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام:
ولقد شددت على رضاء شدة فتركتها فقرًا بقاع اسمحا
وقال ابن هشام: يقال إنه عاش ثلاث مائة وثلاثين سنة وهو القائل:
ولقد سئمت من الحياة وطولها وعمرت من عدد السنين مئينا
مائة حذيتها بعدها مائتان لي وعمرت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا يوم يمر وساعة تحرونا
قال ابن إسحاق: وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب بن وائل وإياد بسنداد وله يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة:
بين الخورنق والسدير وبارق والبيت والكعبات من سنداد
وقال ابن إسحاق: وكان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له: سعد، صخرة بفلاة من الأرض طويلة، فأقبل رجل من بني ملكان بإبل مؤبلة ليقفها عليه ابتغاء بركته فيما يزعم، فلما رأته الإبل وكانت تهرق عليه الدماء ففرت منه فذهبت في كل وجه فغضب ربها فأخذ حجرًا فرماه به ثم قال: لا بارك الله فيك نفرت إبلي، فخرج في طلبها حتى جمعها، فلما اجتمعت له قال:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا فشتتنا سعد فلا نحن في سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة من الأرض لا تدعو بغي ولا رشد
وأما السُّنَّةُ فعن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع
[ ٢١٥ ]
رسول الله ﷺ ونحن حدثاء عهد بكفر ما عرفنا بعد حقائق الألوهية ولا دقائق الشركية وفينا بقية من الجهل لعدم تمكننا في العلم الشرعي وللمشركين سدرة يعكفون عندها ويتظللون تحتها وينوطون بها أسلحتهم تألهًا ومحبة من دون السدر والأشجار يقال لها: ذات أنواط لتنوطهم عليها السلاح فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط جهلًا بالمعنى والمآل كما لهمم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر" تعظيما لله وتنزيهًا عن المشابهة والمماثلة "إنها السنن" أي سنن الذين من قبلكم "قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم: رواه الترمذي وصححه١.
قال الطرطوشي -﵀- من علماء المالكية في كتاب "الحوادث والبدع": روى البخاري عن أبي واقد الليثي إلخ فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة يقصدها الناس وينوطون بها الخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها، ولذلك لما رأى عمر -﵁- أن الناس يقصدون الشجرة التي بايع تحتها أهل بيعة الرضوان أمر بقطعها خوفًا من الفتنة وحذرًا مما نبه عليه رسول الله ﷺ من المشابهة بالمشركين.
_________________
(١) ١أخرجه الترمذي (٢١٨٠) وأحمد (٥/٢١٨) من حديث أبي واقد الليثي مرفوعًا.
[ ٢١٦ ]