بسم الله الرحمن الرحيم، الباء للاستعانة، وهي حرف جر، واسم لغة من لغاتها الستة، قال الناظم:
اسمٌ بضمِّ أولٍ والكسرِ مع همزةِ وحذفها والقصر
وهو مجرور بالباء، والجار المجرور متعلق يعامل مقدر أما عامل عام يصلح في كل مقام كالابتداء، أو عامل خاص كأقرأ في القراءة وأصنف في التصنيف، وأمثال هذه، وعلى كلتا الحالتين إما فعل كاستقر وثبت، أو اسم كمستقر وثابت، وعلى أي تقدير مقدم أو مؤخر فالوجوه المتصورة فيها ثمان صور، فالأولى منها ما كان عامَّا مؤخرًا وفاقًا للفظ الحديث "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أقطع" ١. وفي حديث "أجذم" ٢، وفي آخر "أبتر" ٣. والمعنى: فهو قليل البركة أو مفقود البركة، وفاقًا للمقصود الذي هو الابتداء بذكر الله قبل كل شيء ولو قدر مقدمًا لحصل المقصود حصولًا ما، ولكن الحصول التام الأوفى بالتأجير اسمًا كان أو فعلًا، قال ابن القيم –﵀-: "لحذف العامل في بسم الله فوائد عديدة منها: أنها موطن لا ينبغي أن يقدم فيه سوى ذكر الله، فلو ذكر الفعل وهو لا يستغني عن فاعله كان ذلك مناقضًا للمقصود فكان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى ليكون المبدوء به اسم الله تعالى كما تقول في الصلاة: الله أكبر.
_________________
(١) ١ أخرجه عبد القادر الرهاوي في "الأربعين" كما في "الدر المنثور" ١/٢٦والحديث ضعيف. ٢ أخرجه أبو داود (٤٨٤٠) وفي سنده قرة بن عبد الرحمن المعافري قال الإمام أحمد: منكر الحديث جدًاّ. ٣ أخرجه الإمام أحمد (٢/٣٥٩) من حديث قرة بن عبد الرحمن المعافري به.
[ ١٩ ]
ومنها أن الفعل إذا حذف صح الابتداء في التسمية في كل عمل وقول بما يخص ذلك العمل والقول.
ومنها: أن الحذف أبلغ لأن المتكلم بهذه الكلمة كأنه يدعي الاستغناء بالمشاهدة عن النطق بالفعل فكأنه لا حاجة إلى النطق به لأن المشاهدة والحال دالة على أن هذا الفعل وكل فعل إنما هو بسم الله تعالى والحوالة على شاهد الحال أبلغ من الحوالة على شاهد المنطق كما قيل:
ومن عجب قول العواذل ما به وهل غير من يهوى يحب ويعشق١
ولفظ (الله) عَلَمٌ على الأَصَحِّ على ذات واجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال، ونعوت الجلال، المنزه عن العيوب والنقائص المتصلة والمنفصلة. وأصله من أَلُهَ يَألَهُ إلهًا بمعنى: معبود، ككتب يكتب كتابًا بمعنى مكتوب، فأريد تعريفه فأدخل عليه الألف واللام للتعريف فصار الإله فأدغمت اللام في اللام فصار الله وهو من تألهه القلوب بكمال المحبة وغاية الذل والخضوع لقدرته الكاملة وعمله المحيط بكل شيء. وهذا معنى العبادة وعلى هذا كان عامًّا في كل من عبده بهذا النوع باطلًا كان أو حقًا، فلما أمعن النظر فكرر ثم كرر واستشهد على إثبات الحق ونفي الباطل ما وجدت الشهود المرضية العدول السنية العلية إلا بإثباته للواحد الأحد الصمد الوتر المعبود المقصود وذلك لما تفكرت العقول السليمة والفطر المستقيمة ما رأت يوفى بالشهود إلا من اتحد بالأسماء الحسنى والصفات العليا والأفعال الكاملة التامة الحسنة والأقوال الصدق العدل، وذلك الله تعالى، فأفعاله الجميلة أبهرت العقول أن يدركوا كنه حِكمِهَا، وأقواله
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/٢٥.
[ ٢٠ ]
الصدق العدل عجزت ألسنة الفصحاء أن يأتوا بمثلها أو بعضها، وأسماؤه الحسنى قصرت الأوهام أن يدركوا لها كفوًا غيره، وصفاته العليا عجز الخلق أن يرقوا مراقيها، فثبت الحق وهو العبادة للمستحق المتوحد بأوصاف الكمال ونعوت الجمال، وهو الله إلا إله إلا هو ﷾، ونفت العبادة عن غيره لأن غيره خلقه وتحت قهره وتصريفه ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢] . فليس له كفو حتى يستحق العبادة، وهل يستحق الحمد إلا مدبرًا يربي جميع العالمين بحسناه وذاك هو الله الذي ليس مثله شيء، هو الأحد المعبود جل ثناؤه ولقد كان قبل الخلق حيًّا وقيمًا ولم يبق بعد الخلق قط سواه هو الموجد القيوم بالخلق لا سواه فكل عبد ذليل لمولاه فمن أين يلقى المشرك الكفؤ مثله ومن أين يلقى من له الأمر إلا هو فسبحانه سبحانه جل شأنه علا واعتلى عن كل ندٍّ وأشباه قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١-٤] . فهو الله لا إله إلا هو فعال لما يريد لا مضاد لأمره ولا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه لا شريك له في ملكه ولا في ربوبيته ولا في ألوهيته ولا ند له ولا ضد ولا مثل، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، يعز ويذل ويخفض ويرفع ويعطي ويمنع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، له الملك وله الحمد وله الثناء الكامل وله الخلق والأمر كل يوم هو في شأن لا إلا هو ولا رب لنا سواه.
الرحمن صفة لله واستبعد قوم أن يكون الرحمن نعتًا لله من قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قالوا: ويدل على هذا أن الرحمن علم مختص بالله لا يشاركه فيه غيره وليس هي كالصفات التي هي كالعليم والقدير والسميع والبصير ولهذا لا يحتوي على غيره
[ ٢١ ]
تعالى، قالوا: ويدل عليه أيضًا وروده في القرآن غير تابع لما قبله لقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١] . ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك: ٢٠] . وهذا شأن الأسماء المختصة، لأن الصفات لا تقتصر على ذكرها دون الموصوف، قال السهيلي: والبدل عندي ممتنع وكذلك عطف البيان لأن الأول هو أعرف المعارف وأبينها ولهذا قالوا: وما الرحمن ولم يقولوا وما الله، ولكنه وإن جرى مجرى الأعلام فهو وصف يراد به الثناء وكذلك الرحيم إلا أن الرحمن من أبنية المبالغة كغضبان ونحوه وإنما دخله معنى المبالغة من حيث كان في آخره ألف ونون كالتثنية فإن التثنية في الحقيقة تضعيف، وكذلك هذه الأبنية وفائدة الجمع بين الصفتين، أعني الرحمن الرحيم الإنباء عن رحمة عاجلة وآجلة وعامة وخاصة، قلت: ولهذا أي عمومية الرحمة في الدنيا وخصوصيته في الآخرة للمؤمنين الموحدين مثل مطابق يظهر الأمر المعنوي المشار إليه في صورة الحسي عند الأذهان، وهو أن الكريم إذا أمر عمَّالًا أن يصنعوا له شيئًا وأحضر للعمال الطعام وحضر مع العمال ناس غيرهم أطعم الكل لكرمه ولم يرض أن يشذ منهم أحدا؛ لأنه يرى أن في ذلك نقص في جانبه وهو كذلك عند الكريم فكيف بأكرم الأكرمين، ولكن إذا حضر عند إعطاء الأجرة فلم يعط إلا العاملين فالله تعالى له المثل الأعلى في السموات والأرض، في الدنيا رحمته وسعت كل شيء، وفي الآخرة عند إعطاء الجزاء ما يرحم إلا العاملون المخلصون بفضله وأمسك رحمته عن المجرمين بعدله، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ . [لأعراف: ١٥٦] . قال ابن القيم –﵀-: أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت فإنها دالة على صفات كماله فلا تنافي فيها بين العلمية
[ ٢٢ ]
والوصفية، فالرحمن اسمه تعالى ووصفه، لا تنافي اسميته وصفيته، فمن حيث هو صفة جرى تابعًا على اسم الله تعالى، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع بل ورود الاسم العَلَم١. ولما كان هذا اسم مختصَّا به سبحانه حسن مجيئه مفردًا غير تابع لمجيء اسم الله تعالى كذلك، وأما الجمع بين الرحمن الرحيم ففيه معنى وهو أحسن المعنيين الذين ذكرهما السهيلي وهو: أن الرحمن دال على الصفة القائمة به ﷾، الرحيم الدال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف، والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفة، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم ذلك فتأمل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ . [الأحزاب: ٤٣] . ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . [التوبة: ١١٧] . ولم يجيء قط رحمان بهم، فعلم أن الرحمن هو الموصوف بالرحمة والرحيم برحمته، وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب. انتهى. قلت: وهذا المعنى الذي ذكره –﵀- هو كما قال، لكن لا يفي بعمومية الرحمة في دار التكليف للكافر والمسلم، والبر والفاجر، وخصوصيتها في دار الجزاء للمؤمنين المتقين كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ . أي الشرك وفروعه وذلك أن الشيخ –﵀- بيَّن أن الرحمن دال على أن الرحمة صفته تعالى، والرحيم دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وهذا لا ينكره من له أدنى لب ومعرفة، ولكن ما يشعر هذا القول بعموميتها في الدنيا وخصوصيتها في الآخرة، وهذان المعنيان هما أليق بمبادئ الأمور؛ لأنه يتبرأ العامل من الحول والقوة، ويعلم أنه لولا رحمته عليه لكان من الخاسرين، وأيضًا يصلح النية
_________________
(١) ١ "بداع الفوائد" ١/٢٧.
[ ٢٣ ]
والعمل إذا علم أن الرحمة مختصة في الآخرة بالمؤمنين، فتأمل. فإن قلت: بدأ المؤلف –﵀- بالبسملة ولم يبدأ بالحمدلة وقد ورد في الأثر في كل منهما أنه ﷺ قال: "كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله فهو أقطع" ١. وكذلك ورد "كل أمر ذي بال لم يبدأ بالحمد لله فهو أقطع" ٢. قلت: الحمد هو الثناء باللسان على جميل الاختيار مطلقًا بإزاء النعمة أم لا، وهذا القدر حصل من قوله: بسم الله الرحمن الرحيم وبدؤه بها لأن فيها أوصاف ثلاثة متضمنات الثناء، وثانيًا: ليس في الحديثين إشعار بالجمع بينهما، فعلى هذا لو يكتفي بواحدة منهما لحصل المقصود الذي هو الابتداء بذكر الله تعالى قبل كل شيء تيمنًا وتبركًا مستعينًا به، وثالثًا: ليس فيهما تصريح بكتابتهما أمام المقصود الذي يريده، بل إذا سمى الله تعالى وحمد الله بلسانه وبدأ بمقصوده الذي يريده حصل المراد والامتثال بما قال الرسول ﷺ، فعلى هذا فربما أن الشيخ –﵀- حمد الله بلسانه عند الابتداء ولم يكتبه. فإن قلت: كيف الجمع بين الحديثين وكلاهما ذكر فيهما الابتداء فإن بدء البسملة لم يبدأ بالحمدلة وإن بدأ الحمدلة ما بدأ بالبسملة؟ قلت: الابتداء على ثلاثة أنواع: حقيقي وهو الذي لم يذكر قبله شيء، وإضافي وهو الذي ذكر قبله شيء ولكنه قبل الخطبة، وعرفي وهو الذي قبل المقصود، فالابتداء بالبسملة: حقيقي إضافي عرفي، والابتداء بالحمدلة إضافي عرفي لا حقيقي، والابتداء بالخطبة عرفي لا إضافي ولا حقيقي لأنه في العرف يطلق عليها أنها مبدوء بها لأنها قبل المقصود والغاية.
_________________
(١) ١ تقدم في الصفحة رقم ٥. ٢ تقدم في الصفحة رقم ٥.
[ ٢٤ ]