وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . [الذاريات: ٥٦] . وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . [النحل: ٣٦] . وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ . [الإسراء: ٢٣] . وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ . [النساء: ٣٥] . وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ . [الأنعام: ١٥١-١٥٤] .
قال ابن مسعود –﵁-: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ –إلى قوله-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ . [الأنعام: ١٥٤] .
وعن معاذ بن جبل –﵁- قال: كنت رديف النبي ﷺ، على حمار فقال لي: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله"؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" أخرجاه في الصحيحين.
فيه مسائل:
الأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس.
[ ٢٥ ]
الثانية: أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه.
الثالثة: أن من لم يأت به لم يعبد الله، ففيه معنى قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ . [الكافرون: ٣،٥] .
الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل.
الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة.
السادسة: أن دين الأنبياء واحد.
السابعة: المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر والطاغوت؛ ففيه معنى قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ . [البقرة: ٢٥٦] .
الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عُبد من دون الله.
التاسعة: عظم شأن ثلاث الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف. وفيها عشر مسائل، أولها النهي عن الشرك.
العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها ثماني عشرة مسألة، بدأها الله بقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ . [الإسراء: ٢٢] . وختمها بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ . [الإسراء: ٣٩] . ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ . [(الإسراء: ٣٩] .
الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية
[ ٢٦ ]
الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: ﴿اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ . [النساء: ٣٦] .
الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله ﷺ عند موته.
الثالثة عشرة: معرفة حق الله تعالى علينا.
الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه.
الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة.
السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة.
السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره.
الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله.
التاسعة عشرة: قول المسؤول عمّا لا يعلم: الله ورسوله أعلم.
العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض.
الحادية والعشرون: تواضعه ﷺ لركوب الحمار مع الإرداف عليه.
الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة.
الثالثة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل.
الرابعة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة.
[ ٢٧ ]
الشرح
قال الشيخ: كتاب التوحيد كتاب، مصدر كتب يكتب كتابًا بمعنى مكتوب، والتوحيد مصدر يوحد توحيدًا، كصرف يصرف تصريفًا من الثلاثي مزيد فيه بتكرار العين وكتاب مضاف إلى التوحيد، والمجموع خبر لمبتدأ محذوف، أي هذا الكتاب في بيان التوحيد ووصفه وصفته وأنواعه، فأما بيانه مجملا فهو إفراد الله بالعبادة التي شرعها على لسان رسوله ﷺ ونفي العبادة عما سواه، لا على ما ظنه ابن سينا أخذًا مما نسب إلى أرسطوا اليوناني أن التوحيد أن تجعل الإله الوجود المطلق مجردًا عن الأوصاف جميعها لا يعلم ولا يسمع ولا يبصر ولا يختار ولا يشاء، لكن هذا الوجود المطلق المجعول لها لا يفني أبدًا. والشرك عندهم إثبات الصفات للإله، هذا توحيد ابن سينا والنصير الطوسي الملاحدة ومن تبعهم. ولا على ما ظنه ابن سبعين وأهل الاتحاد أن تجعل الكائنات بأسرها الله هو عينها لا غيرها ولا هنا عبد ورب وخالق ومخلوق. والشرك عندهم أن الوجود اثنين: رب وعبد. ولا على ما ظنه الجهم ومن تبعه من أهل تعطيل التوحيد نفي الصفات التي وصف الله نفسه بها في القرآن كالعلو والكلام ونحوهما، والشرك عندهم إثبات الصفات لله، وهؤلاء مع ابن سينا يتوافقون في الشرك، وقولهم فيه واحد سواء، لكن اختلفوا في التوحيد عند ابن سينا الوجود المطلق هو الإله مجردًا عن الصفات، وهؤلاء عندهم الإله الذات المجرد عن الصفات فتأمل. ولا على ما ظنه الجبرية أن التوحيد عندهم أن الله فاعل الأفعال التي تصدر من الإنسان كلها طاعة أو فسوق، قبيح أو حسن، شرك أو كفر، نافق أو إيمان، والعبد كالميت ما له فعل، بل هو مجبور على ما يصدر منه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
[ ٢٨ ]
وأما صفة التوحيد: أن تجعل الخالق المكوِّن المدبر نصب عينيك وتفنى فيه١، أن تفنى في معرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحسنة، وأقواله الصدق وتستدل بها على أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأن عبادة ما سواه باطل، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ فحينئذ تثمر لك هذه الحالة أن تقطع العلائق عن الخلائق من حيث الجملة على الإطلاق، وتجعلهم كالعدم المحض وتقول: إياك نعبد وإياك نستعين، وكيف لا وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ . [يونس: ١٠٧] . وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ . [الزمر: ٣٨] . وغير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، أما ترى أن الله تعالى أمر رسوله بالتعلق به تعالى وحده، من بعد ما بين صريحًا أن غيره لا ينفع ولا يضر؟ هذا؛ فكيف يجتمع في قلب مؤمن سليم الإيمانُ بهذه الآيات وأشباهها، ودعوة غير الله في كشف الكربات ودفع الملمات وقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ . [الإسراء: ٥٦] . ذكر المفسرون أن ناسًا كانوا يعبدون عيسى، وناسًا عزيزًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية أن هؤلاء لا يملكون لكم شيئًا لا كشف الضر عنكم ولا تحويلا للضر، قال تعالى: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ . [الرعد: ٣١] وقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، [يّس: ٨٣] . هذا في الدنيا، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ
_________________
(١) ١ الفناء اصطلاح صوفي.
[ ٢٩ ]
لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ . [الانفطار: ١٧- ١٩] . وهذا في الآخرة، فبان بالنص الصريح من تنزيل رب العالمين أن ليس لغير الله دعوة لا في الدنيا ولا في الآخرة، قال الله تعالى عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ . [غافر: ٤١-٤٣] .
فبين الله أن ليس لأحد دون الله دعوة لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن بيده الآخرة والأولى، وما سواه تحت قهره وتصريفه، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ . [الليل: ١٢،١٣] . وذلك أن غير الله ليس له ملك في السماوات والأرض ولا شراكة ولا عوانة ولا شفاعة إلا بإذنه. قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . [سبأ: ٢٢،٢٣] . فنفى الملك فيهما عمن سواه ونفى الشراكة ونفى العوانة والشفاعة إلا بإذنه، هذا فكما أن النور والظلمة لا يجتمعان، وكذلك الحياة والممات اجتماعهما محال، كذلك الإيمان بهذه الآيات وما أشبهها لا يجتمع مع دعوة غير الله في كشف الضر وتحويله، بل مهما وجد واحد منهما في شخص انتفى الثاني ولابد، كالنور والظلمة.
وأما وصف التوحيد: فوصف النور، ووصف ضده –وهو الشرك- الظلمة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ
[ ٣٠ ]
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . [النور: ٣٥] . فمثًّل الله نوره الذي في قلب المؤمن بمشكاة، أي: كوة فيها المصباح، والمصباح في زجاجة، أي القنديل والزجاجة التي فيها المصباح كأنها كوكب من حسن صفاء الزجاجة، وتوقد فتيلة المصباح من شجرة مباركة، زيتونة لا شرقية فيغلب عليها الحرورة فيصفر لونه، ولا غربية تغلب عليها البرودة فيغبر لونه، بل معتدلة في الطبع فصفى لونه، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه –لشدة صفائه- نار، نور على نور، نور المصباح ونور الزجاجة ونور الزيت فكما إذا اجتمعت هذه الأنوار حصل منها أنوار عظيمة، كذلك قلب المؤمن الموحد وكما أن الزيت الذي وصفه الله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ وكذلك قلب الموحد يداك يستبصر بنور التوحيد ويتبرهن ببراهين قاطعة وحجج ساطعة عقلًا على المبطلين والملحدين وأصحاب البدع بما يدحض حججهم ويبطل مآخذهم من دون أن يسمع من عالم أو فقيه أو محدث. وهل ذلك إلا كما قال تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ . قال ابن القيم –﵀-: الثالث قلب محشو بالإيمان قد استنار بنور الله انقشعت عنه حجب الشهوات وأقلعت تلك الظلمات، فلنوره في صدره إشراق، ولذلك الإشراق إيقاد ولو دنا منه الوساوس احترق به، فهو كالسماء التي حرست بالنجوم فلو دنا منه ليتخطاها رجم فاحترق، وليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن، وحراسة الله له أتم حراسة من حراسة السماء، والسماء معبد الملائكة ومستقر الوحي، وفيها الطاعات، وقلب المؤمن مستقر التوحيد والمحبة والمعرفة، وفيه أنوارها، فهو حقيق أن يحرس ويحفظ من كيد العدو فلا ينال منه شيئًا إلا خطفة، وقد مثل هذا بمثل حسن، وهو ثلاثة بيوت: بيت لملك فيه كنوزه
[ ٣١ ]
وذخائره وجواهره، وبين للعبد ليس فيه جواهر الملك وذخائره، وبين خال صفر لا شيء فيه فجاء اللص ليسرق أحد البيوت فمن أيها يسرق؟ فإن قلت من البيت الخال كان محالًا؛ لأن البيت الخالي ليس فيه شيء فيسرقه، ولهذا قيل لابن عباس: أن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلواتها، فقال: وما يصنع الشيطان بالقلب الخراب؟ وإن يسرق من بيت الملك كان ذلك كالمستحيل الممتنع، فإن عليه من الحرس ما يرده، ولا يزال ما لا يستطيع اللص من الدنو منه، كيف وقد حارسه الملك نفسه؟ وكيف يستطيع الدنو منه وحوله من الحرس والجند ما حوله؟ فلم يبق للص إلا البيت الثالث وهو الذي يشن عليه الغارات، فقلب خلا من الخير كله وهو قلب الكافر والمنافق فذلك بيت الشيطان قد أحرزه لنفسه واستوطنه واتخذه مسكنًا ومستقرًّا فأي شيء يسرق وفيه خزائنه وذخائره وشكوكه ووساوسه؟ انتهى.
قلت: وذلك لما خلا من قلبه نور التوحيد ونور الكتاب والسنة صار مثله كما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ . [النور: ٤٠] . وحينئذ لقي العدو عليه مساطي١، وهذا شأن العدو الضعيف: وهو الشيطان ضعيف فإنه في الكيد، قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ . [النساء: ٧٦] .وشأن السراق وقطاع الطريق بل السباع الضواري بل والهوام وحشرات الأرض كالحيات والعقارب وأشباهها ما يظهرون ولا يعدون على الحصون والبيوت والطرق إلا في الليل المشتمل على الظلمات التي
_________________
(١) ١ هي مِنَ السَّطْوِ، يعني: "مدخل" أي أن الشيطان سَطَا على ابن آدم؛ لما ضعف نور الوحيد في قلبه.
[ ٣٢ ]
تستر الأعين عن الأبصار والاستبصار ويستغنم الفرص، لما فيها من الغفلة والسكون وعدم الفطنة والدرك، فهم على هذا حتى يتبين النور، فإذا أحسوا بنور فروّا واستكمنوا. وهذا القلب يضاده قلب المؤمن، كتضاد النور والظلمة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . [البقرة: ٢٥٧] . وتضاد القلبين كتضاد الحياة والممات، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ . [الأنعام: ١٢٢] . قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ . [النور: ٤٠] . مثلٌ للمشرك أنه لما تراكمت على قلبه الظلمات لعضها فوق بعض، ظلمة الشرك وظلمة الجهل وظلمة اتباع الأهواء والآراء والآباء، فحينئذ لم يكد يرى القبيح والحسن، والحق والباطل، أي لا يميز بينهما بل ربما يجعل القبيح حسنًا، والحسن قبيحًا، والحق باطلًا، والباطل حقًاّ، لعمى بصيرته، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ . [الحج: ٤٦] .ووقوع هذا الداء العضال في الكفار والمشركين والمنافقين أمر واضح، نطق به الوحيان، ويقع في أهل المعاصي إذا أدمنوا عليها، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . [المطففين: ١٤] . فلما كان هذا ممكن الواقع ولا يدفعه دافع ولا يمنعه مانع إلا الله العليم الوسيع كان رسول الله ﷺ يدعو بهذا الدعاء: "اللهم أرني الحق حقًّا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلًا وارزقني اجتنباه ولا تجعله مُلتبسًا علي فأفضل" ١.
_________________
(١) ١ قال الحافظ العراقي في " المغني عن حمل الأسفار" ١/٦٤٣: "لم أقف لأوله على أصل ".
[ ٣٣ ]
وأما أنواعه، فالتوحيد نوعان: قولي اعتقادي، وفعلي، فالقولي الاعتقادي نوعان: ثبوتي وسلبي، والسلبي أيضًا نوعان: سلب النقائص والعيوب كلها عنه تعالى، وهذا أيضًا نوعا، سلب العيوب المتصلة التي تنسب إلى الذات أي يعتريه كالموت والنوم والسنة والعبث والجهل والإعياء والتعب والظلم والعدوان والغفلة والنسيان والاحتياج، والثاني –من نوعي سلب النقائص-: سلب العيوب المنفصلة عن الذات، كالولد والوالد والزوج والكفو والولي والشريك والظهير والشفيع، والثاني من أنواع السلب: سلب أوصافه عن التشبيه والتمثيل والتعطيل.
والنوع الثاني من نوعي التوحيد القولي الاعتقادي: إثبات صفات الكمال التي ذكرها الله تعالى في كتابه وأسمائه الحسنى، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . [الأعراف: ١٨٠] . وهن: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢-٢٤] . هو الله، الغفار، القهار، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحكيم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم،
[ ٣٤ ]
المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الولي، المتعالي، البر، التواب، المنعم، المنتقم، العفو، الرؤوف، المالك، ذو الجلال والإكرام، الرب المقسط، الجامع، الغني، المغني، المعطي، المانع، النافع، الضار، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور، الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وهذه الأسماء التي ذكرها الله في كتابه العزيز وألزم عباده بأنهم إذا أرادوا أن يدعوا الله تعالى في أمر أن يدعوه سبحانه بها قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . [لأعراف: ١٨٠] .
والإلحاد في أسماء الله تعالى أربعة أنواع: نوع شركي، بمعنى أن يسمى بأسماء الله تعالى الآلهة الباطلة، وهذا النوع كثيرا ما يقع عند المشركين، قال البن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . [الأعراف: ١٨٠] . قال: يشركون: سموا اللات من الإله والعزى من العزيز١.
والنوع الثاني: نوع تغييري بمعنى يدخل فيها ما ليس منها، قاله الأعمش.
والنوع الثالث: تعطيلي بمعنى أنه ينفي عنها حقائقها من المعاني البينة في اللغة والسنة.
والنوع الرابع: إنكاري كما أنكرت قريش الرحمن قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ .
قال ابن القيم في مدارج السالكين: "الإلحاد تسمية الأوثان بها كما يسمونها آلهة. وقال ابن عباس في تفسير الآية: ﴿يُلْحِدُونَ فِي
_________________
(١) ١ ابن أبي حاتم في "التفسير" كما في "الدر المنثور" ٣/٦١٦.
[ ٣٥ ]
أَسْمَائِهِ﴾ يكذبون عليه، وهذا تفسير بالمعنى. وحقيقة الإلحاد فيها العدول بها عن الصواب فيها وإدخال ما ليس من معانيها فيها وإخراج معانيها عنها هذا حقيقة الإلحاد، ومن فعل ذلك فقد كذب على الله، ففسر ابن عباس الإلحاد بالكذب، إذ هو غاية الملحد في أسمائه تعالى، فإنه إذا أدخل في معانيها ما ليس منها، وخرج بها عن حقائقها أو بعضها فقد عدل بها عن الصواب والحق، وهو حقيقة الإلحاد. فالإلحاد إما بجحدها وإنكارها، أو بجحد معانيها وتعطيلها، وإما بتحريفها عن الصواب، وإخراجها عن الحق بالتأويلات الباطلة، وإما بجعلها أسماء لهذه المخلوقات المصنوعات، كإلحاد أهل الاتحاد، فإنهم جعلوها أسماء هذا الكون، محمودها ومذمومها، حتى قال زعيمهم: "وهو المسمى بكل اسم ممدوح عقلًا وشرعًا وعرفًا، وبكل اسم مذموم عقلًا وشرعًا وعرفًا" تعالى الله عما يقول الملحدون علوًّا كبيرًا١.
والأوصاف التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها رسوله ﷺ، يوصف الرب تعالى بها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، منها العلو، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . [طه: ٥] . وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ . [فاطر: ١٠] . وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ . [الملك: ١٦،١٧] .
وقد ذكر العلو لله في خمسة وعشرين موضعا من القرآن.
ومنها الكلام، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ . [النساء: ١٦٤] .
ومنها الإرادة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ١/٣٨-٣٩.
[ ٣٦ ]
الرِّجْسَ﴾ . [الأحزاب: ٣٣] . وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ . [البقرة: ١٨٥] .
زمنها الرحمة، قال تعالى: ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ . [الأنعام: ١٤٧] . وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ . [لأعراف: ١٥٦] .
ومنها المحبة، قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ . [المائدة: ٥٤] .
ومنها الغضب، قال تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ . [الفتح: ٦] .
ومنها الرضى، قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ . [البينة: ٨] .
ومنها المشيئة، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ . [القصص: ٦٨] .
ومنها الوجه، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ . [الرحمن: ٢٧] .
ومنها اليد، قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ . [الفتح: ١٠] .
ومنها الفرح، قال رسول الله ﷺ: "إن الله يفرح بتوبة العبد أشد فرحًا من فاقد راحلته بأرض فلاة" ١.
ومناه الخلة، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ . [النساء: ١٢٥] .
والإلحاد فيها نوعان: تعطيلي بمعنى أنه يعطل حقائق معانيها ويؤولها، كالجهمية ومن تبعهم، وفروخ الأشاعرة في بعضها، ش
_________________
(١) ١ رواه البخاري (٦٣٠٨) ومسلم (٢٧٤٤٩ عن ابن مسعود بنحوه. ورواه أيضا البخاري (٦٣٠٩) ومسلم (٢٧٤٧) عن أنس بنحوه. ورواه مسلم (٢٧٤٥) عن النعمان بن بشير بنحوه، وعن البراء بن عازب (٢٧٤٦) .
[ ٣٧ ]
والمعتزلة في بعضها، كتأويل الاستواء بالاستيلاء، واليد بالقدرة، وأشباه ذلك؟ وإنكاري بمعنى ينكر أوصافه كلها، كابن سبنا، وأرسطو، ومن تبعهم. أو بعضها كالجهمية: في الكلام، والخلة، والمعتزلة: في الرؤية.
هذا وقد قال الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ١. فالهدي القويم والعقل السليم يدلان على أن الله هو أعلم بنفسه من غير، وما سواه لم يدركوا كنه ذاته؛ لأن ما سواه مخلوق مصنوع، والمصنوع ما يعرف الصانع، كما قيل:
تقاصرت الأفهام عن كنه ذاته فلا كيف يدري ما العقول ولا ما هو
وهل يعرف المصنوع صانع نفسه بلى يعلم الباري بما هو سواه إذ العقل لم يدر الذي قد تخلفا فكيف برب خالق الكون أنشاه، فهو جل وعلا وصف نفسه بهذه الأوصاف، فاللازم على كل مسلم أن يؤمن بها، من دون تكييف، ولا تمثيل ولا تشبيه، ولا تعطيل، ويكون كما قال مالك اقرأ في الإثبات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ . [الإخلاص: ١-٤] . واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . [الشورى: ١١] . وقال في جواب السائل حين سأله عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ولا أراك يا هذا إلا مبتدعًا.
النوع الثاني من نوعي التوحيد: فعلي، وهو توحيد العبادة، وهو أن تفرد الله بما شرعه على لسان رسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا
_________________
(١) ١ رواه مسلم (٤٨٦) .
[ ٣٨ ]
إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ . [الزمر: ٢-٣] . والسورة كلها عامتها في هذا المعنى إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ . [الزمر: ١١-١٥] . إلى قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ . [الزمر: ٣٦] . وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . [البينة: ٥] . وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . [غافر: ٦٥،٦٦] .
واعلم أن التوحيد والإخلاص ما يتم إلا بمتابعة الرسول ﷺ، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . [النور: ٦٣] .
قال الإمام أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه من الزيغ فيهلك. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . [الحشر: ٧] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ . [النساء: ٥٩] . وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . [النساء: ٦٥] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ
[ ٣٩ ]
مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ . [النساء: ٦٩] . وقال تعالى: ﴿إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ . [الجن: ٢٣] . فَعُلِمَ أن شهادة أن لا إله إلا الله، لا تتم، بمعنى أنه لا تتم الألوهية أي العبودية إلا برسول مرسل إلينا، يعلمنا طريق العبادة وأنواعها، فتأمل، إلا بشهادة أن محمدًا رسول الله، ولهذا صارا في الإسلام ركنًا واحدًا بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ركن، وإقامة الصلاة، ركن، وإيتاء الزكاة، ركن، وصوم رمضان، ركن، الحج، ركن، فالأصل: شهادة أن لا إله إلا الله، وتتمتها شهادة أن محمدًا رسول الله، فلا إله إلا الله حصن كما في الحديث القدسي "لا إله إلا الله حصني أمن من عقابي" ١. الحديث، وباب الحصن الذي يدخل منه شهادة أن محمدًا رسول الله، فلا إله إلا الله هي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، وهي الحصن الحصين. وكل حصن له باب وقفل فالباب: الشهادة بالرسالة، والقفل العمل بما جاء به ﷺ، ولا يتم الضبط والاحتكام إلا بهذه الثلاثة، قال رسول الله ﷺ: "لا إله إلا الله مفتاح الجنة" ٢، وكل مفتاح له أسنان، فمن أتى بها يفتح له، ومن لم
_________________
(١) ١ عزاه الحافظ العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" ١/١١٩ للحاكم في "المغني عن حمل الأسفار" ١/١١٩ للحاكم في "التاريخ" وأبي نعيم في "الحلية" من طريق أهل البيت من حديث علي بإسناد ضعيف جدًا، وقال: "وقول أبي منصور الديلمي: إنه حديث ثابت. مردود عليه". ٢ رواه الإمام أحمد (٥/٢٤٢) من حديث معاذ بن جبل رفعه "مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله"، وقال الهيثمي في "المجمع" ١٠/٨٨: "رواه أحمد ورجاله وثقوا إلا أن شهرًا لم يسمع من معاذ. وإسناده ضعيف".
[ ٤٠ ]
يأت بها لم يفتح. والأسنان الأعمال الصالحة، والعمل الصالح ما كان على شريعة الرسول اللهم صل وسلم عليه.
والحاصل، أن الدين لا يتم إلا بهذين الأصلين: الإخلاص والمتابعة، ولا يقبل عمل إلا ما كان مؤسسًا عليهما، كما قال عياض: ما يقبل الله عملًا إلا أخلصه وأصوبه، قيل: ما أخلصه وأصوبه يا أبا علي؟ قال: العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، والخالص ما كان لابتغاء وجه الله، والصواب ما كان على شريعة محمد بن عبد الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] . فجعل الله محبته منوطًا على اتباعه ﷺ.
[ ٤١ ]