باب: "التسمي بقاضي القضاة ونحوه"
في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله " ١.
_________________
(١) قوله: "باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه". ذكر المصنف -﵀- هذه الترجمة إشارة إلى النهي عن التسمي بقاضي القضاة قياسا ١ البخاري: الأدب (٦٢٠٦)، ومسلم: الآداب (٢١٤٣)، والترمذي: الأدب (٢٨٣٧)، وأبو داود: الأدب (٤٩٦١)، وأحمد (٢/٢٤٤) .
[ ٤٢٥ ]
على ما في حديث الباب؛ لكونه شبهه في المعنى فينهى عنه.
قوله: "في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله " ١.
لأن هذا اللفظ إنما يصدق على الله تعالى، فهو ملك الأملاك لا ملك أعظم ولا أكبر منه، مالك الملك ذو الجلال والإكرام. وكل ملك يؤتيه الله من يشاء من عباده فهو عارية يسرع ردها إلى المعير، وهو الله تعالى، ينزع الملك من ملكه تارة وينزع الملك
قال سفيان: " مثل شاهان شاه".
منه تارة٢ فيصير لا حقيقة له سوى اسم زال مسماه. وأما رب العالمين فملكه دائم كامل لا انتهاء له، بيده القسط يخفضه ويرفعه; ويحفظ على عباده أعمالهم بعلمه ﷾، وما تكتبه الحفظة عليهم، فيجازي كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر. كما ورد في الحديث: " اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله "٣.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. قال العزيزي في الشرح الكبير: وفي الباب غيره أيضا. وفي قرة العيون: لأن هذا اللفظ إنما يصدق على الله فهو ملك الأملاك؛ لأنه هو الملك في الحقيقة له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، يتصرف في الملوك وغيرهم بمشيئته وإرادته كما قال تعالى: ٣: ٢٦ (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير) الآية. فلا ينبغي أن يعظم المخلوق بما يشبه ما يعظم به الخالق جل وعلا، وما كان مثل ذلك فينهى عنه كالذي ترجم به المصنف; لأنه لا يصدق هذا المعنى إلا على الله، فلا يصلح أن يسمى به المخلوق؛ لأن كل لفظ يقتضي التعظيم والكمال لا يكون إلا له -تعالى وتقدس- دون غيره. ٢ قال تعالى: ٣: ٢٦ (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء) . ٣ أحمد (٥/٣٩٥) .
[ ٤٢٦ ]
قوله: "قال سفيان" يعني ابن عيينة "مثل شاهنشاه١ " عند العجم عبارة عن
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (ج ١٢ ص ٤٣) في حوادث سنة ٤٢٩: وفي رمضان منها لقب جلال الدولة - السلجوقي - شاهنشاه الأعظم، ملك الملوك بأمر الخليفة القائم لله، وخطب له بذلك على المنابر، فنفرت العامة من ذلك، ورموا الخطباء بالآجر، ووقعت فتنة شديدة بسبب ذلك. واستفتوا القضاة والفقهاء في ذلك، فأفتى أبو عبد الله الصيمري -الشافعي- أن هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنية. وقد قال تعالى: (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا) . وقال: (وكان وراءهم ملك) . وإذا كان في الأرض ملوك جاز أن يكون بعضهم فوق بعض وأعظم من بعض، وليس في ذلك ما يوجب النكير. والمماثلة بين الخالق والمخلوقين. وكتب القاضي أبو الطيب الطبري: "أن إطلاق (ملك الملوك) جائز، ويكون معناه: ملك ملوك الأرض. وإذا جاز أن يقال: كافي الكفاة وقاضي القضاة; جاز أن يقال: ملك الملوك، وإذا كان في اللفظ ما يدل على أن المراد به ملك ملوك الأرض زالت الشبهة. ومنه قولهم: اللهم أصلح الملك، فيصرف الكلام إلى المخلوقين". وكتب التميمي الحنبلي نحو ذلك. =
[ ٤٢٧ ]
ملك الأملاك. ولهذا مثل به سفيان؛ لأنه عبارة عنه بلغة العجم.
[ ٤٢٨ ]
.وفي رواية: " أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه " ١.
قوله: " أخنع " يعني أوضع.
_________________
(١) ١ مسلم: الآداب (٢١٤٣)، وأحمد (٢/٣١٥) .
[ ٤٢٩ ]
قوله: "وفي رواية " أغيظ رجل على الله وأخبثه ".
قوله: "أغيظ" من الغيظ وهو مثل الغضب والبغض، فيكون بغيضا إلى الله مغضوبا عليه١. والله أعلم.
قوله: "وأخبثه" وهو يدل أيضا على أن هذا خبيث عند الله، فاجتمعت في حقه هذه الأمور لتعاظمه في نفسه وتعظيم الناس له بهذه الكلمة التي هي من أعظم التعظيم، فتعظمه في نفسه وتعظيم الناس له بما ليس له بأهل، وضعه عند الله يوم القيامة، فصار أخبت الخلق وأبغضهم إلى الله وأحقرهم؛ لأن الخبيث البغيض عند الله يكون يوم القيامة أحقر الخلق وأخبثهم، لتعاظمه في نفسه على خلق الله بنعم الله.
قوله: "أخنع: يعني أوضع"٢ هذا هو معنى "أخنع"، فيفيد ما ذكرنا في معنى "أغيظ" أنه يكون حقيرا بغيضا عند الله.
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك.
الثانية: إن ما في معناه مثله كما قال سفيان.
الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه.
الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه.
وفيه التحذير من كل ما فيه تعاظم. كما أخرج أبو داود عن أبي مجلز قال: خرج معاوية ﵁ على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير. فقال معاوية لابن عامر: اجلس; فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أحب أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوأ مقعده من النار " ٣. وأخرجه الترمذي أيضا، وقال: حسن.
وعن أبي أمامة ﵁ قال: " خرج علينا رسول الله ﷺ متكئا على عصا، فقمنا إليه. فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضا " ٤. رواه أبو داود.
قوله: "أغيظ رجل" هذا من الصفات التي تمر كما جاءت، وليس شيء مما ورد في الكتاب والسنة إلا ويجب اتباع الكتاب والسنة في ذلك، وإثباته على وجه يليق بجلال الله وعظمته تعالى، إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل كما تقدم، والباب كله واحد. وهذا هو قول أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الفرق الناجية من الثلاث والسبعين فرقة.
وهذا التفرق والاختلاف إنما حدث في أواخر القرن الثالث وما بعده، كما لا يخفى على من له معرفة بما وقع في الأمة من التفرق والاختلاف والخروج عن الصراط المستقيم، والله المستعان.
_________________
(١) ١ ويؤيده "اشتد غضب الله على من زعم أنه ملك الأملاك" أخرجه الطبراني. ٢ "أخنع" بفتح الهمزة والنون بينهما معجمة ساكنة أي أدخلها في الخنوع، وهو الذل والضعة والهوان، ذكره الزمخشري. وفي رواية: "أخنى" من الخنا بمعنى الفحش في القول، ويحتمل أن يكون من قولهم: أخنى عليه الدهر أي أهلكه. وذكر أبو عبيد أنه ورد بلفظ: "أنخع" بتقديم النون على الخاء المعجمة وهو بمعنى أهلك. قال ابن بطال: وإذا كان الاسم أذل الأسماء كان من تسمى به أشد ذلا يوم القيامة أي أشدهم ذلا وصغارا. وفي قرة العيون: وهذا من الصفات التي تمر كما جاءت من غير تحريف ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل. والله أعلم. ٣ صحيح: أبو داود: كتاب الأدب (٥٢٢٩): باب في قيام الرجل للرجل، والترمذي: كتاب الأدب (٢٧٥٤): باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل. وصححه الألباني في الصحيحة برقم (٣٥٧) . ٤ ضعيف: أبو داود: كتاب الأدب (٥٢٣٠): باب في قيام الرجل للرجل. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٤٦) بقوله: "ضعيف، وفي إسناده اضطراب وضعف وجهالة". اهـ.
[ ٤٣٠ ]