عن أبي شريح أنه كان يكنى أبا الحكم. فقال له النبي ﷺ " إن الله هو الحَكَم، وإليه الحُكْمُ.
_________________
(١) قوله: "باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك". "عن أبي شريح أنه كان يكنى أبا الحكم. فقال له النبي ﷺ: "
[ ٤٣٠ ]
إن الله هو الحكم وإليه الحكم، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين. فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ قلت: شريح ومسلم وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح " ١. رواه أبو داود وغيره".
قوله: "عن أبي شريح" قال في خلاصة التذهيب: هو أبو شريح الخزاعي اسمه خويلد بن عمرو٢ أسلم يوم الفتح، له عشرون حديثا، اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديث، وروى عنه أبو سعيد المقبري ونافع بن جبير وطائفة. قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة ثمان وستين. وقال الشارح: اسمه هانئ بن يزيد الكندي قاله الحافظ. وقيل: الحارث الضبابي قاله المزي.
قوله: "يكنى" الكنية ما صدر بأب أو أم ونحو ذلك واللقب ما ليس كذلك٣ كزين العابدين ونحوه.
وقول النبي ﷺ: " إن الله هو الحكم وإليه الحكم ". فهو سبحانه الحكم في الدنيا والآخرة، يحكم بين خلقه في الدنيا بوحيه الذي أنزل على أنبيائه ورسله، وما من قضية إلا ولله فيها حكم بما أنزل على نبيه من الكتاب والحكمة، وقد يسر الله معرفة أكثر ذلك لأكثر العلماء من هذه الأمة; فإنها لا تجتمع على ضلالة؛ فإن العلماء وإن اختلفوا في بعض الأحكام فلا بد أن يكون المصيب فيهم واحدا، فمن رزقه الله تعالى قوة الفهم، وأعطاه ملكة يقتدر بها على فهم الصواب من أقوال العلماء يسر له ذلك بفضله ومنه عليه وإحسانه إليه، فما أجلها من عطية! فنسأل الله من فضله.
قوله: "وإليه الحكم في الدنيا والآخرة" كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٤. وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٥. فالحكم إلى الله هو الحكم إلى كتابه، والحكم إلى رسوله هو الحكم إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته. ٦
_________________
(١) ١ صحيح: أبو داود: كتاب الأدب (٤٩٥٥) ; باب في تغيير الاسم القبيح، والنسائي: كتاب آداب القضاء (٨/ ٢٢٦): باب إذا حكموا رجلا فقضى بينهم. وصححه الألباني في الإرواء (٢٦١٥)، وصحيح الجامع (١٨٤١) . ٢ وبهامش الخلاصة: وقيل: عمرو بن خويلد. وقيل هانئ بن عمرو. وقيل: خويلد بن شريح بن عمرو. كذا في الكنى من كتاب ابن الملقن وجامع الأصول. ٣ في كتب العربية: اللقب: ما أشعر بمدح أو ذم، كزين العابدين ونحوه. ٤ سورة الشورى آية: ١٠. ٥ سورة النساء آية: ٥٩. ٦ يعني رد الحكم إلى الله: رد الحكم إلى كتابه، ورد الحكم إلى الرسول -ﷺ- رد الحكم إليه في حياته، ثم رده إلى سنته بعد وفاته ﷺ.
[ ٤٣١ ]
١ وقد قال ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: " بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله " ٢. فمعاذ من أجل علماء الصحابة بالأحكام ومعرفة الحلال من الحرام، ومعرفة أحكام الكتاب والسنة. ولهذا ساغ له الاجتهاد إذا لم يجد للقضية حكما في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ، بخلاف ما يقع اليوم وقبله من أهل التفريط في الأحكام ممن يجهل حكم الله في كتابه وسنة رسوله، فيظن أن الاجتهاد يسوغ له مع الجهل بأحكام الكتاب والسنة وهيهات. ٣
فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين. فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ قال: شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح "٤ رواه أبو داود وغيره.
وأما يوم القيامة فلا يحكم بين الخلق إلا الله ﷿ إذا نزل لفصل القضاء بين العباد، فيحكم بين خلقه بعلمه، وهو الذي لا يخفى عليه خافية من أعمال خلقه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٥.
والحكم يوم القيامة إنما هو بالحسنات والسيئات، فيؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر ظلامته إن كان له حسنات، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم، فطرح على سيئات الظالم لا يزيد على هذا مثقال ذرة، ولا ينقص هذا عن حقه بمثقال ذرة.
قوله: "فإن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين فقال: ما أحسن هذا! ". فالمعنى- والله أعلم- أن أبا شريح لما عرف منه قومه أنه صاحب إنصاف وتحر للعدل بينهم ومعرفة ما يرضيهم من الجانبين صار عندهم مرضيا وهذا هو الصلح؛ لأن مداره على الرضى لا على الإلزام. ولا على الكهان وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولا على الاستناد إلى أوضاع أهل الجاهلية من أحكام كبرائهم وأسلافهم التي
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه برقم (٣٤٠) . ٢ الترمذي: الأحكام (١٣٢٧)، وأبو داود: الأقضية (٣٥٩٢)، وأحمد (٥/٢٣٠،٥/٢٣٦،٥/٢٤٢)، والدارمي: المقدمة (١٦٨) . ٣ وبخلاف الصنف الآخر: الذين يعنون بأقوال الناس وآرائهم فيحفظونها متونا وشروحا مهما كانت معقدة وطويلة، ثم يقدمونها في العبادات والأحكام بين يدي الله ورسوله، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ماذا حرم الناس من خير وهدى وعز وسلطان بهذا العزل لكتاب الله وسنة رسوله عن وظيفتها. ٤ النسائي: آداب القضاة (٥٣٨٧)، وأبو داود: الأدب (٤٩٥٥) . ٥ سورة النساء آية: ٤٠.
[ ٤٣٢ ]
تخالف حكم الكتاب والسنة، كما قد يقع اليوم كثيرا، كحال الطواغيت الذين لا يلتفتون إلى حكم الله ولا إلى حكم رسوله، وإنما المعتمد عندهم ما حكموا به بأهوائهم وآرائهم. ١
فيه مسائل:
الأولى: احترام أسماء الله وصفاته، ولو لم يقصد معناه.
الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك.
الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية.
وقد يلتحق بهذا بعض المقلدة لمن لم يسغ تقليده، فيعتمد على قول من قلده ويترك ما هو الصواب الموافق لأصول الكتاب والسنة. والله المستعان.
وقول رسول الله ﷺ: " فما لك من الولد؟ قال: شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح ". فيه تقديم الأكبر في الكنية وغيرها غالبا. وجاء هذا المعنى في غير ما حديث والله أعلم.
_________________
(١) ١ في قرة العيون: وأما ما يحكم به الجهلة من الأعراب، ونحوهم من سوالف آبائهم وأهوائهم فليس من هذا الباب؛ لما فيه من النهي العديد والخروج عن حكم الله ورسوله إلى ما يخالفه، كما قال تعالى: ٥: ٤٤ (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) . وهذا كثير، فمن الناس من يحكم بين الخصمين برأيه وهواه، ومنهم من يتبع في ذلك سلفه ويحكم بما كانوا يحكمون به، وهذا كفر إذا استقر وغلب على من تصدى لذلك ممن يرجع الناس إليه إذا اختلفوا. اهـ. والنص الصريح في إبطال حكم السوالف من حكام البدو غير المتدينين هو قوله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) . وأبو شريح كان من قضاة الجاهلية قبل الإسلام، ولذلك كنوه "بأبي الحكم"، فأنكرها عليه النبي -ﷺ- وغيرها، ولفظ "الحكم" بفتحتين لا ينهى عنه في الإسلام؛ لقوله تعالى: (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) . وذلك لأنه يحكم بما شرعه الله من صلح وإصلاح، وقد أذن الله للمؤمنين بأن يحكموا بين الناس بالعدل.
[ ٤٣٣ ]