عن قتيلة " أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون. تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت "١. رواه النسائي وصححه.
_________________
(١) قوله: "باب قول ما شاء الله وشئت". "عن قتيلة " أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون. ١ صحيح. النسائي: كتاب الأيمان والنذور (٧/ ٦): باب الحلف بالكعبة، وأحمد (٦/٣٧١) . وصححه الألباني في الصحيحة (١٣٦) .
[ ٤١٨ ]
تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت ". رواه النسائي وصححه".
قوله: "عن قتيلة" بمثناة مصغرة بنت صيفي الأنصارية صحابية مهاجرة، لها حديث في سنن النسائي، وهو المذكور في الباب. ورواه عنها عبد الله بن يسار الجعفي.
وفيه: قبول الحق ممن جاء به كائنا من كان. وفيه: بيان النهي عن الحلف بالكعبة، مع أنها بيت الله التي حجها وقصدها بالحج والعمرة فريضة. وهذا يبين أن النهي عن الشرك بالله عام لا يصلح منه شيء، لا لملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا للكعبة التي هي بيت الله في أرضه. وأنت ترى ما وقع من الناس اليوم من الحلف بالكعبة وسؤالها ما لا يقدر عليه إلا الله. ومن المعلوم أن الكعبة لا تضر ولا تنفع. وإنما شرع الله لعباده الطواف بها والعبادة عندها وجعلها للأمة قبلة، فالطواف بها
وله أيضا: عن ابن عباس " أن رجلا قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده " ١.
مشروع والحلف بها ودعاؤها ممنوع. فميز أيها المكلف بين ما يشرع وما يمنع، وإن خالفك من خالفك من جهلة الناس الذين هم كالأنعام، بل هم أضل سبيلا.
قوله: "إنكم تشركون. تقولون: ما شاء الله وشئت". والعبد وإن كانت له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله، ولا قدرة له على أن يشاء شيئا إلا إذا كان الله قد شاءه، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٣.
وفي هذه الآيات والأحاديث: الرد على القدرية والمعتزلة، نفاة القدر الذين يثبتون للعبد مشيئة تخالف ما أراده الله تعالى من العبد وشاءه. وسيأتي ما يبطل قولهم في "باب ما جاء في منكري القدر" إن شاء الله تعالى، وأنهم مجوس هذه الأمة.
_________________
(١) ١ ابن ماجه: الكفارات (٢١١٧)، وأحمد (١/٢٢٤) . ٢ سورة التكوير آية: ٢٨-٢٩. ٣ سورة الإنسان آية: ٣٠-٣١.
[ ٤١٩ ]
وأما أهل السنة والجماعة فتمسكوا بالكتاب والسنة في هذا الباب وغيره. واعتقدوا أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى في كل شيء مما يوافق ما شرعه الله وما يخالفه، من أفعال العباد وأقوالهم. فالكل بمشيئة الله وإرادته. فما وافق ما شرعه رضيه وأحبه، وما خالفه كرهه من العبد، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ ١ الآية. وفيه: بيان أن الحلف بالكعبة شرك، فإن النبى ﷺ أقر اليهودي على قوله: "إنكم تشركون".
قوله: "وله أيضا عن ابن عباس -﵄٢ " أن رجلا قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده ".
ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: " رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود. قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون عزير ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم
هذا يقرر ما تقدم من أن هذا شرك، لوجود التسوية في العطف بالواو.
وقوله: "أجعلتني لله ندا" ٣. فيه بيان أن من سوّى العبد بالله ولو في الشرك الأصغر، فقد جعله ندا لله شاء أم أبى، خلافا لما يقوله الجاهلون مما يختص بالله تعالى من عباده، وما يجب النهي عنه من الشرك بنوعيه. ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
قوله٤ "ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: " رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٧. ٢ قال ابن كثير: ج ١ ص ١٠٤ وقال سفيان بن سعيد الثوري عن الأجلح - عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس- وساقه. رواه ابن مردويه، وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث عيسى بن يونس عن الأجلح عنه. وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد. والله أعلم. ٣ لفظ حديث. أخرجه البخاري: كتاب العلم (٧١): باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. ومسلم: كتاب الزكاة (١٠٣٧) (١٠٠): باب النهي عن المسألة. من حديث معاوية -﵁-. ٤ قال ابن كثير في التفسير (ج ١ ص ١٠٤): وقال حماد بن سلمة: حدثنا عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها - وساقه - ثم قال: هكذا رواه ابن مردويه في تفسير الآية. وأخرجه ابن ماجة من وجه آخر عن عبد الملك بن عمير به بنحوه.
[ ٤٢٠ ]
تقولون: عزير ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: هل أخبرت به أحدا؟ قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد، فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد، فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها. فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده ".
قوله: "عن الطفيل أخي عائشة لأمها" هو الطفيل بن عبد الله بن سَخْبرة أخو عائشة لأمها، صحابي له حديث عند ابن ماجه، وهو ما ذكره المصنف في الباب.
وهذه الرؤيا حق أقرها رسول الله ﷺ وعمل بمقتضاها، فنهاهم أن يقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، وأمرهم أن يقولوا: "ما شاء الله وحده".
وهذا الحديث والذي قبله أمرهم فيه أن يقولوا: "ما شاء الله وحده". ولا ريب أن هذا أكمل في الإخلاص وأبعد عن الشرك من أن يقولوا: "ثم شاء فلان"؛ لأن فيه التصريح بالتوحيد المنافي للتنديد في كل وجه. فالبصير يختار لنفسه أعلى مراتب الكمال في مقام التوحيد والإخلاص.
قوله: "كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها" ورد في بعض الطرق: "أنه كان يمنعه
[ ٤٢١ ]
الحياء منهم"١ وبعد هذا الحديث الذي حدثه به الطفيل عن رؤياه خطبهم ﷺ فنهى عن ذلك نهيا بليغا، فما زال ﷺ يبلغهم حتى أكمل الله له الدين وأتم له به النعمة، وبلّغ البلاغ المبين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها. فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده "٢.
فيه مسائل:
الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر.
الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى.
الثالثة: قوله ﷺ: "أجعلتني لله ندا " فكيف بمن قال: "ما لي من ألوذ به سواك" والبيتين بعده.
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر لقوله: "يمنعني كذا وكذا".
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي.
السادسة: أنها قد تكون سببا لشرع بعض الأحكام.
وفيه معنى قوله ﷺ: " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " ٣ ٤.
قلت: وإن كانت رؤيا منام فهي وحي يثبت بها ما يثبت بالوحي أمرا ونهيا. والله أعلم.
_________________
(١) ١ لعل الذي كان يمنعه -ﷺ- أنه لم يكن الله أوحى إليه فيها شيئا. فلما أوحى إليه بلغه. أما الحياء في تبليغ الأوامر والنواهي (*) فهذا ما لا يليق برسول الله -ﷺ- والله أعلم. (*) قوله: (أما الحياء في تبليغ الأوامر والنواهي) إلخ. أقول: هذا كلام جيد، والجواب عن الرواية التي ذكرها الشارح وهي قوله: (ورد في بعض الطرق أنه كان يمنعه الحياء منهم) أن يقال: إن صحت هذه الرواية فمعنى ذلك أنه كان -﵊- يستحي منهم أن ينهاهم عن شيء لم يوح إليه أن ينهى عنه، وإن كان هو يستحسن تركه، فلما جاءه الوحي بالنهي عنه بسبب الرؤيا المذكورة نهاهم عن ذلك، كما أمرهم -ﷺ- بالتماس ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان لما تواطئت رؤياهم على أنها في السبع الأواخر، وكان ذلك سببا لشرعية مزيد الاجتهاد في السبع المذكورة. ٢ صحيح: ابن ماجة: كتاب الكفارات (٢١١٨): باب النهي أن يقال ما شاء الله وشئت. وصححه الألباني في الصحيحة لشواهده (١٣٨) . ٣ البخاري; كتاب التعبير (٦٩٨٧): باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. ومسلم: كتاب الرؤيا (٢٢٦٤) (٧) . من حديث عبادة بن الصامت. ٤ هذا الحديث إنما يخبر به النبي -ﷺ- عما كان يرى قبل النبوة وهو يتحنث في غار حراء من الرؤيا التي كانت تجيء مثل فلق الصبح. وذلك في الدور الذي كان يهيئه الله فيه لتلقي الوحي، وكان ذلك الدور ستة أشهر، وهي بالنسبة إلى مدة النبوة الثلاثة والعشرين سنة جزء من ستة وأربعين جزءا منها. والله أعلم. قوله: (هذا الحديث إنما يخبر به النبي -ﷺ- عما كان يرى قبل النبوة) إلخ. يريد الشيخ حامد -﵀- بهذا الكلام أن قول النبي -ﷺ- عن الرؤيا الصالحة: أنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، أنه خبر عما قد وقع ومضى، وليس الأمر كذلك بل الروايات الواردة في هذا الباب تدل على أن مراد النبي -ﷺ- الخبر عن جنس الرؤيا في الماضي والمستقبل، وأنها تفيد وتحصل بها البشرى، وأن فائدتها جزء من أجزاء النبوة المتضمنة الأخبار عن المغيبات، ولهذا اختلفت ألفاظ الروايات في ذلك، ففي بعضها: جزء من خمسة وأربعين جزءا، وفي بعضها: جزء من ستة وأربعين جزءا، وفي بعضها: جزء من سبعين جزءا من النبوة، وفي بعضها غير ذلك. ولو كان المراد ما قاله الشيخ حامد لم تتنوع العبارات عنها، ووجه التنوع -والله أعلم- أن الرؤيا الصالحة في حد ذاتها تختلف بحسب صلاح الرائي وما يكتنف رؤياه من القرائن والشواهد الدالة على صدق الرؤيا، وقد نص العلماء على ما ذكرناه قال النووي -﵀- في شرح مسلم ما نصه: (قال القاضي: أشار الطبري إلى أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي، فالمرء الصالح تكون رؤياه جزء من ستة وأربعين جزءا، والفاسق جزء من سبعين جزءا، وقيل: المراد أن الخفي منها جزء من سبعين، والجلي جزء من ستة وأربعين) . ثم نقل عن الخطابي عن بعض أهل العلم نحو ما قاله الشيخ حامد، ثم نقل عن المازري ما نصه: (وقيل: المراد أن للمنامات شبها مما حصل له وميز به من النبوة بجزء من ستة وأربعين) . انتهى. والله أعلم.
[ ٤٢٢ ]