وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ١.
_________________
(١) قوله: "باب ما جاء في الرياء". أي من النهي والتحذير. قال الحافظ: " هو مشتق من الرؤية. والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدون صاحبها. والفرق بينه وبين السمعة: أن الرياء لما يُرى من العمل كالصلاة. والسمعة لما يُسمع كالقراءة والوعظ والذكر، ويدخل في ذلك التحدث بما عمله". قوله: "وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ " أي ليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شيء، بل ذلك كله لله وحده لا شريك له أوحاه إليّ ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي يخافه ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ . ١ سورة الكهف آية: ١١٠.
[ ٣٦٨ ]
قوله: "أحدا" نكرة في سياق النهي تعم، وهذا العموم يتناول الأنبياء والملائكة والصالحين والأولياء وغيرهم.
قال شيخ الإسلام -﵀-: أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة، وقالوا: لقاء الله يتضمن رؤيته ﷾ يوم القيامة، وذكر الأدلة على ذلك.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الآية: أي كما أن الله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح: هو الخالص من الرياء المقيد بالسنة.
وفي الآية دليل على أن أصل الدين الذي بعث الله به رسوله ﷺ والمرسلين
وعن أبي هريرة مرفوعا: " قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه " ١. رواه مسلم.
قبله، هو إفراده تعالى بأنواع العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. والمخالف لهذا الأصل من هذه الأمة أقسام: إما طاغوت ينازع الله في ربوبيته وإلهيته; ويدعو الناس إلى عبادته، أو طاغوت يدعو الناس إلى عبارة الأوثان، أو مشرك يدعو غير الله ويتقرب إليه بأنواع العبادة أو بعضها، أو شاك في التوحيد: أهو حق أم يجوز أن يجعل لله شريك في عبادته؟ أو جاهل يعتقد أن الشرك دين يقرب إلى الله، وهذا هو الغالب على أكثر العوام لجهلهم وتقليدهم من قبلهم، لما اشتدت غربة الدين ونسي العلم بدين المرسلين.
قوله: وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا " قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ". رواه مسلم.
قوله: "من عمل عملا أشرك معي فيه غيري". أي من قصد بعمله غيري من المخلوقين تركته وشركه. ولابن ماجه: " فأنا بريء وهو الذي أشرك "٣. قال الطيبي: " الضمير المنصوب في قوله: "تركته" يجوز أن يرجع إلى العمل".
قال ابن رجب -﵀-: ٤ واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضا
_________________
(١) ١ مسلم: الزهد والرقائق (٢٩٨٥)، وابن ماجه: الزهد (٤٢٠٢)، وأحمد (٢/٣٠١،٢/٤٣٥) . ٢ سورة الأنبياء آية: ٢٥. ٣ ابن ماجه: الزهد (٤٢٠٢)، وأحمد (٢/٣٠١،٢/٤٣٥) . ٤ في شرح حديث إنما الأعمال بالنيات من جامع العلوم والحكم.
[ ٣٦٩ ]
كحال المنافقين. كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلًا﴾ ١. وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام. وقد يصدر في الصدقة أو الحج الواجب أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.
وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه. وذكر أحاديث تدل على ذلك منها: هذا الحديث وحديث شداد بن أوس مرفوعا: " من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، وإن الله ﷿ يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، فمن أشرك بي شيئا فإن جِدّة عمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به. أنا عنه غني " ٢. رواه أحمد. وذكر أحاديث في المعنى ثم قال: فإن خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء، مثل أخذ أجرة الخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية.
قال ابن رجب: وقال الإمام أحمد -﵀-: التاجر والمستأجر والمكري أجرهم على قدر ما يخلص من نياتهم في غزواتهم، ولا يكونون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره.
وقال أيضا فيمن يأخذ جُعل الجهاد: إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس، كأنه خرج لدينه إن أُعطي شيئا أخذه. وروى عن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: " إذا أجمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقا فلا بأس بذلك، وأما إن أحدكم أُعطي دراهم غزا وإن لم يعط لم يغز فلا خير في ذلك ".
وروي عن مجاهد -﵀- أنه قال في حج الجمّال وحج الأجير، وحج التاجر: "هو تام لا ينقص من أجرهم شيء". أي لأن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب. قال: وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأ عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا ثم دفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا فيجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه
وعن أبي سعيد مرفوعا: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل " ٣ رواه أحمد.
يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن وغيره. وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي ﷺ: " أنه سئل عن الرجل يعمل العمل من
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ١٤٢. ٢ أحمد (٤/ ١٢٥، ١٢٦)، والحاكم (٤/ ٣٢٩) . وقال الهيثمي: (١٠/ ٢٢١): "وفيه شهر بن حوشب وثقه أحمد وغيره، وضعفه غير واحد". ٣ ابن ماجه: الزهد (٤٢٠٤) .
[ ٣٧٠ ]
الخير يحمده الناس عليه، فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن "١. رواه مسلم. انتهى ملخصا. قلت: وتمام هذا المقام يتبين في شرح حديث أبي سعيد إن شاء الله تعالى.
قوله: "وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعا: " ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل " ٢. رواه أحمد".
وروى ابن خزيمة في صحيحه عن محمود بن لبيد قال: " خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، إياكم وشرك السرائر، قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه، فذلك شرك السرائر " ٣.
قوله: "عن أبي سعيد الخدري" وتقدم.
قوله: "الشرك الخفي" سماه خفيا؛ لأن صاحبه يظهر أن عمله لله وقد قصد به غيره، أو شركه فيه بتزيين صلاته لأجله. وعن شداد بن أوس قال: " كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﷺ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الكهف.
الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله.
الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك وهو كمال الغنى.
الرابعة: أن من الأسباب: أنه تعالى خير الشركاء.
الخامسة: خوف النبي ﷺ على أصحابه من الرياء.
السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه.
الشرك الأصغر " ٤. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن جرير في التهذيب، والطبراني والحاكم وصححه.
قال ابن القيم: " وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للخلق والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي
_________________
(١) ١ مسلم: البر والصلة والآداب (٢٦٤٢)، وابن ماجه: الزهد (٤٢٢٥)، وأحمد (٥/١٥٦) . ٢ صحيح. أحمد (٣/ ٣٠) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١/ ١٧) وصحيح الجامع (٢٦٠٤) . ورواه أيضا ابن ماجة: كتاب الزهد (٢٤٠) باب الرياء والسمعة وحسنه البوصيري في الزوائد. ٣ صحيح. ابن خزيمة (٩٣٧) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١/ ١٧) . ٤ حسن. الطبراني (٧١٦٠) والحاكم (٤/ ٣٢٩) وصححه ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١/ ١٨) .
[ ٣٧١ ]
إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا. وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده". انتهى.
ولا خلاف أن الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله، وكذلك المتابعة، كما قال الفضيل بن عياض -﵀- في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ١. قال: "أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة".
وفي الحديث عن الفوائد: شفقة النبي ﷺ على أمته ونصحه لهم، وأن الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال. فإذا كان النبي ﷺ يخافه على سادات الأولياء مع قوة إيمانهم وعلمهم، فغيرهم ممن هو دونهم بأضعاف أولى بالخوف من الشرك أصغره وأكبره.
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ٧.
[ ٣٧٢ ]