عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه١ قال: " انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله -﵎ -. قلنا: وأفضلنا
_________________
(١) "قوله: باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد، وسده طرق الشرك". حمايته ﷺ حمى التوحيد عما يشوبه من الأقوال والأعمال التي يضمحل ١ قال في أسد الغابة: عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب بن وفدان بن الحريش.. العامري ثم الكعبي ثم من بني الحريش، وهو بطن من بني عامر بن صعصعة، له صحبة. سكن البصرة- ثم ساق بسنده إلى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه أنه قال: "قدمت على رسول الله ﷺ في رهط من بني عامر; فقالوا: يا رسول الله، أنت سيدنا، وأنت والدنا، وأنت أفضلنا علينا فضلا، وأنت أطولنا علينا طولا، وأنت الجفنة الغراء، وأنت وأنت. فقال: قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان". وقولهم: "أنت الجفنة الغراء". كانت العرب تدعو السيد المطعام (جفنة)؛ لأنه يضعها ويطعم الناس فيها، فسمي باسمها. و(الغراء) البيضاء أي أنها مملوءة بالشحم والدهن. قاله أبو السعادات في النهاية.
[ ٥٠٤ ]
معها التوحيد أو ينقص١، وكذا كثير في السنة الثابتة عنه ﷺ كقوله: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله " ٢وتقدم. وقوله: " إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ﷿ " ٣ونحو ذلك. ونهى عن التمادح وشدد القول فيه، كقوله لمن مدح إنسانا: " ويلك قطعت عنق صاحبك " ٤ الحديث. أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن ابن أبي بكرة عن أبيه: " أن رجلا أثنى على رجل عند النبي ﷺ فقال له: قطعت عنق صاحبك - ثلاثا " ٥ وقال: " إذا لقيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب " ٦ أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه عن المقداد بن الأسود.
وفي هذا الحديث: "نهى عن أن يقولوا: أنت سيدنا. وقال: السيد الله -﵎-". ونهاهم أن يقولوا: "وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا" وقال: " لا يستجرينكم الشيطان ".
وكذلك قوله في حديث أنس: " أن ناسا قالوا: يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا " إلخ. كره ﷺ أن يواجهوه بالمدح فيفضي بهم إلى الغلو. وأخبر ﷺ أن مواجهة
وسيدنا وابن سيدنا. فقال: يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله٧، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿ ". رواه النسائي بسند جيد.
فيه مسائل:
الأولى: تحذير الناس من الغلو.
الثانية:: ما ينبغي أن يقول مَنْ قيل له: أنت سيدنا.
المادح للممدوح بمدحه- ولو بما هو فيه- من عمل الشيطان؛ لما تفضي محبة المدح إليه من تعاظم الممدوح في نفسه، وذلك ينافي كمال التوحيد؛ فإن العبادة لا تقوم إلا بقطب رحاها الذي لا تدور إلا عليه، وذلك غاية الذل في غاية المحبة، وكمال الذل يقتضي الخضوع والخشية والاستكانة لله تعالى، وأن لا يرى نفسه إلا في مقام الذم لها والمعاتبة لها في حق ربه، وكذلك الحب لا تحصل غايته إلا إذا كان يحب ما يحبه الله، ويكره ما يكرهه الله من الأقوال والأعمال والإرادات، ومحبة المدح من العبد لنفسه تخالف ما يحبه الله منه، والمادح يغره من نفسه فيكون آثما، فمقام العبودية يقتضي كراهة المدح
_________________
(١) ١ في قرة العيون: وقد اشتمل هذا الكتاب- على اختصاره- على أكثر ذلك، والنهي عما ينافي التوحيد أو يضعفه، يعرف ذلك من تدبره وعرف ما تضمنه بابا بابا. ٢ تقدم تخريجه برقم (١٦٠) . ٣ ٤٤٧- تقدم تخريجه برقم (١٣٥) . ٤ البخاري: الشهادات (٢٦٦٢)، ومسلم: الزهد والرقائق (٣٠٠٠)، وأبو داود: الأدب (٤٨٠٥)، وابن ماجه: الأدب (٣٧٤٤)، وأحمد (٥/٤٥،٥/٤٧) . ٥ البخاري: الشهادات (٢٦٦٢) والأدب (٦٠٦١)، ومسلم: الزهد والرقائق (٣٠٠٠)، وأبو داود: الأدب (٤٨٠٥)، وأحمد (٥/٤١) . ٦ مسلم: كتاب الزهد (٢٠٠٢) (٦٩): باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط والترمذي: كتاب الزهد (٢٣٩٣): باب ما جاء في كراهية المدحة والمداحين. وابن ماجة: كتاب الأدب (٣٧٤٢): باب المدح. والحديث أخرجه أبو داود أيضا: كتاب الأدب (٤٨٠٤): باب في كراهية التمادح. ٧رواه مسلم من حديث أبي سعد وأبي هريرة، ورواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان.
[ ٥٠٥ ]
رأسا، والنهي عنه صيانة لهذا المقام، فمتى أخلص العبد الذل لله والمحبة له خلصت أعماله وصحت، ومتى أدخل عليها ما يشوبها من هذه الشوائب دخل على مقام العبودية بالنقص أو الفساد. وإذا أداه المدح إلى التعاظم في نفسه والإعجاب بها وقع في أمر عظيم ينافي العبودية الخاصة كما في الحديث: " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني شيئا منهما عذبته " ١ ٢. وفي الحديث:
_________________
(١) ١ مسلم: البر والصلة والآداب (٢٦٢٠)، وأبو داود: اللباس (٤٠٩٠)، وأحمد (٢/٤٤٢) . ٢ رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص. (*) بإسناد رجاله رجال الصحيح. (*) قوله: (رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص) إلخ. أقول: وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء ".
[ ٥٠٦ ]
الثالثة: قوله: " لا يستجرينكم الشيطان "، مع أنهم لم يقولوا إلا الحق.
الرابعة: قوله: " ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي ".
" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " ١ ٢. وهذه الآفات قد تكون محبة المدح سببا لها وسلما إليها، والعجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. وأما المادح فقد يفضي به المدح إلى أن ينزل الممدوح منزلة لا يستحقها، كما يوجد كثيرا في أشعارهم من الغلو الذي نهى عنه الرسول ﷺ، وحذر أمته أن يقع منهم، فقد وقع الكثير منه حتى صرحوا فيه بالشرك في الربوبية والإلهية والملك، كما تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك. والنبي ﷺ لما أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن يمدح، صيانة لهذا المقام، وأرشد الأمة إلى ترك ذلك نصحا لهم، وحماية لمقام التوحيد عن أن يدخله ما يفسده، أو يضعفه من الشرك ووسائله. " ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ٣، ورأوا أن فعل ما نهاهم ﷺ عن فعله قربة من أفضل القربات، وحسنة من أعظم الحسنات!
وأما تسمية العبد بالسيد فاختلف العلماء في ذلك.
قال العلامة ابن القيم في بدائع الفوائد: " اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر. فمنعه قوم، ونقل عن مالك. واحتجوا بقول النبي ﷺ لما قيل له: "يا سيدنا" قال: " السيد الله ﵎ " ٤. وجوّزه قوم، واحتجوا بقول النبي ﷺ للأنصار: " قوموا إلى سيدكم " ٥ ٦. وهذا أصح من الحديث الأول. قال هؤلاء: السيد أحد ما يضاف إليه، فلا يقال للتميمي: سيد كِندة، ولا يقال: الملك سيد البشر. قال: وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم، وفي هذا نظر؛ فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى فهو في منزلة المالك، والمولى والرب، لا بمعنى الذي يطلق على المخلوق". انتهى.
قلت: فقد صح عن ابن عباس -﵄- أنه قال في معنى قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ ٧: "أي إلها وسيدا". وقال في قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٨: " أنه السيد الذي كمل في جميع أنواع السؤدد ". وقال أبو وائل: " هو السيد الذي انتهى سؤدده ". وأما استدلالهم بقول النبي ﷺ للأنصار: " قوموا إلى سيدكم ". فالظاهر أن النبي ﷺ لم يواجه سعدا به، فيكون في هذا المقام تفصيل والله أعلم.
_________________
(١) ١ مسلم: الإيمان (٩١)، والترمذي: البر والصلة (١٩٩٨،١٩٩٩)، وأبو داود: اللباس (٤٠٩١)، وابن ماجه: المقدمة (٥٩) والزهد (٤١٧٣)، وأحمد (١/٤١٢،١/٤١٦) . ٢ في قرة العيون: فأعلى مراتب العبد هاتان الصفتان: العبودية الخاصة والرسالة. وللنبي ﷺ أكملهما. وقد أخبر الله تعالى أنه وملائكته يصلون عليه، وأثنى عليه بأحسن ثناء وأبلغه، وشرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره، فلا يذكر في الأذان والتشهد والخطب إلا ذكر معه. صلوات الله وسلامه عليه. ٣ سورة البقرة آية: ٥٩. ٤ تقدم تخريجه برقم (٤٥٠) . ٥ البخاري: الجهاد والسير (٣٠٤٣)، ومسلم: الجهاد والسير (١٧٦٨)، وأبو داود: الأدب (٥٢١٥)، وأحمد (٣/٢٢،٣/٧١) . ٦ قال هذا حين رأى سعد بن معاذ آتيا على حمار قد أسندوه؛ لأنه كان مريضا من جرح أصابه من المشركين في الخندق. وقد دعا به رسول الله ﷺ ليحكم في بني قريظة بعد أن حاصرهم، وقبلوا أن ينزلوا على حكم سعد، فكان هذا القول منه ﷺ؛ لأنه مريض ولا يستطيع أن ينزل عن الحمار وحده، فأمرهم أن يقوموا لينزلوه، ولأنه جاء لهذه القضية، فأراد أن يجعل له من التعظيم ما يناسب هذه الواقعة. وكان سعد بن معاذ سيد الأوس ورئيسهم -﵃-. ٧ سورة الأنعام آية: ١٦٤. ٨ سورة الإخلاص آية: ٢.
[ ٥٠٧ ]