وقال ابن عمر: " والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أُحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه، حتى يؤمن بالقدر ". ثم استدل بقول النبي ﷺ: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " ١. رواه مسلم.
_________________
(١) قوله: "باب ما جاء في منكري القدر" أي من الوعيد الشديد ونحو ذلك. ١ مسلم: الإيمان (٨)، والترمذي: الإيمان (٢٦١٠)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٤٩٩٠)، وأبو داود: السنة (٤٦٩٥)، وابن ماجه: المقدمة (٦٣)، وأحمد (١/٢٧،١/٢٨) .
[ ٤٧٤ ]
أخرج أبو داود عن عبد العزيز ابن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر -﵄- عن النبي ﷺ قال: " القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم " ١ ٢.
وعن عمر مولى غُفرة عن رجل من الأنصار عن حذيفة - وهو ابن اليمان﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: " لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا تعودوه، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال " ٣ ٤.
قوله: "وقول ابن عمر: والذي نفسي بيده" إلخ. حديث ابن عمر أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن يحيى بن يعمر قال: " كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين، أو معتمرين. فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر؟ فوفق الله تعالى لنا عبد الله بن عمر داخلا في المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبلنا أناس يقرءون القرآن، ويتقفّرون العلم٥ يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنف،
_________________
(١) ١ حسن: أبو داود: كتاب السنة (٤٦٩١: باب في القدر وحسنه الألباني في السنة لابن أبي عاصم (٣٣٨، ٣٣٩) لشواهده وطرقه الكثيرة فليراجع. ٢ قال في عون المعبود (ج ٤ ص ٣٥٧) قال الخطابي: إنما جعلهم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذاهب المجوس في قولهم بالأصلين، وهما النور والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة. وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله، والشر إلى غيره. اهـ. وقال المنذري: هذا منقطع. أبو حازم- سلمة بن دينار- لم يسمع من ابن عمر. وقد روى هذا الحديث من طرق عن ابن عمر، ليس فيها شيء يثبت- اهـ. ٣ حسن: أحمد (٥/ ٤٠٦، ٤٠٧) وأبو داود: كتاب السنة (٤٦٩٢): باب في القدر. وحسنه الألباني في تخريج السنة لابن أبي عاصم (٣٢٩) . ٤ قال المنذري: عمر مولى غفرة- بضم الغين وسكون الفاء- لا يحتج بحديثه. ورجل من الأنصار مجهول، وقد روي من طرق أخرى عن حذيفة. ولا يثبت. ٥ يقال: اقتفرت الأثر، أي تتبعته وقفوته. فمعنى يتقفرون العلم أي يتطلبونه.
[ ٤٧٥ ]
فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء، وأنهم مني برآء. والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه، حتى يؤمن بالقدر.
ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: " بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه. وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ قال رسول الله ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: فانطلق. فلبثت ثلاثا. وفي رواية: مليا. ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " ١.
ففي هذا الحديث أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان الستة المذكورة، فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره فقد ترك أصلا من أصول الدين وجحده، فيشبه من قال الله فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ٣ الآية.
قوله: "وعن عبادة" قد تقدم ذكره في باب فضل التوحيد، وحديثه هذا رواه أبو داود ورواه
_________________
(١) ١ مسلم: كتاب الإيمان (٨) (١): باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، وأبو داود: كتاب السنة (٤٦٩٥): باب في القدر، والترمذي: كتاب الإيمان (٢٦١٠): باب ما جاء في وصف جبريل للنبي ﷺ الإيمان والإسلام، والنسائي: كتاب الإيمان (٨/ ٩٧): باب نعت الإسلام وابن ماجة في المقدمة (٦٣): باب في الايمان. ٣ سورة البقرة آية: ٨٥.
[ ٤٧٦ ]
الإمام أحمد بكماله١ قال: حدثنا الحسن بن سوار حدثنا ليث عن معاوية عن أيوب بن زياد; حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة حدثني أبي قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني. قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه فكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك.
يا بني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول ما خلق الله القلم; فقال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. يا بني، إن مت ولست على ذلك دخلت النار " ورواه الترمذي بسنده المتصل إلى عطاء ابن أبي رباح عن الوليد بن عبادة عن أبيه، وقال: حسن صحيح وغريب ٢.
وفي هذا الحديث ونحوه: بيان شمول علم الله تعالى وإحاطته بما كان ويكون في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٣٤.
_________________
(١) ١ المسند (ج ٥ ص ٣١٧) وهو عند أبي داود أخصر مما عند أحمد، ومن طريق جعفر بن مسافر الهذلي أخبرنا يحيى بن حسان أخبرنا الوليد بن رباح عن إبراهيم بن أبي جميلة عن أبي حفصة قال: قال عبادة بن الصامت لابنه الحديث. وسكت عنه المنذري. ٢ صحيح: أحمد (٥/ ٣١٧) وأبو داود: كتاب السنة (٤٧٠٠): باب في القدر. وأما رواية الترمذي فهي عنده في موضعين. كتاب القدر (٢١٥٥): باب [١٧] وقال: حديث غريب. كتاب التفسير (٣٣١٩): باب ومن سورة ن وقال: حديث حسن غريب. وفي الباب عن ابن عباس، وصححه الألباني لطرقه وشواهده في السنة لابن أبي عاصم (١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥) . ٣ سورة الطلاق آية: ١٢. ٤ في قرة العيون: والآيات في إثبات القدر كثيرة، وقد استدل العلماء على إثبات القدر بشمول القدرة والعلم، كما في الآية.
[ ٤٧٧ ]
وقد قال الإمام أحمد -﵀- لما سئل عن القدر قال: "القدر قدرة الرحمن". واستحسن ابن عقيل هذا من أحمد -﵀-.
والمعنى: أنه لا يمنع عن قدرة الله شيء، ونفاة القدر قد جحدوا كمال قدرة الله
[ ٤٧٨ ]
فيه مسائل:
الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر.
الثانية: بيان كيفية الإيمان.
الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به.
الرابعة: الإخبار أن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به.
الخامسة: ذكر أول ما خلق الله.
السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة.
السابعة: براءته ﷺ ممن لم يؤمن به.
تعالى فضلوا عن سواء السبيل. وقد قال بعض السلف: " ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا وإن جحدوه كفروا".
قوله: "وفي المسند وسنن أبي داود عن ابن الديلمي" وهو أبو بسر - بالسين المهملة، وبالباء المضمومة-. ويقال: أبو بشر- بالشين المعجمة وكسر الباء- وبعضهم صحح الأول. واسمه: عبد الله بن فيروز. ولفظ أبي داود: قال: " لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار " ١. قال: فأتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال ثم أتيت زيد بن ثابت، قال: فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك٢. وأخرجه ابن ماجه.
وقال العماد ابن كثير -﵀-: عن سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش عن رجل عن علي ابن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره " ٣. وكذا رواه الترمذي عن النضر بن شميل عن شعبة عن منصور به. ورواه من حديث أبي داود الطيالسي عن شعبة عن ربعي عن علي فذكره.
وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن وهب وغيره عن أبي هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلى عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: " إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. - زاد ابن وهب-: وكان عرشه على الماء " ٤. رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وكل هذه الأحاديث وما في معناها فيها الوعيد الشديد على عدم الإيمان بالقدر، وهي الحجة على نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم. ومن مذهبهم: تخليد أهل المعاصي في النار، وهذا الذي اعتقدوه من أكبر الكبائر وأعظم المعاصي. وفي الحقيقة إذا اعتبرنا إقامة الحجة عليهم بما تواترت به نصوص الكتاب والسنة من إثبات القدر، فقد حكموا على أنفسهم بالخلود في النار إن لم يتوبوا. وهذا لازم لهم على مذهبهم هذا، وقد خالفوا ما تواترت به أدلة الكتاب والسنة من إثبات القدر، وعدم تخليد أهل الكبائر من الموحدين في النار٥.
_________________
(١) ١ مسلم: الجنائز (٩٤٧)، والترمذي: الجنائز (١٠٢٩)، والنسائي: الجنائز (١٩٩١)، وأحمد (٣/٢٦٦،٦/٣٢،٦/٤٠،٦/٩٧،٦/٢٣١) . ٢ قال في عون المعبود (ج ٤ ص ٣٦٢) فيصير الحديث مرفوعا. قال المنذري: وفي إسناده أبو سفيان الشيباني، وثقه ابن معين وغيره، وتكلم فيه أحمد وغيره. ٣ صحيح: الترمذي: كتاب القدر (٢١٤٥): باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره. وابن ماجة في المقدمة (٨١) ; باب في القدر والطيالسي (١/ ٢٢) . وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٤٦٠) . ٤ مسلم: كتاب القدر (٢٦٥٣) (١٦): باب حجج آدم وموسى ﵉. والترمذي: كتاب القدر (٢١٥٦): باب رقم [١٥] . ٥ في قرة العيون: وهذا الذي اعتقدوه من أكبر الكبائر وأعظم البدع، وكثير منهم وافقوا الجهمية في نفي صفات الرب -تعالى وتقدس-.
[ ٤٧٩ ]
الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء.
التاسعة: إن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط.
[ ٤٨٠ ]