وقال ابن عباس: " يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ ".
_________________
(١) قوله: "باب من أطاع من العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله". لقول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. وتقدم تفسير هذا في أصل المصنف -﵀- عند ذكر حديث عدي بن حاتم ﵁. قوله: "وقال ابن عباس -﵄- " يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ ". قوله: "يوشك" بضم أوله وكسر الشين المعجمة أي يقرب ويسرع. وهذا القول من ابن عباس -﵄- جواب لمن قال له: إن أبا بكر وعمر "-رضي الله ١ سورة التوبة آية: ٣١.
[ ٣٨٣ ]
عنهما- لا يريان التمتع بالعمرة إلى الحج، ويريان أن إفراد الحج أفضل أو ما هو معنى هذا، وكان ابن عباس يرى أن التمتع بالعمرة إلى الحج واجب ويقول: " إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، فقد حل من عمرته شاء أم أبى "؛ لحديث سراقة بن مالك حين أمرهم النبي ﷺ أن يجعلوها عمرة، ويحلوا إذا طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، فقال سراقة: " يا رسول الله ألِعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: بل للأبد " ١. والحديث في الصحيحين.
وحينئذ فلا عذر لمن استفتى أن ينظر في مذاهب العلماء وما استدل به كل إمام، ويأخذ من أقوالهم ما دل عليه الدليل إذا كان له ملكة يقتدر بها على ذلك. كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٢.
وللبخاري ومسلم وغيرهما أن النبي ﷺ قال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت " ٣ ٤. هذا لفظ البخاري في حديث عائشة -﵂-. ولفظه في حديث جابر: " افعلوا ما أمرتكم به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم " ٥ في عدة أحاديث تؤيد قول ابن عباس.
وبالجملة فلهذا قال ابن عباس لما عارضوا الحديث برأي أبي بكر وعمر -﵄-: " يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ". الحديث.
وقال الإمام مالك -رحمه الله تعالى-: " ما منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر ﷺ". وكلام الأئمة في هذا المعنى كثير.
وما زال العلماء -﵏- يجتهدون في الوقائع، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، كما في الحديث٦ ٧. لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم. وأما إذا لم
_________________
(١) ١ البخاري: كتاب العمرة (١٧٨٥): باب عمرة التنعيم بلفظ: ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ فال: "لا بل للأبد" ومسلم: كتاب الحج (١٢١٦) (١٤١): باب بيان وجوه الإحرام.. من حديث جابر بن عبد الله ﵄. ٢ سورة النساء آية: ٥٩. ٣ البخاري: كتاب الحج (١٦٥١): باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، كتاب العمرة (١٧٨٥): باب عمرة التنعيم، كتاب التمني (٧٢٣٠): باب قول -النبي ﷺ-: لو استقبلت من أمري ما استدبرت. ومسلم: كتاب الحج (١٢١٦) (١٤٣): باب بيان وجوه الإحرام، واللفظ له في الرواية التي ذكرها المؤلف من حديث جابر -﵁- والبخاري: كتاب التمني (٧٢٢٩) باب قول النبي -ﷺ-: لو استقبلت من أمري ما استدبرت. ومسلم: كتاب الحج (١٢١١) (١٣٠) ; باب بيان وجوه الإحرام من حديث عائشة -﵂-. ٤ قال ذلك حين أمرهم في حجة الوداع أن يفسحوا حجهم إلى العمرة، ليكونوا متمتعين. ووجدوا في أنفسهم من ذلك لقرب ذهابهم إلى منى، وقصر المدة التي يقيمونها في مكة متمتعين بنسائهم حتى قالوا: "نذهب إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيا". انظر: زاد المعاد في حجة الرسول -ﷺ -. ٥ البخاري: الحج (١٥٦٨) . ٦ وذلك في حديث عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطا فله أجر ". أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام (٧٣٥٢): باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ. مسلم: كتاب الأقضية (١٧١٦) (١٥): باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ. ٧ "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر".
[ ٣٨٤ ]
يبلغهم الحديث أو لم يثبت عن النبي ﷺ عندهم في حديث، أو ثبت وله معارض أو مخصص ونحو ذلك، فحينئذ يسوغ للإمام أن يجتهد. وفي عصر الأئمة الأربعة -رحمهم الله تعالى- إنما كان طلب الأحاديث ممن هي عنده باللقى والسماع، ويسافر الرجل في طلب الحديث إلى الأمصار عدة سنين. ثم اعتنى الأئمة بالتصانيف ودونوا الأحاديث ورووها بأسانيدها، وبينوا صحيحها من حسنها من ضعيفها. والفقهاء صنفوا في كل مذهب، وذكروا حجج المجتهدين، فسهل الأمر على طالب العلم، وكل إمام يذكر الحكم بدليله عنده، وفي كلام ابن عباس -﵄- ما يدل على أن من يبلغه الدليل فلم يأخذ به- تقليدا لإمامه- فإنه يجب الإنكار عليه بالتغليظ لمخالفته الدليل.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عمر البزاز، حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا أبو عبيدة الحداد عن مالك بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: " ليس منا أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع غير النبي ﷺ ".
وعلى هذا فيجب الإنكار على من ترك الدليل لقول أحد من العلماء كائنا من كان، ونصوص الأئمة على هذا، وأنه لا يسوغ التقليد إلا في مسائل الاجتهاد التي لا دليل فيها يرجع إليه من كتاب ولا سنة، فهذا هو الذي عناه بعض العلماء بقوله: لا إنكار في مسائل الاجتهاد. وأما من خالف الكتاب والسنة فيجب الرد عليه كما قال ابن عباس والشافعي ومالك وأحمد، وذلك مجمع عليه، كما تقدم في كلام الشافعي رحمه الله تعالى.
قوله: وقال الإمام أحمد: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. ﷺ ﷺ (فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢. أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعلّه إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ".
أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
هذا الكلام من الإمام أحمد -﵀- رواه عنه الفضل بن زياد وأبو طالب. قال الفضل عن أحمد: "نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول ﷺ في ثلاث وثلاثين موضعا، ثم جعل يتلو
_________________
(١) ١ سورة النور آية: ٦٣. ٢ سورة النور آية: ٦٣.
[ ٣٨٥ ]
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية. فذكر من قوله: الفتنة الشرك - إلى قوله: - فيهلك". ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما ً﴾ ١.
وقال أبو طالب عن أحمد وقيل له: "إن قوما يدعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، فقال: أعجب لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الكفر. قال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ٢ فيدعون الحديث عن رسول الله ﷺ وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي". ذكر ذلك عنه شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-.
قوله: "عرفوا الإسناد" أي إسناد الحديث وصحته، فإذا صح إسناد الحديث فهو صحيح عند أهل الحديث وغيرهم من العلماء.
وسفيان: هو الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، وكان له أصحاب يأخذون عنه، ومذهبه مشهور يذكره العلماء -﵏- في الكتب التي يذكر فيها مذاهب الأئمة، كالتمهيد لابن عبد البر، والاستذكار له، وكتاب الإشراف على مذاهب الأشراف لابن المنذر، والمحلى لابن حزم، والمغني لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة الحنبلي. وغير هؤلاء.
فقول الإمام أحمد -﵀-: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته " إلخ إنكار منه لذلك، وأنه يؤول إلى زيغ القلوب الذي يكون به المرء كافرا. وقد عمت البلوى بهذا المنكر خصوصا ممن ينتسب إلى العلم، نصبوا الحبائل في الصد عن الأخذ بالكتاب والسنة، وصدوا عن متابعة الرسول ﷺ وتعظيم أمره ونهيه، فمن ذلك قولهم:
لا يستدل بالكتاب والسنة إلا المجتهد. والاجتهاد قد انقطع٣ ويقول: هذا الذي قلدته أعلم منك بالحديث وبناسخه ومنسوخه، ونحو ذلك من الأقوال التي غايتها ترك متابعة الرسول ﷺ الذي لا ينطق عن
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ٦٥. ٢ سورة البقرة آية: ٢١٧. ٣ في قرة العيون: وقد أخطأوا في ذلك. وقد استدل الإمام أحمد -﵀- بقوله –ﷺ-: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " أن الاجتهاد لا ينقطع.
[ ٣٨٦ ]
الهوى، والاعتماد على قول من يجوز عليه الخطأ، وغيره من الأئمة يخالفه، ويمنع قوله بدليل، فما من إمام إلا والذي معه بعض العلم لا كله.
فالواجب على كل مكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله وفهم معنى ذلك: أن ينتهي إليه ويعمل به، وإن خالفه من خالفه، كما قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢. وقد تقدم حكاية الإجماع على ذلك، وبيان أن المقلد ليس من أهل العلم، وقد حكى أيضا أبو عمر ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك.
قلت: ولا يخالف في ذلك إلا جهال المقلدة، لجهلهم بالكتاب والسنة، ورغبتهم عنهما، وهؤلاء وإن ظنوا أنهم قد اتبعوا الأئمة فإنهم في الحقيقة قد خالفوهم، واتبعوا غير سبيلهم. كما قدمنا من قول مالك والشافعي وأحمد، ولكن في كلام أحمد -﵀- إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم، وإنما ينكر على من بلغته الحجة وخالفهم لقوم إمام من الأئمة، وذلك إنما ينشأ عن الإعراض عن تدبر كتاب الله وسنة رسوله، والإقبال على كتب من تأخروا والاستغناء بها عن الوحيين، وهذا يشبه ما وقع من أهل الكتاب الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣، كما سيأتي بيان ذلك في حديث عدي بن حاتم، فيجب على من نصح نفسه إذا قرأ كتب العلماء ونظر فيها، وعرف أقوالهم أن يعرضها على ما في الكتاب والسنة؛ فإن كل مجتهد من العلماء ومن تبعه وانتسب إلى مذهبه لا بد أن يذكر دليله، والحق في المسألة واحد، والأئمة مثابون على اجتهادهم، فالمنصف يجعل النظر في كلامهم وتأمله طريقا إلى معرفة المسائل واستحضارها ذهنا، وتمييزا للصواب من الخطأ بالأدلة التي يذكرها المستدلون، ويعرف بذلك من هو أسعد بالدليل من العلماء فيتبعه، والأدلة على هذا الأصل في كتاب الله أكثر وفي السنة كذلك، كما أخرج أبو داود بسنده عن أناس من أصحاب معاذ: " أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله تعالى. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال:
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ٣. ٢ سورة العنكبوت آية: ٥١. ٣ سورة التوبة آية: ٣١.
[ ٣٨٧ ]
الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله " ١. وساق بسنده عن الحارث بن عمر عن أناس من أصحاب معاذ بن جبل ﵁: "أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن - بمعناه".
والأئمة -﵏- لم يقصروا في البيان، بل نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة، لعلمهم أن من العلم شيئا لم يعلموه، وقد يبلغ غيرهم، وذلك كثير كما لا يخفى على من نظر في أقوال العلماء.
قال أبو حنيفة -﵀-: " إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة -﵃- فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال".
وقال: " إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه فاتركوا قولي لكتاب الله". قيل: إذا كان قول رسول الله ﷺ يخالفه؟ قال: " اتركوا قولي لخبر الرسول ﷺ". وقيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: " اتركوا قولي لقول الصحابة".
وقال الربيع: " سمعت الشافعي -﵀- يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فخذوا سنة رسول الله ﷺ، ودعوا ما قلت".
وقال: " إذا صح الحديث بما يخالف قولي فاضربوا بقولي الحائط".
عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
وقال مالك: " كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ".
وتقدم له مثل ذلك، فلا عذر لمقلد بعد هذا. ولو استقصينا كلام العلماء في هذا لخرج عما قصدناه من الاختصار، وفيما ذكرناه كفاية لطالب الهدى٢.
قوله: "لعله إذا رد بعض قوله" أي قول الرسول ﷺ "أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك" نبه -﵀- أن رد قول الرسول ﷺ سبب لزيغ القلب، وذلك هو الهلاك في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ منكر. أبو داود: كتاب الأقضية (٣٥٩٢)، (٣٥٩٣): باب اجتهاد الرأي في القضاء، والترمذي: الأحكام (١٣٢٧)، وأحمد (٥/٢٣٦،٥/٢٤٢)، والدارمي: المقدمة (١٦٨) . وضعفه البخاري والترمذي والعقيلي والدارقطني وابن حزم وابن طاهر وابن الجوزي والذهبي والسبكي وابن حجر وغيرهم. راجع الضعيفة للألباني (٨٨١) . ٢ في قرة العيون: فعلى من اشتغل بمصنفات أهل مذهبه أن ينظر في أقوال المخالفين وما استدلوا به متبعا للدليل مع من كان معه. وبالله التوفيق. ٣ سورة الصف آية: ٥.
[ ٣٨٨ ]
قال شيخ الإسلام -﵀- في معنى قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ١: " فإذا كان المخالف لأمره قد حذر من الكفر والشرك، أو من العذاب الأليم، دل على أنه قد يكون مفضيا إلى الكفر والعذاب الأليم، ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب الأليم هو مجرد فعل المعصية، فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما يقترن به من الاستخفاف في حق الأمر; كما فعل إبليس لعنه الله تعالى"اهـ. وقال أبو جعفر ابن جرير -رحمه الله تعالى- عن الضحاك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ قال: "يطبع على قلبه فلا يؤمن أن يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه".
قال أبو جعفر ابن جرير: " أدخلت "عن" لأن معنى الكلام فليحذر الذين يلوذون عن أمره ويدبرون عنه معرضين".
قوله: "أو يصيبهم" في عاجل الدنيا عذاب من الله موجع على خلافهم أمر رسول الله ﷺ.
قوله: "عن عدي بن حاتم ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ٢ الآية.
(وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣. فقلت له: " إنا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم ". رواه أحمد والترمذي وحسنه٤.
فقلت: "إنا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت، بلى، قال: فتلك عبادتهم". رواه أحمد والترمذي وحسنه".
هذا الحديث قد روي من طرق; فرواه ابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي. قوله: "عن عدي بن حاتم" أي الطائي المشهور.
وحاتم: هو ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج- بفتح الحاء- المشهور بالسخاء والكرم، قدم عدي على النبي ﷺ
_________________
(١) ١ سورة النور آية: ٦٣. ٢ سورة التوبة آية: ٣١. ٣ سورة التوبة آية: ٣١. ٤ تقدم تخريجه برقم (٨٠) .
[ ٣٨٩ ]
في شعبان سنة تسع من الهجرة، فأسلم وعاش مائة وعشرين سنة.
وفي الحديث دليل على أن طاعة الأحبار والرهبان في معصية الله عبادة لهم من دون الله، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ١. وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلدوهم، لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلد، وهو من هذا الشرك.
ومنهم من يغلو في ذلك ويعتقد أن الأخذ بالدليل والحالة هذه يكره، أو يحرم، فعظمت الفتنة. ويقول: هم أعلم منا بالأدلة، ولا يأخذ بالدليل إلا المجتهد، وربما تفوهوا بذم من يعمل بالدليل، ولا ريب أن هذا من غربة الإسلام كما قال شيخنا -﵀- في المسائل:
" فتغيرت الأحوال، وآلت إلى هذه الغاية فصارت عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، ويسمونها ولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه. ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين".
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النور.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
وأما طاعة الأمراء ومتابعتهم فيما يخالف ما شرعه الله ورسوله فقد عمت بها البلوى قديما وحديثا في أكثر الولاة بعد الخلفاء الراشدين وهلم جرا. وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢. وعن زياد بن حُدير قال: قال لي عمر ﵁: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين". رواه الدارمي. جعلنا الله وإياكم من الذين يهدون بالحق وبه يعدلون.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١٢١. ٢ سورة القصص آية: ٥٠.
[ ٣٩٠ ]