وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ ١.
_________________
(١) قوله: "باب من سب الدهر فقد آذى الله". ١ سورة الجاثية آية: ٢٤.
[ ٤٢٢ ]
وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ .
قال العماد ابن كثير في تفسيره: يخبر تعالى عن دهرية الكفار، ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة. وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البدأة والرجعة. وتقول الفلاسفة الدهرية الدورية، المنكرون للصانع، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ . قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ أي يتوهمون ويتخيلون. فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح وأبو داود والنسائي
في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار " ١.
من رواية سفيان ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار " ٢.
وفي رواية: " لا تسبوا الدهر؛ فإني أنا الدهر " ٣.
وفي رواية: " لا يقل ابن آدم: يا خيبة الدهر؛ فإني أنا الدهر، أرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما " ٤ اهـ ٥.
قال في شرح السنة: حديث متفق على صحته أخرجاه من طريق معمر من أوجه عن أبي هريرة قال: ومعناه أن العرب كان من شأنها ذم الدهر أي سبه عند النوازل؛ لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها، فكان مرجع سبها إلى الله ﷿؛
_________________
(١) ١ البخاري: التوحيد (٧٤٩١)، ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٦)، وأبو داود: الأدب (٥٢٧٤)، وأحمد (٢/٢٣٨) . ٢ في ابن كثير: "أقلب ليله ونهاره". ٣ مسلم: كتاب الألفاظ من الأدب (٢٢٤٦) (٥): باب النهي عن سب الدهر. من حديث أبي هريرة أيضا، وأحمد (٦/١٥٨) . ٤ مسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٦)، وأحمد (٢/٢٧٥،٢/٣١٨)، ومالك: الجامع (١٨٤٦) . ٥ هذه الرواية ليست في نسخ ابن كثير المطبوعة بأيدينا. وهي في تفسير البغوي.
[ ٤٢٣ ]
إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصنعونها، فنهوا عن سب الدهر. اهـ باختصار.
وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جدا بهذا الطريق١. قال: "كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ ٢. ويسبون الدهر. فقال الله ﷿: " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار".
وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن منصور عن سريج بن النعمان عن ابن عيينة مثله. ثم روى عن يونس عن ابن وهب عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقول الله تعالى: يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار " ٣. وأخرجه صاحب الصحيح والنسائي من حديث يونس بن يزيد به.
وقال محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله ﷿: " استقرضت عبدي فلم يعطني، ويسبني عبدي، يقول: وادهراه، وأنا الدهر ". قال الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله: " لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر " ٤: كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى. فكأنما إنما سبوا الله سبحانه؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال. هذا أحسن ما قيل في تفسيره - وهو المراد - والله أعلم.
وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم "الدهر" من الأسماء الحسنى أخذا من هذا الحديث. اهـ.
وقد بين معناه في الحديث بقوله: "أقلب الليل والنهار". وتقليبه: تصرفه تعالى فيه بما يحبه الناس ويكرهونه.
وفي رواية: " لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر " ٥.
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الدهر.
الثانية: تسميته أذى الله.
الثالثة: التأمل في قوله: " فإن الله هو الدهر ".
الرابعة: أنه قد يكون سابا ولو لم يقصده بقلبه.
وفي هذا الحديث زيادة لم يذكرها المصنف رحمه الله تعالى، وهي قوله: "بيدي الأمر".
_________________
(١) ١ أي من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كان أهل الجاهلية " إلخ. ٢ سورة الجاثية آية: ٢٤. ٣ الترمذي: تفسير القرآن (٣٠٥٨)، وابن ماجه: الفتن (٤٠١٤) . ٤ أحمد (١/١٢٩) (٢/ ٣٠٠، ٥٠٦) . وابن خزيمة (٢٤٧٩)، والحاكم (١/ ٤١٨) وإسناده ضعيف. والفقرة الأخيرة من الحديث بلفظ: "يشتمني ابن آدم يقول وادهراه " عند ابن أبي عاصم في السنة (٥٩٨) . وإسنادها حسن كما قال الألباني. ٥ مسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٦)، وأحمد (٢/٣٩٥،٢/٤٩١،٢/٤٩٩) .
[ ٤٢٤ ]
قوله: "وفي رواية: " لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر ".
معنى هذه الرواية: هو ما صرح به في الحديث من قوله: " وأنا الدهر; أقلب الليل والنهار ". يعني أن ما يجري فيه من خير وشر بإرادة الله وتدبيره، بعلم منه تعالى وحكمة، لا يشاركه في ذلك غيره. ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢. ونسبة الفعل إلى الدهر ومسبته كثيرة، كما في أشعار المولدين، كابن المعتز والمتنبي وغيرهما. وليس منه وصف السنين بالشدة ونحو ذلك كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ ٣ الآية.
وقال بعض الشعراء:
إن الليالي من الزمان مهولة تطوى وتنشر بينها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلة وطوالهن مع السرور قصار
وقال أبو تمام:
أعوام وصل كاد يُنسى طيبها ذكري النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أعقبت نحوي أسى فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ١٦٨. ٢ سورة الأنبياء آية: ٣٥. ٣ سورة يوسف آية: ٤٨.
[ ٤٢٥ ]