وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١.
_________________
(١) قوله: "باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول" أي فقد كفر. ١ سورة التوبة آية: ٦٥.
[ ٤٣٣ ]
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
قال العماد ابن كثير -﵀- في تفسيره: قال أبو معشر المدني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: " قال رجل من المنافقين: ما أرى مثل قرائنا هؤلاء؟ أرغبنا بطونا١ وأكذبنا ألسنًا، وأجبننا عند اللقاء، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، فقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ . وإن رجليه ليسفعان٢ الحجارة، وما يلتفت إليه رسول الله ﷺ وهو متعلق بنِسْعَة ناقة رسول الله ﷺ "٣.
عن ابن عمر ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم وقتادة - دخل حديث بعضهم في بعض - أنه قال رجل في غزوة تبوك: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء. فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ. فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه. فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق. قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ، وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. فيقول له رسول الله ﷺ: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ل وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ اتَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، ما يلتفت إليه وما يزيده عليه ".
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر قال: " قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ. فبلغ ذلك رسول الله
_________________
(١) ١ في تفسير ابن كثير وتفسير ابن جرير: "ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا". ٢ سفع الطائر ضريبته- كمنع- لطمها بجناحيه، وسفع فلان فلانا لطمه وضربه، والمعنى أن الحجارة تضرب رجليه من سرعة المسير وأنه مشغول عن ذلك. ٣ النسعة- بكسر النون وسكون المهملة سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره (*) . (*) قوله: (النسعة بكسر النون وسكون المهملة سير مضفور يجعل زمانا للبعير وغيره) . أقول في قوله: يجعل زمانا للبعير نظر، والصواب أن النسعة حبل يشد به الرحل ولا يطلق على الزمام. قال في القاموس: (النسع بالكسر سير ينسج عريضا على هيئة أعنة النعال، يشد به الرحال، والقطعة منه نسعة، وسمي نسعا لطوله. انتهى المقصود.
[ ٤٣٤ ]
ﷺ ونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر: وأنا رأيته متعلقا بحِقْب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة، وهو يقول يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١ " ٢. وقد رواه الليث عن هشام بن سعد بنحو هذا.
وقال ابن إسحاق: "وقد كان جماعة من المنافقين منهم: وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشي بن حمير، يشيرون إلى رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بنى الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنا بكم غدا
مقرنين في الجبال، إرجافا وترهيبا للمؤمنين. فقال مخشي بن حمير: والله لوددت أني أقاضي على أن يُضْرَب كل رجل منا مائة جلدة; وأنا نتفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال رسول الله ﷺ فيما بلغني لعمار بن ياسر: أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بل قلتم: كذا وكذا وكذا، فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه. فقال وديعة بن ثابت - ورسول الله واقف على راحلته- فجعل يقول وهو آخذ بحقها: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب. فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي، فكان الذي عناه أي بقوله تعالى: ﴿نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ ٣ في هذه الآية: مخشي ابن حمير فسمي عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يُعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر". وقال عكرمة في تفسير هذه الآية: "كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللهم إني أسمع آية أنا أعني بها تقشعر منها الجلود، وتجل منها القلوب. اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لا يقول أحد أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت. قال: فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره".
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ٦٥-٦٦. ٢ حسن: رواه ابن جرير (١٠/ ١١٩)، وابن أبي حاتم (٤/ ٦٤) عن ابن عمر وإسناد ابن أبي حاتم حسن، كما قال الشيخ مقبل في الصحيح المسند ص (٧١) . قال الدوسري: وأما روايات محمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة فهي مرسلة، وقد أخرجها ابن جرير (١٠/ ١١٩، ١٢٠) . ٣ سورة التوبة آية: ٦٦.
[ ٤٣٥ ]
وقوله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١ أي بهذه المقالة التي استهزأتم بها ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ أي مخشي بن حمير ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ أي لا يعفى عن جميعكم، ولا بد من عذاب بعضكم ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٢ أي بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة. انتهى.
قال شيخ الإسلام: " وقد أمره الله تعالى أن يقول لهم: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٣ وقول من يقول: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولا بقلوبهم لا يصح؛ لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانكم؛ فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم، وهم مع خواصهم ما زالوا كذلك، ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين".
وقال -﵀- في موضع آخر: فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنما تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له; بل إنما كنا نخوض ونلعب. وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر. ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدرا بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه لمنعه أن يتكلم بهذا الكلام، والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه. كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ٤ - إلى قوله -: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٥.
فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا، فبين أن هذا من لوازم الإيمان". انتهى.
وفيه: بيان أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها أو عمل يعمل به٦ وأشدها خطرا
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ٦٦. ٢ سورة الدخان آية: ٣٧. ٣ سورة التوبة آية: ٦٦. ٤ سورة النور آية: ٤٧. ٥ سورة النور آية: ٥١. ٦ ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله، وعدم احترامهم لأجله قوله: (ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله وعدم احترامهم لأجله) أقول: هذا القول فيه إجمال، والصواب التفصيل فإن كان الاستهزاء بالعلم الشرعي أو بالعلماء لأجله فلا شك أن ذلك ردة عن الإسلام؛ لأنه تنقص لما عظمه الله واستخفاف به، وفي ضمن ذلك احتقاره والتكذيب به، أما إن كان الاستهزاء بالعلماء يرجع إلى أمر آخر كالملابس أو حرص بعضهم على الدنيا أو اعتيادهم خلاف ما عليه الناس من العوائد التي لا تعلق لها بالشرع، أو لما يشبه ذلك، فهذا وأشباهه لا يكون ردة عن الإسلام؛ لأنه لا يرجع إلى الدين، وإنما يرجع الى أمور أخرى. والله ﷾ أعلم.
[ ٤٣٦ ]
فيه مسائل:
الأولى: وهي العظيمة أن من هزل بهذا إنه كافر.
الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان.
الثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله.
الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله.
الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل.
إرادات القلوب. فهي كالبحر الذي لا ساحل له. ويفيد الخوف من النفاق الأكبر؛ فإن الله تعالى أثبت لهؤلاء إيمانا قبل أن يقولوا ما قالوه، كما قال ابن أبي مليكة: " أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه " ١. نسأل الله السلامة والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري تعليقا (١/ ١٠٩) . ووصله ابن أبي خيثمة في تاريخه، وكذا محمد بن نصر المروزي في كتاب الإيمان له، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه كما قال الحافظ في الفتح (١/ ١١٠) .
[ ٤٣٧ ]