التاسعة والعشرون الإلحاد في أسمائه وصفاته قال سبحانه في سورة " الأعراف " [١٨٠]: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]
تفسير هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] تنبيه للمؤمنين على كيفية ذكره تعالى، وكيفيه المعاملة مع المخلين بذلك الغافلين عنه سبحانه، وعما يليق بشأنه إثر بيان غفلتهم التامة، وضلالتهم الطامة.
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] إما من الدعوة بمعنى التسمية كقولهم: دعوته زيدا، أو بزيد، أي: سميته، أو الدعاء بمعنى النداء كقولهم: دعوت زيدا، أي: ناديته.
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] أي: يميلون وينحرفون فيها عن الحق إلى الباطل، يقال: أَلْحَدَ إذا مال عن القصد والاستقامة، ومنه: لَحْد القبر لكونه في جانبه بخلاف الضريح، فإنه في وسطه.
والإلحاد في أسمائه سبحانه أن يسمى بلا توقيف فيه، أو بما يُوهِم معنى فاسدا، كما في قول أهل البدو: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا سخي، ونحو ذلك، فالمراد بترك المأمور به الاجتناب عن ذلك، وبأسمائه ما أطلقوه عليه تعالى وسموه به على زعمهم، لا أسماؤه تعالى حقيقة، وعلى ذلك يحمل ترك الإضمار بأن
_________________
(١) أنكر بعض أهل اللغة أن يكون الإثم من أسماء الخمر، انظر: اللسان " أثم "، وتاج العروس " أثم ".
[ ٥٢ ]
يقال: يُلْحِدون بها (١) .
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]
وهذه الآية في سورة " الرعد ".
عن قتادة وابن جريج ومقاتل أن الآية نزلت في مشركي مكة لما رأوا كتاب الصلح يوم الحديبية، وقد كتب فيه علي ﵁: " بسم الله الرحمن الرحيم "، فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة.
ومنهم من قال: «سمع أبو جهل قول رسول الله ﵌: " يا الله يا رحمن "، فقال: إن محمدا ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين، فنزلت» (٢) .
وعن بعضهم أنه لما قيل لكفار قريش: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠] قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] فنزلت (٣) .
وقيل غير ذلك مما يطول.
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢١ - ٢٣]
وهذه الآية إخبار أن أهل الجاهلية كانوا يلحدون في صفاته، كما كانوا يلحدون في أسمائه تعالى.
_________________
(١) ومن ذلك قول بعضهم: يا أبا غيمة زرقاء، يا ساتر، يا ستار، يا معطي، يا معين، يا مجير، يا هو، يا موجود في كل وجود - وهذا كفر أكبر نسأل الله العافية، ومثلها في الكفر: يا من لا هو إلا هو - وعلة الوجود، والعلة الأولى، والذات الإلهية.
(٢) ذكر هذا الأثر البغوي في تفسيره (٣ / ١٩)، وابن الجوزي في تفسيره (٤ / ٣٢٩) .
(٣) ذكره البغوي في تفسيره (٣ / ١٩)، والواحدي في أسباب النزول (ص ٢٧٣)، وابن الجوزي في زاد المسير (٤ / ٣٢٩)، ونسبوه لابن عباس.
[ ٥٣ ]
أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وجماعة عن ابن مسعود، قال: «كنت مستترا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر: قرشي وثقفيان، أو ثقفي وقرشيان، كثير لحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمعه، وإذا لم نرفع لم يسمع، فقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله. قال: فذكرت ذلك للنبي ﵌ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢]) إلى قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]» (١) .
فهذا هو الإلحاد في الصفات.
وأنت تعلم أن ما عليه أكثر المتكلمين المسلمين من الإلحاد في الأسماء والصفات فوق ما كان عليه أهل الجاهلية، فسموا الله بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، ومنهم من قال: ليس لله صفات قامت به، ومنهم من قال: صفاته ليست عين ذاته ولا غيره، ومنهم من قال: إن صفاته غيره، ومنهم من قال: إن الله لم يتكلم بالكتب التي أنزلها، وأثبتوا له الكلام النفسي، وأنه لم يكلم أحدا من رسله، إلى غير ذلك من الإلحاد الذي حشوا به كتبهم، وملؤوها من الهذيان، وظنوا أن الآية مختصة بأهل الجاهلية، وما دروا أنهم الفرد الكامل لعمومها (٢) على العرش استوى [طه: ٥]؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. .
ومن بصره الله تعالى ونور قلبه أعرض عن أخذ عقائده من كتب هؤلاء الطوائف، وتلقى معرفة إلهه من كتب السلف المشتملة على نصوص الكتاب والسنة.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (١ / ٣٨١ - ٤٠٨ - ٤٢٦ - ٤٤٢ - ٤٤٣)، والبخاري بنحوه في (التفسير وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين: ٤٨١٧)، وفي (التوحيد وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم: ٧٥٢١)، ومسلم بنحوه في (صفات المنافقين وأحكامهم: ٧٠٢٩)، والترمذي بنحوه برقم (٣٢٤٨ و٣٢٤٩)، والنسائي في السنن الكبرى (كتاب التفسير قوله تعالى: وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم: ١١٤٦٨) (٦ / ٤٥١) .
(٢) وقد قال بعض هؤلاء الملاحدة: إن الله في الكون كالزبدة في الحليب يعني (مبعثر) تعالى الله عن ذلك، وقالوا لوالدي - حفظه الله - يوما وقد كان معهم: أترى هذا الكلب، فقال: نعم، قالوا: فيه جزء من الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأين هم من عقيدة الأنبياء والمؤمنين في علو الرحمن فوق عرشه فوق سماواته، وأنه.
[ ٥٤ ]