الخامسة والسبعون اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد هذه المسألة من خصال الكتابيين أيام جاهليتهم.
وفي ذلك ورد الحديث الصحيح: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) ثم قال: «فلا تتخذوها مساجد» (٢) .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) .
وفي لفظ لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤) .
وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا (٥) «لما نُزِل برسول الله ﵌ طَفِقَ يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال - وهو كذلك -: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا " (٦) .
وفي الصحيحين - أيضا - عن عائشة «أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله ﵌ كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: " مارية "، وذكرتا من حسنها وتصاوير
_________________
(١) رواه البخاري في (الجنائز ما جاء في قبر النبي ﵌: ١٣٩٠)، ومسلم في (المساجد ومواضع الصلاة: ١١٨٤) .
(٢) قال رسول الله ﵌:: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك " رواه مسلم في (المساجد: ١١٨٨) .
(٣) رواه البخاري في (الصلاة: ٤٣٧)، ومسلم برقم (١١٨٥) من غير لفظة: " والنصارى ".
(٤) مسلم برقم (١١٨٤) .
(٥) في الأصل: " قال " والتصويب من البخاري برقم (٤٣٥، ٤٣٦) .
(٦) رواه البخاري برقم (٤٣٥، ٤٣٦ - ٣٤٥٣، ٣٤٥٤ - ٤٤٤٣، ٤٤٤٤ - ٥٨١٥، ٥٨١٦) بلفظ " لعنة الله على اليهود والنصارى. . . "، ومسلم بنحوه برقم (١١٨٧) .
[ ١٣١ ]
فيها، فقال رسول الله ﵌: " أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» (١) .
وعن ابن عباس قال: «لعن رسول الله ﵌ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج»، رواه أهل السنن الأربعة (٢) .
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه في (الصلاة باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد؟: ٤٢٧، وباب الصلاة في البيعة: ٤٣٤)، وفي (الجنائز بناء المسجد على القبر: ١٣٤١) وهو أقرب لفظ إلى ما ذكره المصنف ﵀، ومسلم في (المساجد: ١١٨١، ١١٨٢، ١١٨٣) .
(٢) ضعيف: أخرجه أبو داود برقم (٣٢٣٦)، والنسائي في " الصغرى " برقم (٢٠٤٥)، والترمذي برقم (٣٢٠)، والطيالسي في مسنده (ص ٣٥٧) برقم (٢٧٣٣) وغيرهم. وفي سنده: أبو صالح وهو باذان، وهو ضعيف عند جمهور النقاد، ولم يوثقه أحد إلا العجلي وحده كما قال الحافظ في " التهذيب "، بل كذبه إسماعيل بن أبي خالد والأزدي، ووصمه بعضهم بالتدليس، وقال الحافظ في " التقريب ": " ضعيف مدلس ". وقد صح بلفظ " لعن رسول الله زوارات القبور " عند ابن ماجه في (الجنائز ما جاء في النهي عن زيارة القبور للنساء: ١٥٧٤) واللفظ له، وهو حديث حسن، ورواه الترمذي أيضا في (الجنائز ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء: ١٠٥٦) قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي ﵌ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن. اهـ. قلت: إنما اللعن على " زوارات القبور " وهي من تكثر من زيارتها، أما من زارت من غير كثرة؛ للاعتبار والاتعاظ مع الصبر والاحتساب، فلا لعن عليها، بل تؤجر إن شاء الله. وقد تقدمت الأحاديث الصحيحة التي فيها لعن المتخذين المساجد على القبور، وأما السرج على القبور فيستدل عليه بحديث: " شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة " رواه ابن ماجه في (المقدمة باب اجتناب البدع والجدل: ٤٥)، وقد نهى الله سبحانه عن إضاعة المال، في قوله ﵌: " ونهى عن ثلاث: قيل وقالٍ، وكثرة السؤال، وإضاعة المال " رواه مسلم في (الأقضية: ٤٤٨٦)، وكذلك عموم المنع عن مشابهة المشركين، وقد تقدم شيء من الأدلة على ذلك في المقدمة ص (١٢ - ١٣) .
[ ١٣٢ ]
فهذا التحذير منه، واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المسجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة.
وفي هذا دليل على الحذر عن جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن يكون من هذا الجنس.
ثم من المعلوم ما قد ابْتُلِيَ به كثير من هذه الأمة من بناء القبور مساجد، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرم، معلون فاعله بالمستفيض من السنة، وليس هذا موضع استقصاء ما في ذلك من سائر الأحاديث والآثار، ولهذا كان السلف يبالغون في المنع.
[ ١٣٣ ]