السابعة والثمانون الافتخار بكونهم من ذرية الأنبياء ﵈ فرد الله عليهم بقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١]
هذه الآية في آخر الجزء الأول من سورة " البقرة " وتفسيرها:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٤١] الإشارة إلى إبراهيم ﵇ وأولاده في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] إلخ.
والأمة أتت لمعان، والمراد بها - هنا - الجماعة، من " أَمَّ " بمعنى قصد، وَسُمِّيَتْ
[ ١٤٥ ]
كل جماعة يجمعهم أمر ما: إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان بذلك؛ لأنهم يؤم بعضهم بعضا، ويقصده.
والخلو: المضي، وأصله الانفراد.
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٤١] والمعنى: أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما قال ﵌: «يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي: المتقون، فكونوا بسبيل من ذلك فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا، فأصد عنكم بوجهي» .
وهذا الحديث بمعنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]
ومعنى قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١] لا تؤاخَذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم.
وهذه الخصلة موجودة اليوم في كثير من المسلمين، ورأس مالهم الافتخار بالآباء، فمنهم من يقول: أنا من ذرية عبد القادر الكيلاني، ومنهم من يقول: أنا من ذرية أحمد الرفاعي، ومنهم من يقول: أنا بكري، ومنهم من يقول: أنا عمري، ومنهم من يقول: أنا علوي أو حسني أو حسيني، ولا فضيلة لهم ولا تقوى، وكل ذلك لا ينفعهم ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] ورسول ﵌ يقول لفاطمة: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا» (١) .
وما قَصْدُ أولئك المفتخرين بآبائهم - وهم عارون عن كل فضيلة - إلا أكل أموال الناس بالباطل، وفي المثل: " كن عصاميا، ولا تكن عظاميا ".
_________________
(١) رواه البخاري في (الوصايا هل يدخل النساء والولد في الأقارب؟ ٢٧٥٣) وبرقم (٤٧٧١) بلفظ: " يا فاطمة بنت محمد ﵌ سليني من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا "، ومسلم في (الإيمان: ٥٠٤) بلفظ: " يا فاطمة بنت رسول الله سليني ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا ".
[ ١٤٦ ]
إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي
ولله دَرُّ من قال يرد على المفتخر بذلك:
أقول لمن غدا في كل يوم يباهينا بأسلاف عظام
أتقنع بالعظام وأنت تدري بأن الكلب يقنع بالعظام
وقال آخر:
وما الفخر بالعظم الرميم وإنما فخار الذي يبغي الفخار بنفسه