إضافة نعم الله إلى غيره (السابعة والثلاثون): إضافةُ نِعَمِ الله إلى غيرِهِ، قال الله تَعالى في سورةِ [النَّحْلِ: ٨٣]: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] وقدْ عَدَّدَ الله تَعالى نِعَمَهُ على عِباده في هذهِ السُّورةِ [٧٨: ٨٠] إلي أنْ قالَ ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ - يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨١ - ٨٣] فقوله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٣] إلِخ اسْتِئناف لِبيانِ أنَّ تَولي المُشرِكينَ وإعراضَهم عن الإِسلامِ لَيْسَ لِعَدَمِ مَعْرِفتِهِم نِعمةَ الله ﷾ أصلا، فإِنِّهم يَعرِفون أنِّها مِن الله تَعالى، ثُمَّ يُنْكِرونَها بأفعالِهِم، حيثُ لم يُفْردوا مُنْعِمَها بالعِبادةِ، فَكَأنَهم لمْ يَعْبُدوه ﷾ أصْلا، وذَلِكَ كُفْران مُنَزَّل مَنْزِلَةَ الإِنكارَ. وأخرجَ ابنُ جريرٍ وغيرهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنه قَالَ: إنكارُهُم إيَّاها قولُهم: وَرِثْناها مِن آبائِنا وأخرجَ هو وغيرُهُ أيْضًا عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ أنه قالَ: إنكارُهم إيَّاها أنْ يقولَ الرَّجُلُ: لَوْلا فلانٌ أصابَني
[ ٢٤٦ ]
كَذَا وَكَذَا، وَلَوْلا فلانٌ لم أُصِبْ كَذَا وَكَذَا. وَفِي لَفظٍ: إنكارُها: إضافتُها إلى الأسبابِ، وبعضُهُم يقولُ: إنكارُهُم: قولُهم: هي بشفاعة آلهتهم عند الله تَعالى. وَمِنهم مَن قال: النِّعمةُ هنا مُحَمَّد ﷺ أيْ: يَعْرفونَ أنَّه﵊- نَبِيّ بِالمُعْجِزاتِ، ثُمَّ يُنكِرون ذَلِكَ، وَيَجْحَدونَه عِنادًا ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] أيْ المُنكِرون بِقُلوبهِم، غيرُ المُعْترَفين بما ذُكِرَ. والتَّعبيرُ بالأكثرِ إمَّا لأنَّ بعضهم لم يَعْرِفِ الحَقَّ لِنُقصانِ عقلِه وعدمِ اهتدائِهٍ إليهِ، أو لِعدمِ نَظَرِهِ في الأدلَّة نَظَرًا يُؤدِّي إلى المَطْلوبِ، أو لأنَّه لمْ تَقُمْ عليهِ الحُجَّةُ؛ لِكونهِ لم يَصِلْ إلى حَدِّ المُكَلَّفينَ لِصغرٍ ونحوِه، وإمَّا لأنَّه يُقامُ مقامَ الكُلِّ، فإسنادُ المعرفةِ والإِنكارِ المتفرِّع عَلَيْها إلى ضَميرِ المشرِكينَ على الإِطلاقِ مِن باب إسناد حالِ البعضِ إلى الكلِّ.
وَمِمَّا يَجْرِي هذا المَجْرى قولُهُ تَعالى في سورةِ [الواقِعةِ: ٨١-٨٢] ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ - وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨١ - ٨٢] أيْ: تَقولونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا.
رَوَى مُسْلِم وغيرهُ عن ابنِ عبَّاس قالَ: «مُطِرَ النَّاسُ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، فَقَال ﵊" أصْبَحَ مِنَ الناسِ شاكِرٌ، ومِنهم كافِرٌ، قالوا: هذهِ رحمة وضَعَها الله" وقالَ بعضُهم: لَقَد صَدَقَ نَوْءُ كَذا، فَنَزَلَتْ هَذه الآية ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] حَتَّى بَلَغَ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]» إِلَى غيرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ. والمقصود أن إسناد النعم إلى غير منعمها الحقيقي كفران لها. وَقَدْ ذَكَرْنا مَذهبَ العربِ في الأنواءِ في غيرِ هذا الموضِعِ، وَفَصَّلْناه تفْصيلا، وَذَكَرْنا شِعْرَهُمُ الدَّال على مَذهَبِهم هذا. واللهُ المُوَفقُ.