اتخاذ آثار الأنبياء مساجد (السادسة والسبعون): اتخاذُ آثارِ أنبِيائِهِم مساجِدَ، كَمَا وَرَدَ عَن عمَرَ ﵁ فإنَّ هذه المسألةَ مِن بِدَعِ جاهِلِيّة الكِتابيِّينَ، كانوا يَتَّخِذونَ آثارَ أنبيائِهِم مَساجدَ، فَوَرِثَهُمُ الجاهِلونَ مِن هذه الأمَّة، فَترَاهم يبْنون عَلى موضِعٍ اخْتَفى بهِ النَّبِيُّ ﷺ، أَوْ وَصَلَ قَدَمهُ المُبارَكُ إليه، أو تَعَبَّدَ فيهِ، فَهَذَا لَيْس يُحْمَدُ في الشَّريعةِ؛ لِجَرِّهِ إلى الغُلُوِّ. وَفِي العِراقِ مواضعُ كثيرة بَنوا عَلَيْها مَبانِيَ، كالمقام الَّذِي زَعَموا أنَّ الشَّيخ الكَيلانيَّ تَعَبَّدَ فيهِ، وَكَأثَر الكَفِّ الَّذِي زَعَمَ الشِّيَعَةُ أنَّهُ أثَرُ كَفِّ الإِمامِ عَليٍّ لَمَّا وَضَعَه على الصَّخْرةِ فَأثَّرَ فِيْهَا، فَبَنَوا عَلَيْها مَسجدا، وَكَعِدَّةِ أماكِنَ زَعَموا أن الخَضِرَ رئيَ فيها، ولا أصلَ لَهُ، إلى غيرِ ذَلِكَ مِمَّا لا يَسْتَوْعِبُهُ المَقامُ. فَينبغي لِمَن يَدَّعي الإِسلامَ أنْ يَتَجَنَّبَها، وَينْهى عن حُضورِها، وإنْ رُمِيَ بالإِنكارِ، وَعَداوةِ الأشْرارِ، وَكَيْدِ المارقينَ الفُجَّارِ. وفي المسألةِ تفصيلٌ لا بأسَ بِذِكْرِهِ: قال شيخُ الإِسلامِ: أما مَقاماتُ الأنبياءِ والصَّالحينَ- وهي الأمكنةُ التي قاموا فيها أوْ أقاموا، أوْ عَبَدوا الله سُبْحانه- لكنَّهم لَمْ يَتَّخذوها مساجِدَ- فالَّذِي بَلَغني في ذَلِكَ قَولانِ عن العلماءِ المَشْهورينِ: أحَدُهُما النَّهيُ
[ ٢ / ٢٨٣ ]
عن ذَلِكَ، وكراهتُه، وأنَّه لا يُسْتَحَبُّ قصدُ بُقْعَةٍ لِلعِبادةِ، إلا أن يكونَ قَصْدُها لِلعبادةِ مِمَّا جاءَ به الشَّرعُ، مِثْلُ أنْ يكونَ النَّبِيُّ ﷺ قصَدَها لِلعبادةِ كَما قَصدَ الصَّلاةَ في مَقامِ إبراهيمَ، وكما كان يَتَحَرَّى الصلاةَ عند الاسطُوانةِ، وكما تُقْصدُ المساجِدُ لِلصَّلاةِ، ويُقْصَدُ الصَّفُّ الأوَّل، وَنَحْوِ ذَلِكَ. القول الثَّاني: أنه لا بأسَ باليَسير مِن ذَلِكَ، كَما نُقِلَ عن ابنِ عُمَرَ أنه كان يَتَحَرَّى قَصْدَ المواضِعِ التي سَلَكَها النَّبِيُّ ﷺ، وأن النَّبِي ﷺ سلكها اتِّفاقًا لا قَصدًا (١) . وَسُئِلَ الإِمامُ أحمدُ عن الرَّجُلِ يأتي هذه المَشاهِدَ، وَيَذْهَبُ إليها، تَرى ذَلِكَ؟ قَالَ: أمَّا على حَديثِ ابنِ أمِّ مَكْتوم أنه سَألَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ في بيتِه حتى يَتَّخِذَ ذَلِكَ مُصَلَّى، وعلى ما كان يَفعَلُه ابنُ عُمَرَ، يتتبعُ مواضعَ النَّبِيِّ ﷺ وأثَرَه، فَلَيْس بِذَلِكَ بأسٌ أنْ يأتيَ الرَّجُلُ المَشاهِدَ، إلا أنَّ النَّاسَ قَدْ أفْرَطوا في هذا جِدًّا، وأكْثروا فيه (٢) . وَكَذلِكَ نَقَلَ عنه أحمدُ بنُ القاسمِ أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُلِ يأتي هذه المَشاهِدَ التي بالمدينةِ وغيرِها يذهبُ إليها؟ فقالَ: أمَّا عَلى حديثِ ابنِ أمِّ مَكْتومٍ أنه سألَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يأتيَه، فيصليَ في بيتِه، حَتَّى يَتَّخِذَه مَسجدا، وَعَلى ما كان يَفَعَلُ ابنُ عُمَرَ، كان يَتتبَّعُ مواضعَ سَيْرِ النبي ﷺ، حَتَّى أنه رُئيَ يَصُبُّ في موضِعٍ ماءً، فَسُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقَالَ: «رأيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَصُبُّ ههنا ماءً»، قال: أمَّا على هذا فلا بأسَ به. قال: وَرَخصَ فيه، ثُمَّ قال وَلَكِنْ قد أفْرطَ النَّاسُ جدًّا، وَأكْثروا في هذا المعنى. فَذَكَرَ قَبرَ الحُسينِ وما يَفعلُ النَّاسُ عندَه. رواهما الخَلاَّلُ في كتابِ الأدَبِ. فَقَدْ فَصَّلَ أبو عبدِ اللهِ في المَشاهِدِ وهي الأمكنةُ التي فيها آثارُ الأنبياءِ والصَّالحينَ من غيرِ أنْ تكونَ مساجدَ لهم كمواضعَ بالمدينة بَيْنَ القليلِ الذي لا يَتَّخِذونَه عيدا، أو الكثيرِ الذي يَتَّخذونَه عيدًا كما تَقَدَّمَ. وهذا التَّفصيلُ جَمَعَ فيه بَيْنَ الآثارِ وأقوالِ الصحابة: فإنِّه قد رَوَى البُخاريُّ في صحيحه عن موسى بنِ عقبةَ قَالَ: "رأيت سالمَ بنَ عبدِ اللهِ يَتَحَرَّى أماكِنَ مِن الطَّريقِ، وَيُصلِّي فيها، وَيُحَدِّثُ
_________________
(١) وكان أبوه عمر على عكس ذلك كما سيأتي، وانظر ص ١٠٥ من (التوسل والوسيلة) طبع السلفية.
(٢) فما بالك بما وصل إليه الأمر بعد زمن الإمام أحمد! .
[ ٢ / ٢٨٤ ]
أنَّ أباه كان يُصلِّي فيها، وَأنَّه رأى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي في تلكَ الأمْكِنَةِ"، فهذا كَما رَخَّصَ الإِمامُ أحمدُ. وأمَّا كراهَتُهُ، فَقَدْ رَوى سعيدُ بنُ منصورٍ في سُنَنِهِ قال: حَدَّثَنا أبو مُعاويةَ قال: حَدَّثَنا الأعْمشُ عن المَعْرورِ بنِ سُوَيْدٍ عن عُمَرَ قال: خَرَجْنا مَعَهُ في حجةٍ حجها، فَقَرَأ بِنا في الفجر بـ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] و﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] في الثاَّنية، فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ حَجَّتِهِ رَأى النَّاس ابْتَدَروا المَسْجدَ، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مَسْجِدٌ صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ فيه، فقال: "هكذا هَلَكَ أهلُ الكتابِ قَبلَكم، اتَّخَذوا آثارَ أنبيائِهم بِيَعًا، مَنْ عَرَضَتْ لَهُ مِنْكُمُ الصَّلاةُ فيه فَلْيُصَلِّ، ومن لم تعرض له الصلاة فَلْيَمْضِ". فقد كَرِهَ عُمرُ اتِّخاذَ مُصلَّى النَّبِيِّ ﷺ عِيدًا، وَبَيَّنَ أنَّ أهلَ الكتابِ إنِّما هَلَكوا بِمثلِ هذا، كانوا يَتَّبِعونَ آثارَ أنبيائِهم، وَيَتَّخِذونها كنائسَ وَبِيَعًا (١) . وَرَوَى محمَّدُ بنُ وضَّاح وغيرُه: "أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ أمَرَ بقطعِ الشَّجَرَةِ التي بُويعَ تحتَها النَّبِيُّ ﷺ لأنَّ النَّاسَ كانوا يذهبونَ تحتها، فخافَ عمرُ الفتنةَ عليهم. وَمَا ذَكَرَه عُمَرُ هو الحَرِيُّ بِالقبولِ، وهو مذهبُ جُمهورِ الصَّحابة، غيرَ - ابنه- وهو الَّذي يَجبُ العملُ به، ويُعَوَّلُ عَلَيْهِ.