ازدراء الفقراء (التسعون): ازْدِراءُ الفُقَراءَ. فَأنْزَلَ سُبْحانَه قَولَه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] أقولُ: هذه الآية في أوائلِ [سورة الأنْعامِ: ٥٢]، وَبَيانُ مَعناها يَتَعَلَّقُ بِمَا قَبْلَها، وهو قوله تَعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ - وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥١ - ٥٢] فَلَمَّا أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإنْذارِ المذكورِينَ لَعَلَّهم يِنْتَظِمونَ في سِلْكِ المُتقينَ، نُهيَ عَن كونِ ذَلِكَ بِحَيثُ يُؤَدِّي إلى طردِهِم. ويُفْهَم مِن بعضِ الرِّواياتِ أنَّ الآيتَينِ نَزَلَتا مَعًا، ولا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن البعضِ الآخَرِ. فقد أخرجَ الإِمامُ أحمدُ والطَّبَرانيُّ وغيرُهما عن ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: «مر المَلأ مِن قُريش على النَّبِيِّ ﷺ وعنده صُهَيْب وعَمَّارٌ وبِلالٌ وخَبَّابٌ ونحوُهُم مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمينَ، فقالوا: يا محمَّدُ، رَضيتَ هؤلاءِ مِن قومِك، أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا؟، أنَحن نكونُ تَبَعًا لِهَؤلاءِ؟ اطْرُدْهُم عَنكَ، فلعلَكَ إنْ طَرَدْتَهم أنْ نَتَّبِعَكَ. فأنْزَلَ الله تَعالى فيهِمُ القرآن: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ﴾ [الأنعام: ٥١] إلى قوله سبحانه: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]» . وَأخْرَجَ ابنُ جَريرٍ وأبو الشَّيخِ والبَيْهَقيُّ في "الدَّلائِلِ" وغيرُهُم عن خَبَّاب قال: «جاءَ الأقرَعُ بنُ حابِسٍ التَّميميُّ وعُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ، فَوَجَدا النَّبِيَّ، ﷺ قاعِدًا مَعَ بِلالٍ وصُهَيبٍ وَعَمَّارٍ وخَبَّابٍ في أناسٍ ضُعَفاءَ مِن المؤمنينَ، فَلَمَّا رَأوْهُم حَوْلَه حَقَروهُم، فَأتَوهُ، فَخَلَوا بِهِ، فقالوا: نُحِبُّ أنْ تَجعلَ لَنَا مِنكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لنا العربُ بِهِ فَضْلَنا، فإنَّ وُفودَ العَرَبِ تَأتيكَ، فَنَسْتَحْي أنْ تَرانا قُعودًا مَعَ هؤلاءِ الأعْبُدِ، فإذا نَحنُ جِئْناكَ، فَأقِمْهُمِ عَنَّا، فإذا نحنُ فَرَغْنا، فاقعُدْ معهم إنْ شِئتَ، قال: نَعَم.
_________________
(١) هو حسان بن ثابت الأنصاري شاعر النبي ﷺ.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
قالوا: فاكتُبْ لنا عليكَ بِذلِكَ كِتابا، فَدَعا بالصَّحيفةِ، وَدَعَا عَلِيّا لِيَكْتُبَ- ونحنُ قُعود في ناحِيةٍ - إذْ نزلَ جبْريلُ بهذِه الآية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] إلخ، ثُمَّ دَعانا، فَأتَيْناهُ وهو يقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] فَكُنَّا نَقْعُدُ مَعَهُ، فإذا أرادَ أنْ يقومَ قامَ وَتَرَكَنَا، فأنزلَ الله تَعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] فكان رسولُ الله ﷺ يقعدُ معنا، فإذا بلغَ السَّاعَةَ التي يقومُ فيها قمنا وَتَرَكْناه حَتّىَ يقومَ» . وَأَخْرَجَ ابنُ المُنذِرِ وغيرهُ عن عكرمة قالَ: "مَشَى عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنا رَبيعَةَ وَقُرَظَةُ بنُ عبدِ عَمرِو بنِ نَوْفَل، والحارثُ بنُ عامِرِ بن نَوفَلَ، وَمُطْعمُ بنُ عَدِيٍّ في أشرافِ الكُفَّارِ مِن عَبدِ مَنافٍ إلى أبي طالبٍ، فقالوا: لو أنَّ ابنَ أخيكَ طَرَدَ عَنَّا هؤلاءِ الأعْبُدَ والحُلَفاءَ، كان أعظمَ له في صُدورِنا، وأطوعَ له عِنْدَنا، وأدنى لاتِّباعِنا إيَّاه وتَصْديقه، فَذَكَرَ ذَلِكَ أبو طالبٍ للنَّبِيِّ ﷺ، فَقال عُمَرُ بنُ الخطَّابِ: لَوْ فعلتَ يا رسولَ الله حَتّى ننظُرَ ما يُريدونَ بقولهم، وما يَصيرونَ إليه مِن أمرِهم، فأنزلَ الله سُبْحانَه: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] إلى قوله سُبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] وكانوا بِلالا وعَمَّارَ بنَ ياسِرٍ وسالِمًا مولى حُذَيْفَةَ وَصبيحًا مولى أسيد، والحُلفاءُ: ابنُ مسعودٍ والمِقدادُ بنُ عمرو وواقدُ بنُ عبدِ اللهِ الحَنْظَليُّ وعمرُو بنُ عبدِ عمرٍو ومَرْثَدُ بنُ أبي مَرْثَدٍ وأشباهُهُم، وَنَزلَ في أئِمَّةِ الكُفرِ مِن قُريشٍ والمَوالي والحلفاء: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣] فَلَمَّا نَزَلَت أقبلَ عُمَرُ، فاعْتَذَرَ من مَقالتِه، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام: ٥٤] وقولُه ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] جملة مُعترَضَة بَين النَّهي وجوابِهِ، تقريرا له، ودَفعا لما عَسى أنْ يتوهَّمَ كونُهُ مُسَوغا لطردِ المُتَّقينَ من أقاويلِ الطَّاعنينَ في دينهم، كَدأْبِ قومِ نوحٍ حيثُ قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] والمعنى: ما عليك شيءٌ ما مِن حساب إيمانِهم وأعمالِهم الباطنةِ، كما يقولُه المشركونَ، حَتّىَ تَتَصَدَّى لَهُ، وَتَبْني على
[ ٢ / ٢٩٦ ]
ذلكَ ما تراه من الأحكامِ، وإنِّما وظيفتك- حَسْبَما هو شأنُ مَنْصِبِ الرِّسالة- النَّظَرُ إلى ظواهرِ الأمورِ، وإجراءُ الأحكامِ على موجَبِها، وتفويضُ البواطنِ وحسابِها إلى اللطيفِ الخبيرِ، وظواهرُ هَؤلاءِ دعاءُ ربِّهم بالغداةِ والعشيِّ. ورُويَ عن ابنِ زيدٍ أنَّ المعنى ما عليكَ مِن شيْءٍ مِن حسابِ رِزْقِهم، أيْ: مِن فقرِهِم، والمرادُ لا يَضُرُّكَ فقرُهُم شَيْئا لِيَصِحَّ لك الإِقدامُ على ما أرادهُ المشركون مِنكَ فيهم. وقولُهُ: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] عطفٌ على ما قَبْلَهُ، وَجِيءَ بِهِ- مَعَ أنَّ الجوابَ قد تَمَّ بِذَلِكَ- مبالغةً في بيانِ كونِ انتفاءِ حسابِهم عليهِ يَنْظِمُهُ في سِلْكِ ما لا شُبهةَ فيه أصْلا، وهو كون انتفاءِ حسابِهِ ﷺ عَلَيْهِم، فهو على طريقةِ قوله سُبحانَه [الأعراف: ٣٤، النحل: ٦١] ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١] وهذا في رأي. وقال الزَّمَخْشَريُّ: "إنَّ الجُملَتَينِ في مَعنى جملةٍ واحدةٍ يُؤَدِّي مُؤَدَّى [الأنعام: ١٦٤، الإِسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧] ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٧] كَأنّهُ قيلَ: لا تُؤاخَذُ أنتَ ولا هُم بِحساب صاحِبهِ، وحينئذٍ لا بدَّ مِنَ الجُملَتَينِ، وَتُعُقِّبَ بأنَّهُ غيرُ حَقيِق بجلالةِ التَنزيلِ. وقولُهُ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] جَواب للنَّهْيِ.