الإيمان بالجبت والطاغوت (الخمسون): الإِيمانُ بِالجِبْتِ والطَّاغوتِ، وتَفْضيلُ المُشرِكينَ على المسلمين. قال تعالى في سورةِ [النساء: ٥١]: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] هَذِهِ الآية نَزَلْت في حُيَيِّ بنِ أخْطَبَ وَكَعْبِ بنِ الأشرَفِ في جَمعٍ مِن يهودَ، وذلك أنَّهم خَرَجوا إلى مَكَّةَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ؛ لِيُحالِفوا قُريشا على رسول الله ﷺ، وَيَنْقُضوا العَهْدَ الذي بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ الله ﷺ، فَنَزَل كعبٌ على أبي سُفيانَ، فَأحْسَنَ مَثواه، وَنَزَلَتِ اليهودُ في دورِ قرَيْشٍ، فقالَ أهلُ مَكَّةَ: أنْتُمْ أهلُ كِتاب،
[ ٢٦٣ ]
ومحمَّد ﷺ صاحبُ كِتابٍ، فلا يُؤمَنُ هذا أنْ يكونَ مَكْرًا مِنْكُمْ، فإنْ أرَدْتَ أن نَخْرج معَكَ، فَاسْجُدْ لِهذينِ الصَّنَمَينِ وآمِنْ بِهِما، فَفَعَلَ، ثُمَّ قَال كعبٌ: يا أهلَ مَكَّةَ! لِيَجِيء مِنكم ثلاثونَ ومِنَّا ثلاثونَ، فنلْزِقْ أكْبادَنا بالكعبةِ، فنعاهِدْ ربَّ البيتِ لَنَجْهَدَنَّ على قِتالِ مُحَمَّدٍ، ففَعَلوا ذلك، فَلَمَّا فَرَغُوا قال أبو سُفيانَ لِكَعبٍ: إنَّك امرؤ تَقْرأُ الكتابَ وتَعْلَمُ، ونحنُ أُمِّيُّون لا نَعلمُ، فَأيُّنا أهْدى طَريقا وأقرَبُ إلى الحَقِّ: أنَحْنُ أمْ مُحمَّد؟ قال كعبٌ: اعرِضوا عليَّ دِينَكم، فَقالَ أبو سُفيانَ: نَخنُ ننحَرُ لِلْحَجيجِ الكَوْماءَ، ونَسْقِيهِمُ اللَّبَنَ، ونقري الضَّيفَ، ونَفُكُّ العانِيَ، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونَعْمُرُ بيتَ رَبِّنا، وَنَطوفُ بِهِ، وَنَحْن أهلُ الحَرَمِ، ومحمدٌ فارَقَ دِينَ آبائهِ، وَقَطَعَ الرَّحِمَ، ودينُنا القديمُ، ودينُ محمَّدٍ الحديثُ، فقال كَعب: أنْتُم واللهِ أهدى سَبيلا مِمَّا عَليْهِ مُحَمَّد، فَأنْزَلَ الله في ذلكَ الآيات. والجِبْتُ في الأصلِ: اسمُ صَنَمٍ، فاستُعْمِلَ في كُلِّ مَعبود غَير الله. والطَّاغوتُ: يُطْلَقُ على كُلِّ باطِلٍ مِنْ معبودٍ أو غَيْرِهِ. ومَعْنى الإِيمانِ بِهما: إمَّا التَّصْديقُ بأنهما آلهةٌ، وإشراكُهُما بِالعِبادةِ مَعَ الله تعالى، وإمَّا طاعَتُهُما وموافقَتُهُما على ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، وإمَّا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بينَ المَعْنَيَيْنِ كالتَّعْظِيْمِ- مَثَلا. والمُتَبادرُ المَعْنَى الأوَّلُ، أيْ أنهم يُصَدِّقونَ بأُلوهِيَّةِ هذيْنِ الباطِلَيْنِ، وَيُشْركونَهما في العِبادةِ مَعَ الإِلهِ الحَقِّ، وَيَسْجُدونَ لَهُما.