الافْتِخار بِكَوْنِهِم مِنْ ذُرِّيَّةِ الأنبياءِ (السابعة والثمانون): الافْتِخار بِكَوْنِهِم مِنْ ذُرِّيَّةِ الأنبياءِ ﵈. فَرَدَّ الله عليهم بقولِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] هذه الآية في آخِرِ الجُزءِ الأوَّلِ من [سورة البقرة: ١٣٤- ١٤١] وتفسيرُها: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] الإِشارةُ إلى إبراهيم ﷺ وأولاده في قولِهِ [١٣٠]: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] إلخ. و"الأمَّة" أتَتْ لِمَعانٍ، والمرادُ بها- هنا- الجَماعةُ، مِن "أمَّ "، بمعنى قَصَدَ، وَسُمِّيَتْ كُلُّ جماعة يَجْمَعُهُم أمرٌ ما: إمَّا دِينٌ واحدٌ، أو زمانٌ واحدٌ، أو مكان، بذلك؛ لأنَّهم يَؤُمُّ بعضُهم بعضا، وَيَقْصدُهُ. والخُلُوُّ: المُضِيُّ؛ وأصلُه الانفرادُ. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤] والمَعْنى: إنَّ انتِسابَكم إليهم لا يوجِبُ انتفاعَكم بأعمالِهم، وإنَّما
_________________
(١) أي سدنة المشاهد والقبور.
[ ٢ / ٢٩١ ]
تنتَفِعونَ بموافقتِهم واتِّباعِهم، كما قال ﷺ: «يا مَعْشَرَ قُريشٍ، إنَّ أوْلى النّاسِ بالنّبيِّ المُتّقَونَ، فَكونوا بِسَبيلٍ مِن ذَلِكَ فانظُروا أنْ لا يَلقاني النّاسُ يَحْمِلون الأعمالَ، وتَلْقَوني بالدُنيا، فَأصُدَّ عنكم بوجْهي» . وهذا الحديثُ بمعنى قوله تَعالى [الحجرات: ١٣]: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] ومَعْنى قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] لا تُؤاخَذونَ بِسَيئاتِهم، كما لا تُثابونَ بحسناتِهم. وهذه الخَصلةُ موجودة اليومَ في كثيرٍ مِن المسلمينَ، ورأسُ مالِهِم الافتخارُ بالآباءِ، فَمِنهم مَن يقولُ: أنا مِن ذُرِّيّة عبدِ القادرِ الجيلانيِّ، ومِنهم مَن يقولُ: أنا مِن ذُرية أحمدَ الرِّفاعيِّ، ومِنهم مَن يقولُ: أنا بكريٌّ، ومنهم من يقول: أنا عُمَريّ، ومنهم من يقول: أنا عَلَويّ أو حَسَنِيٌّ أو حُسَينيّ، ولا فضيلةَ لهم ولا تَقْوى، وكلُّ ذلك لا ينفعُهم ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] ورسول الله ﷺ يقول لفاطمة: «يا فاطمةُ بنتَ محمَّدٍ، لا أغني عنكِ مِن الله شَيْئًا» وما قَصَدَ أولَئك المُفْتَخِرينَ بآبائِهِم- وهم عارونَ عن كُلِّ فضيلةٍ - إلا أكل أموالِ النَّاسِ بالباطلِ، وفي المثل: "كُنْ عِصاميًّا، وَلا تكنْ عِظاميًّا".
إنَّ الفَتَى مَن يقولُ ها أنا ذا لَيْسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كانَ أبي
ولِلَّهِ دَرُّ مَن قال يَرُدُّ على المفتخِرِ بِذَلِكَ:
أقولُ لِمَن غَدا في كُلِّ يومٍ يُباهينا بأسلافٍ عِظامِ
أتَقْنَعُ بالعِظامِ وأنتَ تَدْري بأنَّ الكَلبَ يَقْنَعُ بالعِظام
وقال آخَرُ:
وما الفَخْرُ بالعَظْمِ الرَّميمِ وإنَّما فخارُ الذي يَبْغي الفَخار بِنَفْسِهِ