المجاهرة بكشف العورات (السابعة والعشرون): المجاهرة بِكَشْفِ العَوْراتِ، قال تعالى في سورة [الأعراف: ٢٨-٢٩] ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ - قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٢٩] قال بعض المفسرين: الفاحشة هنا: الفعلة القبيحة المتناهية في القبح، والتاء إما لأنها مجراة على الموصوف المؤنث، أي: فعلة فاحشة. وإما للنقل من الوصفية إلى الاسمية، والمراد بها هنا: عبادة الأصنام وكشف العورة في الطواف، ونحو ذلك. وعَنِ الفَرَّاءِ تْخصِيصُها بِكشفِ العَورةِ. وفي الآية حَذْفٌ، أيْ: وَإِذَا فَعَلوُا فاحِشَة فنهوا عنها قَالوُا: وَجَدنَا عليها آباءنا وَاللَّهُ أمرنَا بِهَا، مُحْتَجِّينَ بِأمْرَيْنِ: بِتَقْليدِ الآباءِ، والافتراءِ على الله. وكان مِن سُنَّةِ الحُمْسِ أنَّهم لا يَخْرُجونَ أيَّامَ المَوسِم إلى عَرَفاتٍ. إنَّما يَقِفونَ بِالمُزْدَلِفَةِ،
[ ٢٣٠ ]
وكانوا لا يَسلأون، وَلا يَأقطونَ، ولا يَرْتَبطونَ عَنْزًا ولا بَقَرَةً، ولا يَغْزُلونَ صوفًا ولا وَبَرًا، ولا يَدْخُلونَ بَيْتًا مِنَ الشَّعْرِ والمَدرِ، وإنَّما يَكْتنُّونَ بالقبابِ الحُمْرِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، ثُمَّ فَرَضوا على العَرَبِ قاطِبةً أنْ يَطَّرِحوا أزْوادَ الحِلِّ إذا دَخَلوا الحَرَمَ، وأنْ يَتركوا ثِيابَ الحِلِّ، ويَسْتبدِلوها بثيابِ الحَرَم، إمَّا شراء وإمَّا عارِيّة وإمَّا هِبَة، فإِنْ وَجَدوا ذلك فيها، وإلا طافوا بالبيَتِ عَرايا. وَفَرَضوا على نِساءِ العربِ مثلَ ذلكَ. غيرَ أنَّ المرأةَ كانت تَطوفُ في درج مُفَرَّجِ القَوادمِ والمَآخيرِ. قالتِ امرأةٌ (١) وهي تطوفُ بالبيتِ:
اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ ومَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ
أخْتَمَ مِثْلَ القِعْبِ بَادٍ ظِلُّهُ كأنَّ حُمَّى خَيْبَرٍ تَمُلُّهُ
وكَلَّفوا العربَ أن يُفِيضوا مِن مُزْدَلِفَةَ، وقد كانوا يُفيضون مِن عَرَفَةَ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الأمورِ الَّتي ابْتَدَعوها وتَشَرَّعوها، مِمَّا لم يأذنْ بِهِ الله. ومَعَ ذلِكَ كانوا يَدَّعونَ أنَّهم على شَريعةِ أبيهم إبراهيم ﵇ وما ذلكَ إلا لِجاهِلِيتهِم.
وغالبُ مَن يَنْتَمي إلى الإِسلامِ اليومَ ابْتَدَعوا في الدِّينِ ما لم يأذَنْ بِهِ الله: فَمنهم من اتخذ ضرب المعازف وآلات اللهو عبادة يتعبدون بها في بيوت الله ومساجده، ومِنهم مَن اتَّخَذَ الطَّوافَ على القُبورِ والقصد إليها والنُّذورَ أخْلَصَ عِبادَتِهِ وَأَفْضَلَ قُرُباتِهِ، ومِنهم مَنِ ابْتَدَعَ الرَّهْبانِيّةَ والحِيَلَ الشَّيْطانِيّةَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ سَلَكَ سبيلَ الزُّهَّادِ وطريقَ العُبَّادِ، ومَقْصِدُه الأعلى شَهَواتِهِ الحَيْوانِيَّةِ، والفَوزُ بهذهِ الدُّنيا الدَّنِية، إِلَى غيرِ ذلك مِمَّا يَطولُ، ولا يعلمُ ماذا يقولُ:
إلى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضي وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمعُ الخُصُوْمُ.