تعبدهم بترك الطيبات من الرزق (الخامسة والستون): تعَبُّدُهُمْ بِتَركِ أكْلِ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ، وَتَرْكِ زِيْنَةِ الله التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ. قال تعالى في سورةِ [الأعْرافِ: ٣١-٣٢]: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ - قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١ - ٣٢] وسببُ النُّزول- على ما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاس - أنه كانَ أُناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَطوفونَ بِالبيتِ عُراةً، حَتىَّ إنْ كانتِ المرأةُ لَتَطوفُ بالبيتِ وهي عُريانةٌ، فَتُعَلِّقُ على سفْلِها سُيُورا مِثل هذه السُّيورِ التي تكونُ على وَجْهِ الحُمْرِ من الذُّبابِ، وهي تقول:
اليومَ يَبدو بعضُه أوْكُله وما بَدا مِنه فَلا أُحِله
فأنزل الله تَعالى هذه الآية: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٣١] إلخ. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١] مِمَّا طابَ لَكُمْ، قال الكَلْبِيُّ: "كانَ أهلُ الجاهِلِيَّة لا يأكلونَ مِنَ الطَّعامِ إلا قُوتا، وَلا يَأكُلونَ دَسَمًا في أيَّامِ حَجِّهِمْ، يُعَظِّمونَ بِذَلِكَ حَجَّهُمْ، فقال المُسْلِمونَ: يا رَسُول الله! نَحْنُ أَحقُّ بِذَلِكَ، فأنزلَ الله تَعالى الآية". ومِنْهُ يَظْهَرُ وَجْهُ ذِكْرِ الأكْلِ والشُّرْبِ هُنا ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] بِتَحْريمِ الحَلال، كَما هو المُناسِبُ لِسَبَب النُّزولِ أَوْ بالتَّعَدِّي إلى الحَرامِ. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] مِنَ الثيِّابِ وكُلِّ ما يُتَجَمَّلُ بِهِ
[ ٢ / ٢٧٥ ]
﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أيْ: مِنَ المُسْتَلَذَّاتِ، وقيلَ: المُحَلَّلاتُ مِنَ المآكِل والمشارِبِ، كَلَحْمِ الشَّاةِ وَشحْمها وَلَبنها. ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ٣٢] أيْ: هِيَ لَهُمْ بِالأصالَة لِمَزيدِ كَرامَتِهِم على الله تَعالى، وَالكَفَرَةُ- إنْ شارَكوهُمْ فيها- فَبِالتبعِ، ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] لا يُشارِكُهُمْ فِيْها غَيْرهُمْ.