زعمهم أنهم أولياء الله (الثانية والسبعون): زَعْمُهُمْ أنَّهم أولياءُ للهِ مِن دونِ الناسِ. دليلُ هذه المسألةِ قولُه تَعالى في سورةِ [الجُمُعَة: ٦- ٨]: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الجمعة: ٦] أيْ: تَهَوَّدوا، أيْ: صاروا يَهودا. ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ﴾ [الجمعة: ٦] أيْ: أحِبَّاءُ لَه سُبْحانه، وَلَمْ يُضِفْ أولياء إلَيهِ تَعالى كما في قوله سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢] ليؤذِنَ بالفَرْقِ بَيْنَ مُدَّعي الوِلايةِ وَمَن يَخُصُّهُ بِها. ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [الجمعة: ٦] أيْ: مُتَجاوِزينَ عنِ
[ ٢ / ٢٧٨ ]
النَّاسِ ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦] أيْ: فَتَمَنَّوا مِنَ الله أنْ يُميتكُم، وَيَنْقُلَكم مِن دار البَلِيَّة إلى مَحَلِّ الكَرامة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦] في زَعْمكُم، واثقينَ بأنَّه حَقٌّ، فَتَمَنَّوا الموت فإنَّه مَن أيقَنَ أنه مِن أهلِ الجَنَّةِ أحَبَّ أنْ يَتَخَلَّصَ إليها مِن هذه الدارِ التي هي قَرارَةُ الإنكار والأكدار. وأُمِر ﷺ أنْ يقول لَهُم ذَلِكَ إظهارًا لِكَذِبهِم، فإنَّهم كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وَيَدَّعونَ أنَّ الآخرةَ لَهُم عند الله خالصةً، ويقولونَ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] كما أخبرَ تعَالى عن الكتابيِّين في كتابه، فقال جل شأنه [البقرة: ١١١-١١٢]: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢] وَرويَ أنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ رَسولُ الله ﷺ؛ كَتَبتْ يَهودُ المدينةِ ليهودِ خَيْبَرَ: إن اتَّبَعْتم محمَّدًا أطَعْناهُ، وإنْ خالفْتُموه خالَفْناه، فقالوا: نحنُ أبناءُ خليلِ الرحمنِ، ومنا عزيرٌ ابنُ الله والأنبياءُ، ومتى كانتِ النُّبُوَّةُ في العَرَب؟ نحنُ أحَقُّ بها مِن محمد، وَلا سَبيلَ إلى اتباعِهِ، فَنَزَلَتْ [الجمعة: ٦- ٧]: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الجمعة: ٦] الآية ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ [الجمعة: ٧] إخبارٌ بحالِهم المستقبَلِ، وهو عدمُ تمنيِّهم الموتَ، وذلكَ خاصّ بأولئكَ المخاطَبينَ. وَرويَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لَهم: «والَّذِي نفسي بيدِهِ لا يقولُها أحَد مِنكُم إلا غصَّ بريقِهِ»، فَلَمْ يَتَمَنَّهُ أَحدٌ مِنهم، وما ذَلِكَ إلا لأنَّهم كانوا مُوقِنينَ بصدقِه ﷺ، فَعَلِموا أنَّهم لو تَمَنَّوا لمَاتوا مِن ساعتِهم، وَلَحِقَهم الوعيدُ، وهذه إحدى المُعجِزاتِ. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: ٧] أيْ: بسببِه، كَأنَّهُ قيلَ: انْتَفَى تَمَنِّيهم بِسببِ ما قَدَّمتْ، والمُرادُ بِما قَدَّمَتْهُ أيْديهمِ: الكُفْرُ والمعاصي الموجِبةُ لدخولِ النَّارِ، وَلَمَّا كانت اليدُ مِن بينِ جوارحِ الإِنسانِ مَناطَ عامَّةِ أفعالِه، عَبَّرَ بها تارةً عن النَّفسِ وأخرى عنِ القُدرةِ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٧] أيْ: بِهِمْ، وإيثارُ الإِظهارِ على الإِضمارِ لِذَمِّهِمْ، والتسجيلِ عَلَيْهم بِأنَّهم ظالِمونَ في كُلِّ ما يأتونَ وَيَذَرونَ مِنَ الأمورِ الَّتي مِن جُمْلَتها ادِّعاءُ ما هم عنه بِمَعْزِلٍ، أيْ: واللهُ عليمٌ بما
[ ٢ / ٢٧٩ ]
صَدَرَ منهم من فُنونِ الظلمِ والمعاصي، وَبِما سَيَكونُ مِنهم، فيجازيهم على ذَلِكَ. ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ [الجمعة: ٨] وَلا تَجْسُرونَ عَلى أنْ تَمَنَّوْهُ مَخافَةَ أن تُؤخَذوا بِوَبال أفْعالِكُمْ. ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] ألْبتةَ، مِن غيرِ صارِفٍ يَلويهِ، وَلا عاطِفٍ يَثْنيهِ. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الجمعة: ٨] الذي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافيةٌ. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨] مِنَ الكُفْرِ وَالمعاصي بِأنْ يُجازِيكم بِها. وهذا دَيْدَنُ الزَّائغينَ، وشَأْنُ الملحِدينَ، كما قَالَ تَعالى عَن اليَهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨] وَقَدْ وَرِثَ هَذِهِ الخصلةَ كَثيرٌ مِمَّن يَنْتَمي إلى المِلَّةِ الإِسلاميَّةِ، بَلْ كُلّ مِنَ الفرَقِ يقول: نحنُ أَوْلِياءُ الله، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في حديثِ الفِرَقِ في بيانِ الفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ: «وهُمْ ما أنا عليه وأصْحابي» .