قتل أولياء الله (التاسعة والأربعون): قَتْل أولياءِ الله، وقَتْلُ الذينَ يَأمُرونَ بِالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، قالَ تعالى في سورةِ [البقَرَةِ: ٦١] ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] وقالَ في سورةِ [آل عِمرانَ: ١٨٣] ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] إلى آَياتٍ أخَرَ في هذا المَعْنى صَرَّحَتْ بِما لاقاهُ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ ﵈ وأتْباعُهُم المُخْلِصونَ ودُعاةُ الحَقِّ (١) وبِما كابَدوهُ مِن أعداءِ الله والجَهَلَةِ الطُغاةِ مِمَّا تنهَدُّ لَهُ الصَّياصِي
_________________
(١) من ذلك أن الشيخ المصنف لاقى من أبناء زمانه كبيرهم وصغيرهم لما دعاهم إلى الله تعالى والتوحيد الذي جاءت به الرسل ما تنهد له الصياصي وتشيب له النواصي كما لا يخفى على من طالع سيرته الطاهرة، تغمده الله برحمته ورضوانه.
[ ٢٥٦ ]
وتَبْيَضُّ مِنْهُ النَّواصِي. هؤلاءِ أكابِرُ الأمَّةِ المُحَمَّدِيةِ وَعُلَماؤُها الأعلامُ، قد صادَفوا عِندَ دَعوتِهم إلى الحَقِّ والمحافظَةِ عَلَيه ما يَسْوَدُّ منه وجه القِرْطاسِ، وتَشيبُ مِنه لِمَمُ المِدادِ. والأنبياءُ- صلواتُ الله عليهِم- وأتباعُهُم المُؤمنونَ- وإنْ كانوا يُبْتَلونَ في أوَّلِ الأمْر- فالعاقبَةُ لَهم، كما قالَ تَعالى لَمَّا قَصَّ قصةَ نَوح [هود: ٤٩]: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] وفي الحَديثِ المتَّفَقِ على صِحَّتِهِ «لما أرسلَ النَّبِيُّ ﷺ رسولا إلى مَلِكِ الرُّومِ، فَطَلَبَ مَنْ يُخْبِرُهُ بسيرتِه، وكانَ المُشرِكونَ أعداءَهُ، لم يَكونوا آمَنوا بِهِ فقالَ: "كيفَ الحربُ بَيْنَكُم وَبَيْنَهم قالوا: الحَرْبُ بَيْنَنا وَبَيْنَهُ سِجالٌ، يُدالُ علينا المَرَّةَ، ونُدال عَليه الأخْرَى. فقال: كذلك الرُّسُلُ تُبْتَلى، وتكونُ لها العاقِبَةُ» . فإنَّه كان يومُ بدرٍ نَصر الله المُؤمِنينَ، ثُمَّ يَوْم أُحُدٍ ابتُلِي المُؤمِنونَ، ثم لم يُنْصَرِ الكُفَّارُ بَعْدَها، حَتّى أظْهَرَ الله تَعالى الإِسْلامَ. فإنْ قِيلَ: ففي الأنبياءِ مَن قد قُتِلَ، كما أخْبَرَ الله تعالى في الآيات السَّابقَةِ أنَّ بَني إسرائيلَ يَقْتُلونَ النَّبِيِّينَ بِغيرِ الحَقِّ، وفي أهل الفُجورِ مَن يُؤتيهِ الله مُلكًا وسُلْطانا وَيُسَلِّطُهُ على المُتَدَيِّنينَ كما سَلَّط بُخْتَ نَصَّرَ عَلى بَني إسرائيلَ، وكما سَلَّطَ كفَّار المُشرِكينَ وأهلِ الكتابِ- أحيانَا- على المُسْلِمينَ قيلَ: أمَّا مَنْ قُتِلَ مِن الأنبياءِ فهم كمَنْ يُقْتَلُ مِنَ المُؤمِنينَ في الجِهادِ شَهيدا. قالَ تَعالى [آل عمران: ١٤٦-١٤٨]: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ - وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ - فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨] ومعلومٌ أنَّ مَنْ قُتِلَ مِنَ المُؤمِنينَ شَهيدا في القتالِ، كان حالُه أكملَ من حالِ مَن يَموتُ حَتْفَ أنفهِ قالَ تَعالى [آل عمران: ١٦٩]: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ولهذا قال تعالى [التوبة: ٥٢]: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] أيْ: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة.
ثُمَّ إنَّ الدِّينَ الذي قاتَلَ عليه الشُّهَداء
[ ٢٥٧ ]
يَنْتَصِرُ وَيَظْهَرُ، فَيَكون لِطائفتِه السَّعادةُ في الدُّنْيا والآخرةِ، مَن قُتِلَ مِنهم كان شهيدا، ومَن عاشَ مِنهم كانَ منصورًا سَعيدا، وهذا غايةُ ما يكونُ مِن النصرِ، إذْ كان الموتُ لا بُدَّ منهُ، فالموتُ على الوجهِ الذي تَحصُلُ به سعادةُ الدُّنيا والآخرةِ أكملُ، بِخلافِ من يهلكُ هو وطائفتُه، فلا يفوزُ لا هو ولا هم بمطلوبِهِم، لا في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ. والشُّهَداءُ مِنَ المؤمِنين قاتَلوا باختيارِهِم، وَفَعَلوا الأسبابَ التي بِها قُتِلوا، كالأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنْكَرِ، فَهُمُ اخْتاروا هَذا المَوْتَ، إمَّا أنَّهم قَصَدوا الشَّهادَةَ، وإمَّا أنَّهم قَصَدوا به ما يَصيرونَ شُهَداءَ، عالِمينَ بأنَّ لهُم السَّعادةَ في الآخِرَةِ وفي الدُّنيا بِانتصارِ طائِفَتِهِم وبِبَقاءِ لِسانِ الصِّدقِ لهم ثَناءً ودُعاءً، بِخِلافِ مَن هَلَكَ مِن الكُفَّارِ، فإنِّهم هَلَكوا بِغيرِ اختِيارِهِم، هَلاكا لا يرجونَ مَعه سعادةَ الآخِرِة، ولم يَحصلْ لَهُمْ ولا لِطائِفَتِهم شَيْءٌ مِن سعادةِ الدُّنيا، بَلْ أُتبعوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، وَقيلَ فيهمْ [الدخان: ٢٥-٢٩]: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ - وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ - كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ - فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٩] وقد أخْبَرَ سُبحانَه أنَّ كثيرا مِن الأنبياء قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كثيرٌ، أيْ: أُلوفٌ كثيرةٌ، وأنَّهم ما ضَعُفوا ولا اسْتكانوا لِذَلِكَ، بلِ اسْتَغْفَروا مِنْ ذُنوبِهم التي كانتْ سببا لظُهورِ العدوِّ، وأنَّ الله تَعالى آتاهُمْ ثَوابَ الدُّنيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فإذا كان هذا قَتْلَ المُؤمِنينَ، فَما الظَّنُّ بِقتلِ الأنْبِياءِ؟ ففيه لهم ولأتباعِهم مِن سَعادةِ الدُّنيا والآخِرَةِ ما هو مِن أعظمِ الفَلاحِ. وظُهورُ الكُفَّارِ على المُؤمِنينَ- أحْيانا- هو بِسببِ ذُنوبِ المسلِمينَ، كيَومَ أُحُدٍ، فإنْ تابوا انْتَصَروا على الكُفَّارِ، وكانتِ العاقِبةُ لهم، كما قد جَرَى مِثْلُ هَذَا لِلمُسْلِمينَ في عامَّةِ ملاحِمهم معَ الكفَّارِ. وَهَذَا من آيات النُّبُوَّةِ وأعْلامِها ودَلائِلِها، فإنَّ النَّبِيِّ، ﷺ إذا قاموا بعُهودِهِ ووَصاياهُ، نَصَرَهُمُ الله، وأظْهَرَهُمْ على المُخالِفينَ لَه، فإذا ضَيَّعوا عُهودهُ ظَهَرَ أُولئِكَ عَليهم.
فمَدارُ النَّصرِ والظهورِ مَعَ مُتابَعَةِ النَّبِي ﷺ وُجودا وعَدَما مِن غير سَبَبٍ
[ ٢٥٨ ]
يُزاحم ذلك، ودوران الحُكْمِ مع الوصفِ وجودا وعدما مِن غير مزاحَمَة وصفٍ آخَرَ يوجِب العِلْمَ بأنَّ المَدارَ عِلَّة للدائِرِ، وقولُنا: "مِن غير وصفٍ آخَرَ": يُزيلُ النُّقوضَ الواردَةَ. فهذا الاستقراءُ والتَّتبّعُ يُبينُ أنَّ نَصْرَ الله وإظهارَه هو بسببِ اتِّباعِ النَّبِيِّ، وأنَّه سُبحانَه يُريدُ إعْلاءَ كَلِمَتِهِ وَنَصْرَه وَنصْرَ أتْباعِهِ عَلى مَن خالَفَه، وأنْ يَجعلَ لهم السَّعادةَ ولِمَن خالَفَهم الشَّقاءَ، وهذا يوجبُ العِلْمَ بنُبوّتهِ، وأنَّ مَن اتَّبَعَهُ كانَ سَعيدا، ومَن خالَفه كانَ شَقيّا. ومن هذا ظُهورُ بُخْتَ نَصَّرَ على بَني إسرائيلَ، فإنَّه مِن دلائلِ نبوَّةِ موسى؛ إذ كان ظهور بخت نصر إنما كان لما غيروا عهود موسى، وتركوا اتباعه، فعوقبوا بِذَلِكَ، وكانوا- إذْ كانوا مُتَّبِعينَ لِعُهودِ موسى - مَنْصورينَ مُؤَيَّدينَ، كما كانوا في زَمَنِ داودَ وسُلَيْمانَ وغيرِهما. قَالَ تَعالى [الإِسراء: ٤-٨]: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا - ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا - إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا - عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٤ - ٨] فَكانَ ظُهورُ بَني إسرائيلَ على عَدُوِّهِم تارةً، وظُهورُ عَدُوِّهِم عَلَيهم تارةً من دَلائِلِ نبوَّةِ موسى ﷺ وآياتِه، وكذلِكَ ظُهورُ أُمَّة محمَّد ﷺ على عَدُوِّهم تارةً، وظُهورُ عَدُوِّهِم عليهم تارةً، هو من دلائِلِ رِسالة محمَّد ﷺ وأَعلامِ نبوته. وكانَ نَصْرُ الله لِموسى وقومِه على عَدُوِّهِم في حَياتِهِ وبَعْدَ مَوْتِهِ، كما جَرَى لَهُمْ مِنْ يوشعَ وغيرِه من دَلائِلِ نبوَّةِ موسى، وكذلك انتِصار المؤمِنين مَعَ مُحَمَّد ﷺ في حياتِه وبَعْدَ مماتِهِ مع خُلفائِهِ مِن أعلامِ نبوته ودَلائِلها. وهذا بخِلافِ الكُفَّارِ الذين يَنْتَصِرونَ عَلى أهل الكِتابِ أحيانا، فإنَّ أولئكَ لا يكونُ مُطاعُهم إلى نبي، ولا يُقاتلونَ أتْباعَ الأنبياءِ على ديِنِ، ولا يَطلُبونَ مِن أولئكَ أنْ يَتَّبِعوهُم على دينهم، بَلْ قَدْ يُصَرِّحونَ بأنَّا نُصِرْنا عَلَيكم بِذُنوبِكم، وأنْ لَو اتَّبَعْتُم دِيْنَكم لم ننصَرْ عَليكم.
[ ٢٥٩ ]
وأيْضا فلا عاقِبَةَ لهم، بَلِ الله يُهلِكُ الظَّالِمَ بالظَّالِمِ، ثُمَّ يهلِكُ الظَّالِمينَ جميعًا، ولا قَتيلُهم يَطلبُ بِقَتْلِهِ سَعادةً بعدَ الموتِ، ولا يَخْتارونَ القَتْلَ لِيَسْعَدوا بعد المَوتِ. فهذا وأمثالُه مِمَّا يُظْهرُ الفَرْقَ بَينَ انتِصارِ الأنبياءِ وأتْباعِهم، وبَيْنَ ظُهورِ بعض الكفَّارِ على المُؤمِنينَ، أو ظُهورِ بعضِهِم على بعض، ويُبَيِّنُ أنَّ ظُهورَ محمد ﷺ وأُمَّتِهِ على أهلِ الكِتابِ: اليهودِ والنَّصارى، هو من جنسِ ظُهورِهم على المُشرِكينَ: عَبَدَةِ الأوثانِ، وذلك مِن أعلامِ نبوِّتهِ ودلائلِ رِسالَتِه، لَيس هو كَظُهورِ بُخْتَ نَصَّرَ على بني إسرائيلَ وظُهورِ الكُفَّارِ على المُسْلِمينَ. وهذه الآية مِمَّا أخْبَرَ بِهِ موسى، وبَيَّنَ أنَّ الكذَّابَ المُدَّعي لِلنُّبُوَّةِ لا يَتِمُّ أمرُهُ، وإنما يَتِمُّ أمرُ الصَّادِقِ. فإنَّ مِن أهلِ الكِتابِ مَن يَقولُ: مُحَمَّد وأُمَّتُه سُلِّطوا عَلَيْنَا بذُنوبِنا مَعَ صِحَّةِ دِيننا الذي نَحْنُ عَلَيْهِ، كَما سُلِّطَ بُخْتَ نَصَّرَ وغيرُه مِن المُلوكِ. وهذا قِياس فاسِدٌ، فإنَّ بُخْتَ نَصَّرَ لَم يَدَّع نبوَّة، ولا قاتَلَ على دينٍ، ولا طَلَب مِن بني إسرائيلَ أنْ يَنْتَقِلوا عَن شَريعة موسى إلى شَريعتِهِ، فلم يَكن في ظُهورِهِ إتمام لِما ادَّعاهُ مِن النُّبُوَّةِ وَدَعَا إلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، بَل كانَ بِمَنْزِلَة المُحارِبينَ قُطَّاعِ الطَّريقِ إذا ظَهَروا على القَوافِلِ، بِخِلافِ مَنِ ادَّعى نبوَّةً ودِينا، ودَعا إليه، وَوَعَدَ أهلَه بِسعادَةِ الدُّنيا والآخِرةِ، وتَوَعَّدَ مُخالِفيهِ بِشَقاوةِ الدُّنيا والآخِرَةِ، ثُمَّ نَصَرَه اللهُ، وأظْهَرَهُ، وَأتَمَّ دِينَه، وأعْلى كَلِمَتَه، وَجَعَلَ لَهُ العاقِبةَ، وَأذَلَّ مُخالِفيهِ. فإنَ هذا مِن جِنسِ خَرقِ العاداتِ المقْتَرِنِ بِدَعوى النُّبُوَةِ، فإنَّه دليلٌ عَلَيها. وقَدْ تَغْرقُ في البَحْرِ أُمَمٌ كثيرة، فلا يَكونُ ذَلِكَ دَليلا على نُبُوَّةِ نَبِيٍّ، بِخِلافِ غَرَقِ فِرْعَوْنَ وَقَومِهِ، فإنِّه كانَ آيةً بَيِّنةً لموسى. وهذا مُوافِقٌ لِما أخْبَرَ بهِ موسى - ﵊- مِن أنَّ الكذَّابَ لا يَتِمُّ أمْرُهُ، وذَلِكَ بأنَّ الله حَكيم لَا يَليقُ بِهِ تَأْييدُ الكَذَّابِ على كَذِبِهِ مِن غيْرِ أنْ يُبَيِّنَ كَذِبَهُ.
ولِهذا أعْظَمُ الفتَنِ: فِتنةُ الدَّجَّالِ الكَذَّابِ، لَمَّا اقْتَرَنَ بِدَعْواهُ الألوهِيَّةَ بعضُ الخَوارِقِ، كان مَعَه ما يَدُلُّ على كَذِبِهِ مِن وجوهٍ: مِنها: دَعْواهُ الألوهِيّةَ، وهو أعْوَرُ، واللهُ ليس
[ ٢٦٠ ]
بأعْوَرَ، مَكتوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافرٌ، يَقْرَؤه كلُّ مُؤمِنٍ قارئ وغير قارئ، واللهُ تَعالى لا يَراهُ أَحَدٌ حَتّىَ يموتَ، وقد ذكر النبي ﷺ هذه العلامات الثلاث في الأحاديث الصحيحة. فَأمَّا تَأيِيْدُ الكَذَّاب، ونَصْرُهُ، وإظهارُ دعوتِه دائمًا، فهذا لم يَقَعْ قَطُّ، فَمَن يَستدلُّ على ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ سُبحانَه بالعادةِ والسُّنَّةِ، فهذا هو الواقع على ذلك- أيْضا- بِالحِكمةِ، فحِكمتُه تُناقِضُ أنْ يفعلَ ذلكَ، إذ الحَكيمُ لا يَفعلُ هذا. وقد قَال تَعالى [الفتح: ٢٢-٢٣]: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٢ - ٢٣] فَأخْبَرَ أنَّ سُنَّةَ الله التي لا تَبديلَ لَها: نصرُ المُؤمِنينَ على الكافِرينَ. والإِيمانُ المُسْتَلْزِمُ لِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ طاعةَ الله ورسولِهِ، فإذا نَقَصَ الإِيمانُ بِالمَعاصي كانَ الأمْرُ بِحَسبِهِ، كَما جَرَى يومَ أُحُدٍ. وقَالَ تَعَالى [فاطر: ٤٢-٤٣]: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا - اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣] فَأخْبَرَ أن الكفارَ لا يَنْظُرونَ إلا سُنَّةَ الأوَّلين، ولا يوجَد لِسُنَّةِ الله تبديلٌ، لا تُبَدَّلُ بغيرها، ولا تَتَحَوَّلُ، فكيفَ النَّصْرُ لِلكُفَّارِ على المُؤمِنينَ الَّذين يَسْتَحِقُونَ هذا على الأمم؟ وكذلك قال في المنافِقِينَ وهم الكفَّارُ في الباطِن دونَ الظَّاهِرِ وَمَنْ فيه شُعبةُ نِفاقٍ [الأحزاب: ٦٠-٦٢]: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا - مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا - سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢] والسُّنَّةُ هي العادةُ، فهذه عادةُ الله المعلومةُ، فإذا نَصَرَ مَن ادَّعى النُّبوَّةَ وأتْباعَه على مَن خالَفَه، إمَّا ظاهِرا وإمَّا باطِنا نصرا مستقرّا، فإنَّ ذَلِكَ دليلٌ على أنَّه نبي ﷺ، إذ كانت سُنَّةُ الله وعادتُه نصرَ المؤمنين بالأنبياء الصَّادقين على الكافرين والمنافقين، كما أنَّ سُنَّتَه تأييدُهم بالآيات البينات، وهذه منها.
ومن ادَّعى النُّبُوَّةَ وَهو كاذب، فَهو
[ ٢٦١ ]
مِنْ أكْفَرِ الكُفَّارِ وأظْلَمِ الظَّالِمينَ، قال تَعَالى [الأنعام: ٩٣]: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وَقَالَ تَعالى [الزمر: ٣٢]: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢] وَقَالَ تَعالى [العنكبوت: ٦٨]: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٨] وَقَالَ تَعالى [الأنعام: ١٤٤]: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ومَنْ كانَ كَذَلِكَ، كانَ الله يمقته، ويُبغضُه، ويُعاقِبُه، ولا يَدومُ أمرهُ، بَلْ هو كما قالَ النَّبي ﷺ في الحديثِ الصَّحيح عن أبي هريرةَ قالَ: «إنَّ الله يُمْلي لِلظَّالِم، فَإِذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ "، ثُمَّ قَرَأ [هود: ١٠٢]: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]»، وقال- أيْضا- في الحديث الصحيحِ عن أبي موسى أنَّه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: «مَثلُ المُؤْمِنِ كَمَثلِ الخامَةِ مِنَ الزَّرعِ، تفيؤُها الرِّياحُ، تُقيمُها تارة وتُميلُها أخْرى، وَمَثلُ المُنافِقِ كَمَثلَ شَجَرَةِ الأرْزِ، لا تَزالُ ثابِتةً عَلى أصلِها، حَتّى يكونَ انْجِعافُها مرَّةً واحدةً» . فالكاذبُ الفاجِرُ وإنْ عَظُمَتْ دَولتُهُ، فلا بُدَّ من زوالِها بالكُلِّيَّة، وبقاءِ ذَمِّهِ ولِسانِ السَّوْءِ لَه في العالَمِ، وهو يَظْهَرُ سَريعا، ويَزولُ سَريعا، كَدَوْلة الأسودِ العنسيِّ، ومُسَيْلَمَةَ الكذَّابِ، والحارِثِ الدِّمَشقيِّ، وبابِكِ الخُرَّمِيِّ ونحوِهِم. وأمَّا الأنبياءُ، فإنِّهم يُبْتَلونَ كثيرًا لِيُمَحَّصوا بالبَلاءِ، فإنَّ الله تَعالى يُمَكِّنُ لِلْعَبْدِ إذا ابْتلاهُ، ويُظْهِرُ أمرَه شَيْئا فشيئا، كالزَّرع، قال تَعالى [الفتح: ٢٩]: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] (أي فراخَهُ) ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] (أي قَوَّاه) ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] ولِهذا كان أولى مَن يَتَّبِعُهُمْ ضُعفاءُ النَّاسِ بِاعْتِبارِ هذه الأمورِ. وسُنَّةُ الله في أنبياءِ الله وأوليائِه الصَّادقين وفي أعداء الله والمُتنبِّئين الكذَّابين مِمَّا يوجِبُ الفرقَ بين النَّوعَين، وبَيْنَ دَلائِلِ النَّبِيِّ الصَّادقِ ودَلائِل المُتنبي
[ ٢٦٢ ]
الكذَّابِ. وقد ذُكِرَ ابتلاءُ النَّبِيِّ والمؤمِنينَ ثُمَّ كَونُ العاقِبَةِ لهم في غيرِ موضعٍ كقوله تَعالى [الأنعام: ٣٤]: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] وقال تعالى [البقرة: ٢١٤]: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] قال تعالى [يوسف: ١٠٩- ١١١]: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ - حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ - لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩ - ١١١]
والمقصودُ أن إيذاءَ القائِمينَ بالحَقِّ، والنَّاصِرينَ له مِن سننِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وكَثيرٌ مِن أهلِ عصرِنا على ذلك، واللهُ المُستَعانُ.