مخالفة ولي الأمر (الثالثة) أنَّ مُخالَفةَ وليِّ الأمْرِ، وعَدمَ الانقيادِ له عندهم فضيلةٌ، وبعضهم يجعلهُ دينا. فخالفهم النَّبِيُّ ﷺ في ذلك، وأمَرهم بالصَّبْرِ على جَوْرِ الوُلاةِ والسَّمعِ والطَّاعة والنّصيحةِ لَهُمْ، وَغَلَّظ في ذلك وأبدى وأعادَ. وهذه الثلاثُ هي التي وَرَدَ فيها ما في الصَّحيح ﷺ: «يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تُشْرِكوا به شَيْئا، وأنْ تَعْتَصِموا بِحَبل الله جَميْعا، وأن تُناصِحوا مَنْ وَلاَهُ الله أمرَكُم» . وروى البُخاريُّ عن ابنِ عبَّاس عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «مَن كَرِهَ مِنْ أميرِه شَيْئا، فلْيَصْبِرْ، فإِنه مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلطانِ شِبْرًا، ماتَ مِيْتةً جاهِلِيةً» وَرَوى
[ ٢١٢ ]
أَيْضًا عن جُنادةَ بنِ أبي أُميَّة، قال: دَخَلنا على عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ وهو مريضٌ، فَقُلْنا: أصلَحَكَ الله، حَدِّثْ بِحَديثٍ يَنْفَعُكَ الله بِهِ سَمِعْتهُ مِن النبي ﷺ، قالَ: «دَعانا النَّبِيُّ ﷺ فَبايَعَنا، فكان فيما أخَذَ عَلَينا: أنْ بايَعَنا على السَّمْعِ والطَّاعَة في مَنْشَطِنا وَمَكْرَهِنا وعُسْرِنا وَيُسْرِنا وأثَرَةٍ علينا، وأنْ لا نُنازعَ الأمرَ أهلَهُ، إلا أن تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا عندكم من الله فيه برهانٌ» . والأحاديثُ الصحيحةُ في هذا البابِ كثيرة، ولم يقعْ خَلَلٌ في دِين النَّاسِ أو دُنياهُم إلاَّ من الإِخلال بِهذِه الوَصِيَّةِ.