المبحث الأول
تعريف الجاهلية
أولا التعريف اللغوي:
الجاهلية في اللغة: مصدر صناعي مأخوذ من الجاهلي نسبة على الجاهل المشتق من الجهل.
والجهل خلاف العلم ونقيضه.
يقال جَهِل فلان جهلا وجهالة، وجُهِل عليه وتجاهل واستجهل.
والجمع منه: جُهل، وجُهُل، وجُهَّل، وجُهَّال، وجُهلاء.
قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ ١.
ومنه قولهم للمفازة التي لا علم بها: "مَجهَل".
ويطلق الجهل ويراد به الخفة التي هي خلاف الطمأنينة، ويراد به الطيش، ومنه قولهم للخشبة التي يحرك بها الجمر"مجهل"٢، ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته:
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٧٣ ٢ انظر: معجم " مقاييس اللغة" لابن فارس: جهل (١/٤٨٩)، وتهذيب اللغة للأزهري: جهل (٦/٥٦-٥٧)، "المحكم" لابن سيده: "جهل" (٤/١١٩)، الصحاح للأزهري "جهل" (٤/١٦٦٣-١٦٦٤)، "لسان العرب" لابن منظور: "جهل" (١١/١٢٩)، "تاج العروس" للزبيدي: "جهل" (٧/٣٦٨) . ؟؟ ؟؟ ؟؟ ؟؟
[ ٣١ ]
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا١
والجهل ثلاثة أنواع:
أحدها: بسيط، وهو خلو النفس من العلم.
ثانيها: جهل مركب، وهو اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
ثالثها: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل٢.
التعريف الاصطلاحي:
اختلفت عبارات الناس في تعريف الجاهلية والمراد منها، وسأذكر هنا بعضا منها، ثم أختم ذلك بالمختار.
التعريف الأول:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "المراد بالجاهلية الفترة قبل الإسلام"٣
ويؤخذ على هذا التعريف كونه غير جامع، وذلك أن الجاهلية جاء إطلاقها حتى بعد البعثة، كما قال بن عباس ﵄: "سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسا دهاقا"٤، وابن عباس إنما ولد بعد البعثة٥.
_________________
(١) ١ " ديوان عمرو بن كلثوم" (ص٧٨)،" جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد القرشي ص٣٠٠، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص٢٨٨، "شرح القصائد المشهورات" لابن النحاس (١/٢/١٢٥) ٢ انظر: "المفردات في غريب القرآن" للرغاب الاصفهاني ص١٠٢، "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٢٢٤-٢٢٥) . ٣ شرح صحيح مسلم (٢/١١٠) ٤ أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب لمناقب الأنصار- باب أيام الجاهلية (٤/٢٣٦) . ٥ انظر طبقات ابن سعد: (٢/٣٦٥-٣٧٢)، "تهذيب الكمال" للمزي (١٥/١٥٤-١٦٢)، فتح الباري لابن حجر (٧/١٨٣) .
[ ٣٢ ]
التعريف الثاني:
قال ابن الأثير- وتبعه ابن منظور-: " هي-أي الجاهلية- الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام، من الجهل بالله ﷾ ورسوله ﷺ وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك"١.
ويؤخذ على هذا التعريف:
أ-تخصيصه العرب بذلك، مع أن غيرهم من الأمم يشركهم فيه.
ب- أنه جعل نهاية هذه الحال بظهور الإسلام، وقد مرّ قبل قليل أن الجاهلية أطلقت حتى بعد الإسلام.
التعريف الثالث:
وهو للأستاذ محمد قطب حيث قال: " هي-أي الجاهلية- حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدى الله، ووضع تنظيمي يرفض الحكم بما أنزل الله"٢.
ويؤخذ على هذا التعريف كونه غير جامع، لأنه أخرج الحال التي تكون عليه أمة من الأمم قبل مجيئها هدى الله.
وفيه قصر على الوضع التنظيمي الذي يرفض الحكم بما أنزل الله، مع أن الأمر أعظم من ذلك، فحكم الله ليس في الأمور التنظيمية فقط، بل هو أعم من ذلك كله.
التعريف الرابع:
وهو التعريف الذي وضعه مجمع اللغة العربية بالقاهرة: "الجاهلية:
_________________
(١) ١ "التهاية في غريب الحديث" (١/٢٣٢)، لسان العرب "جهل" (١١/١٣٠) . ٢ جاهلية القرن العشرين ص١١
[ ٣٣ ]
هي الحالة التي تكون عليها الأمة قبل أن يجيئها الهدى والنبوة".
ويؤخذ على هذا التعريف ما أخذ على التعريف الأول.
التعريف الخامس:
" الجاهلية: هي الحالة التي تكون عليها أمة قبل مجيئها هدى الله، والحالة التي تمتنع فيها أمة ما أو بعض أمة من الاستجابة لهدى الله".
وهذا التعريف هو المختار عندي، والذي أراه مناسبا لهذا المقام، وذلك للآتي:
١-كون هذا التعريف أدخل أهل الفترات، وأدخل من امتنع من أتباع الهدى بعد إذ جاءه.
فرسول الله ﷺ بعث في قوم أميين لا علم لهم بالكتاب، فهؤلاء يناسبهم الجزء الأول من التعريف، كما أنه ﷺ لعموم رسالته بعث –أيضا لقوم أهل كتاب، وهؤلاء يناسبهم الجزء الثاني، كما أن في أمته ﷺ من يمتنع من الاهتداء بهديه.
٢-موافقة هذا التعريف لما ذكره العلماء من أقسام الجهل.
_________________
(١) ١ "معجم ألفاظ القرآن الكريم" الذي وضعه مجمع اللغة العربية بالقاهرة (١/٢٢٠)
[ ٣٤ ]