المبحث الثالث: حكم مخالفة أهل الجاهلية
لقد تظاهرت النصوص من الكتاب والسنة على وجوب مخالفة أهل الجاهلية، وتحريم التشبه بهم، سواء في عباداتهم أو في أعيادهم، وأجمع أهل العلم على ذلك١.
ولكثرة النصوص الواردة في هذا، اجتهدت في حصر دلالاتها، مع الاستدلال لكل دلالة بنص أو أكثر، فكانت على النحو الآتي:
أولا: الأمر الصريح بالمخالفة:
جاءت أحاديث عن النبي ﷺ صريحة في الأمر بمخالفة أهل الجاهلية، مما يعني وجوب مخالفتهم، لأن الأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف٢، ولا صارف هنا، ومن هذه الأحاديث ما يأتي:
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "خالفوا المشركين: أحفوا الشوارب، وأوفوا اللحى"٣.
_________________
(١) ١ انظر اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٢و٣٢٠) ٢ انظر: "العدة في أصول الفقه" لأبي يعلى (١/٢٢٤)، "التمهيد" لأبي الخطاب الكلوذاني (١/١٤٥)، "المحصول في علم الأصول" للرازي (٢/٦٦)، روضة الناظر لا بن قدامة ص١٩٣، وغيرها من كتب الاصول ٣ أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب اللباس- باب تقليم الأظافر- (٧/٥٦) ومسلم في صحيحه-كتاب الطهارة- (١/١٢٢) ح٢٥٩، واللفظ له.
[ ٣٩ ]
وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: "خرج رسول الله ﷺ على مشيخة الأنصار، بيض لحاهم، فقال: يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب، قال فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرو، فقال ﷺ تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب، قال فقلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون، قال: فقال النبي ﷺ فتخففوا وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب، قال: فقلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصّون عثانينهم١ ويوفرون سبالهم٢، فقال النبي ﷺ قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب"٣.
وقال ﷺ: "خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم"٤.
_________________
(١) ١ العثانين: جمع عثنون وهو اللحية، انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الاثير (٣/١٣٣) ٢ السبال جمع سبلة بالتحريك، وهي الشارب، انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الاثير (٣/٣٣٩) ٣ أخرجه أحمد في مسنده (٥/٢٦٤) والطبراني في الكبير (٨ / ٢٨٢)، قال الهيثمي في مجمه الزوائد (٥ /١٣١): "رجال أحمد رجال الصحيح، خلا القاسم، وهو ثقة وفيه كلام لا يضر" وجسّن إسناد أحمد ابن حجر في فتح الباري (١٠/٣٦٧)، والألباني في السلسلة الصحيحة (٣/٢٤٩) . ٤ أخرجه أبو داود في سننه – كتاب الصلاة- باب الصلاة في النعل- (١/٤٢٧) ح٦٥٢، وابن حبان كما في الإحسان- كتاب الصلاة-باب فرض متابعة الإمام (٣/٣٠٦) ح ٢١٨٣، والحاكم في مستدركه –كتاب الصلاة- (١/٢٦٠)، والبيهقي في السنن الكبرى-كتاب الصلاة- باب الصلاة في النعلين (٢/٤٣٢)، والبغوي في شرح السنة-كتاب الصلاة- باب الصلاة في النعال (٢/٤٤٣) ح ٥٣٤.
[ ٤٠ ]
ثانيا: النهي عن مشابهة أهل الجاهلية في أهوائهم بصيغته:
كما جاءت الأدلة صريحة في الأمر بمخالفة أهل الجاهلية، فقد جاءت أيضا صريحة في النهي عن مشابهتهم في أهوائهم بصيغة النهي الحقيقية "لا تفعل" ومن هذه الأدلة:
قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ١
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك﴾ ٢
وقوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ٣
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤
ففي هذه الآيات نهي من الله تعالى لنبيه ﷺ أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون، "وقد في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته.
واهواؤهم هو ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك، فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه"٥.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ المائدة: ٤٨ ٢ المائدة: ٤٩ ٣ الشورى: ١٥ ٤ الجاثية:١٨ ٥ اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٥) ٦ البقرة: ١٠٤
[ ٤١ ]
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: " نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم"١.
فهذه بعض الأدلة على النهي عن مشابهة أهل الجاهلية بصيغته.
ثالثا: بيان سوء عاقبة من اتبع أهل الجاهلية:
لقد جاءت الأدلة صريحة في بيان العاقبة المخزية التي أعدها الله تعالى لمن خالف أمره، وتشبه بأعدائه، مما يدل على شناعة الفعل وقبحه، ومن هذه الأدلة:
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ٢
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
ففي هاتين الآيتين تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعدما علموا من القرآن والسنة، والخطاب مع الرسول ﷺ والمراد أمته٤، ووصف –تعالى- التابعين بأنهم ظالمون، ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٥.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ومتابعتهم فيما
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (١/١٤٨) ٢ البقرة:١٢٠ ٣ البقرة: ١٤٥ ٤ انظر تفسير ابن كثير (١/١٦٣) ٥ الانسان: ٣١
[ ٤٢ ]
يختصون به من دينهم وتوابع دينهم، اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك"١.
وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)﴾ ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ثم قوله فاستمتعتم وخضتم، خبر عن وقوع ذلك في الماضي، وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة، كسائر من أخبر الله به عن الكفار والمنافقين عند مبعث محمد ﷺ، فإنه ذم لمن حالهم كحالهم إلى يوم القيامة"٣.
رابعا: نعت المتشبهين بما يفيد شناعة فعلهم:
كما في قوله ﷺ: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، وبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطَّلِب دم امرئ مسلم بغير حق ليهريقه"٤.
وقوله ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع،
_________________
(١) ١ اقتضاء الصراط المستقيم (١/-٨٦٨٥) (التوبة:٦٩) ٣ اقتضاء الصراط المستقيم (١٠٤-١٠٥) ٤ أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب الديات- باب من طلب دم امرئ بغير حق (٨/٣٩)
[ ٤٣ ]
حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن"
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: "وكان ﷺ يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار، وكان يخاف على أمته اتباعهم، ألا ترى إلى قوله ﷺ على جهة التعيير والتوبيخ: " لتتبعن سنن من كان قبلكم ".
وقال المناوي: "وهو كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات والمعاصي والكفر، ثم إن هذا لفظ خبر معناه النهي عن اتباعهم، ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام".
فهذه بعض الأدلة الدالة على وجوب مخالفة أهل الجاهلية وحرمة التشبه بهم، وبقي كثير تركتها اختصارا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١" أخرجه البخاري في صحيحه-كتاب الأنبياء- باب ما ذكر عن النبي ﷺ:" لتتبعن سنن من كان قبلكم" - (٨/١٥١)، ومسلم في صحيحه –كتاب العلم- باب اتباع سنن اليهود والنصارى- (٤/٢٠٥٤) ح ١٦٦٩. ٢"التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٥/٤٥) . ٣"فيض القدير بشرح الجامع الصغير (٥/٢٦١) ٤" راجعها في مقدمة شرح المحقق لمسائل الجاهلية.
[ ٤٤ ]