وَقد نظموها على تسع دَرَجَات مرتبَة وَلكُل مرتبَة اسْم اولها الزرق والتفرس ثمَّ التأنيس ثمَّ التشكيك ثمَّ التَّعْلِيق ثمَّ الرَّبْط ثمَّ التَّدْلِيس ثمَّ التلبيس ثمَّ الْخلْع ثمَّ السلخ ولنبين الْآن تَفْصِيل كل مرتبَة من هَذِه الْمَرَاتِب فَفِي الِاطِّلَاع على هَذِه الْحِيَل فَوَائِد جمة لجماهير الامة
اما الزرق والتفرس فَهُوَ انهم قَالُوا يَنْبَغِي أَن يكون الدَّاعِي فطنا ذكيا صَحِيح الحدس صَادِق الفراسة متفطنا للبواطن بِالنّظرِ الى الشَّمَائِل والظواهر وَليكن قَادِرًا على ثَلَاثَة امور الاول وَهُوَ اهمها ان يُمَيّز بَين من يجوز ان يطْمع فِي استدراجه ويوثق بلين عريكته لقبُول مَا يلقى اليه على خلاف معتقده فَرب رجل جمود على مَا سَمعه لَا يُمكن ان ينتزع من نَفسه مَا يرسخ فِيهِ فَلَا يضيعن الدَّاعِي كَلَامه مَعَ مثل هَذَا وليقطع
[ ٢١ ]
طمعه مِنْهُ وليلتمس من فِيهِ انفعال وتأثر بِمَا يلقى إِلَيْهِ من الْكَلَام وهم الموصوفون بِالصِّفَاتِ الَّتِي سنذكرها فِي الْفَصْل الَّذِي يَلِي هَذَا الْفَصْل
وَيَنْبَغِي ان نتقي بِكُل حَال بَث الْبذر فِي السبخ وَالدُّخُول الى بَيت فِيهِ سراج يَعْنِي بِهِ الزّجر عَن دَعْوَة العباسية مد الله دولتهمم إرغاما لأنوف أعدائها فان ذَلِك لَا ينغرس أَبَد الدَّهْر فِي نُفُوسهم كَمَا لَا ينغرس الْبذر فِي الأَرْض السبخة بزعمهم ويزجرون أَيْضا عَن دَعْوَة الأذكياء من الْفُضَلَاء وَذَوي البصائر بطرق الْجِدَال ومكامن الاحتيال وَبِه يعنون الزّجر عَن بَيت فِيهِ سراج
الثَّانِي أَن يكون مشتعل الحدس ذكي الخاطر فِي تَعْبِير الظَّوَاهِر وردهَا الى البواطن اما اشتقاقا من لَفظهَا اَوْ تلقيا من عَددهَا اَوْ تَشْبِيها لَهَا بِمَا يُنَاسِبهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذا لم يقبل المستجيب مِنْهُ تَكْذِيب الْقُرْآن وَالسّنة فَيَنْبَغِي ان يسْتَخْرج من قلبه مَعْنَاهُ الَّذِي فهمه وَيتْرك مَعَه اللَّفْظ منزلا على معنى يُنَاسب هَذِه الْبِدْعَة فانه لَو شافهه بالتكذيب لم يقبل مِنْهُ
الثَّالِث من الزرق والتفرس أَلا يدعوو كل أحد إِلَى مَسْلَك
[ ٢٢ ]
وَاحِد بل يبْحَث أَولا عَن معتقده وَمَا اليه ميله فِي طبعه ومذهبه فاما طبعه فان رَآهُ مائلا الى الزّهْد والتقشف وَالتَّقوى والتنظف دَعَاهُ الى الطَّاعَة والانقياد وَاتِّبَاع الْأَمر من المطاع وزجره عَن اتِّبَاع الشَّهَوَات وندبه الى وظائف الْعِبَادَات وتأدية الامانات من الصدْق وَحسن الْمُعَامَلَة والاخلاق الْحَسَنَة وخفض الْجنَاح لِذَوي الْحَاجَات وَلُزُوم الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وان كَانَ طبعه مائلا الى المجون والخلاعة قرر فِي نَفسه ان الْعِبَادَة بله وان الْوَرع حَمَاقَة وان هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبين بالتكاليف مثالهم مِثَال الْحمر المعناة بالأحمال الثَّقِيلَة وانما الفطنة فِي اتِّبَاع الشَّهْوَة ونيل اللَّذَّة وَقَضَاء الوطر من هَذِه الدُّنْيَا المنقضية الَّتِي لَا سَبِيل الى تلافي لذاتها عِنْد انْقِضَاء الْعُمر وَأما حَال الْمَدْعُو من حَيْثُ الْمَذْهَب فان كَانَ من الشِّيعَة فلنفاتحه بَان الْأَمر كُله فِي بغض بني تيم وَبني عدي وَبني امية وَبني الْعَبَّاس وأشياعهم وَفِي التبري مِنْهُم وَمن اتباعهم وَفِي تولي الْأَئِمَّة الصَّالِحين وَفِي انْتِظَار خُرُوج الْمهْدي وان كَانَ الْمَدْعُو ناصبيا ذكر لَهُ ان الامة انما اجمعت على ابي بكر وَعمر وَلَا يقدم الا من قَدمته الامة حَتَّى اذا اطْمَأَن اليه قلبه ابْتَدَأَ بعد ذَلِك يبث الاسرار على سَبِيل الاستدراج الْمَذْكُور بعد وَكَذَلِكَ ان كَانَ من الْيَهُود وَالْمَجُوس وَالنَّصَارَى حاوره بِمَا يضاهي مَذْهَبهم من معتقداته فان مُعْتَقد الدعاة ملتقط من فنون
[ ٢٣ ]
الْبدع وَالْكفْر فَلَا نوع من الْبِدْعَة الا وَقد اخْتَارُوا مِنْهُ شَيْئا ليسهل عَلَيْهِم بذلك مُخَاطبَة تِلْكَ الْفرق على مَا سنحكي من مَذْهَبهم
اما حِيلَة التأنيس فَهُوَ ان يُوَافق كل من هُوَ بدعوته فِي أَفعَال يتعطاها هُوَ وَمن تميل اليه نَفسه واول مَا يفعل الانس بِالْمُشَاهَدَةِ على مَا يُوَافق اعْتِقَاد الْمَدْعُو فِي شَرعه وَقد رسموا للدعاة والمأذونين ان يجْعَلُوا مبيتهم كل لَيْلَة عِنْد وَاحِد من المستجيبين ويجتهدون فِي اسْتِصْحَاب من لَهُ صَوت طيب فِي قِرَاءَة الْقُرْآن ليقْرَأ عِنْدهم زَمَانا ثمَّ يتبع الدَّاعِي ذَلِك كُله بشئ من الْكَلَام الرَّقِيق واطراف من المواعظ اللطيفة الآخذه بِمَجَامِع الْقُلُوب ثمَّ يردف ذَلِك بالطعن فِي السلاطين وعلماء الزَّمَان وجهال الْعَوام وَيذكر ان الْفرج منتظر من كل ذَلِك ببركة اهل بَيت رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فِيمَا بَين ذَلِك يبكي احيانا ويتنفس الصعداء واذا ذكر آيَة اَوْ خَبرا ذكر ان لله سرا فِي كَلِمَاته لَا يطلع عَلَيْهَا إِلَّا من اجتباه الله من خلقه وميزه بمزيد لطفه فان قدر على ان يتهجد بِاللَّيْلِ مُصَليا وباكيا عِنْد غيبَة صَاحب الْبَيْت بِحَيْثُ يطلع عَلَيْهِ صَاحب الْبَيْت ثمَّ اذا احس بانه اطلع عَلَيْهِ عَاد الى مبيته واضطجع كَالَّذي يقْصد اخفاء عِبَادَته وكل ذَلِك ليستحكم الانس بِهِ ويميل الْقلب الى الاصغاء الى كَلَامه فَهَذِهِ هِيَ مرتبَة التأنيس
[ ٢٤ ]
وَأما حِيلَة التشكيك فَمَعْنَاه ان الدَّاعِي يَنْبَغِي لَهُ بعد التأنيس ان يجْتَهد فِي تَغْيِير اعْتِقَاد المستجيب بَان يزلزل عقيدته فِيمَا هُوَ مصمم عَلَيْهِ وسبيله ان يبتدئه بالسؤال عَن الْحِكْمَة فِي مقررات الشَّرَائِع وغوامض الْمسَائِل وَعَن الْمُتَشَابه من الايات وكل مَا لَا ينقدح فِيهِ معنى مَعْقُول فَيَقُول فِي معنى الْمُتَشَابه مَا معنى الر وكهيعص وحم عسق الى غير ذَلِك من اوائل السُّور وَيُقَال أَتَرَى ان تعْيين هَذِه الْحُرُوف جرى وفقا بسبق اللِّسَان اَوْ قصد تَعْيِينهَا لاسرار هِيَ مودعة تحتهَا لم تصادف فِي غَيرهَا وَمَا عِنْدِي ان ذَلِك يكون هزلا وعبثا بِلَا فَائِدَة ويشكك فِي الاحكام
مَا بَال الْحَائِض تقضي الصَّوْم دون الصَّلَاة مَا بَال الِاغْتِسَال يجب من الْمَنِيّ الطَّاهِر وَلَا يجب من الْبَوْل النَّجس ويشككه فِي أَخْبَار الْقُرْآن فَيَقُول مَا بَال ابواب الْجنَّة ثَمَانِيَة وأبواب النَّار سَبْعَة وَمَا معنى قَوْله ﴿وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿عَلَيْهَا تِسْعَة عشر﴾ أفترى ضَاقَتْ القافية فَلم يكمل الْعشْرين أَو جرى ذَلِك وفَاقا بِحكم سبق اللِّسَان أَو قصدا لهَذَا التَّقْيِيد ليُخَيل أَن تَحْتَهُ سرا وَأَنه فِي نَفسه لسر لَيْسَ يطلع عَلَيْهِ إِلَّا الْأَنْبِيَاء وَالْأَئِمَّة الراسخون فِي الْعلم مَا عِنْدِي أَن ذَلِك يَخْلُو عَن سر وينفك من فَائِدَة كامنة وَالْعجب من غَفلَة الْخلق عَنْهَا لَا يثمرون عَن سَاق الْجد فِي طلبَهَا ثمَّ يشككه فِي خلقَة الْعَالم وجسد الْآدَمِيّ وَيَقُول لم كَانَت السَّمَوَات سبعا دون ان تكون سِتَّة اَوْ ثَمَانِي وَلم كَانَت الْكَوَاكِب
[ ٢٥ ]
السياره سَبْعَة والبروج اثنى عشر وَلم كَانَ فِي رَأس الْآدَمِيّ سبع ثقب العينان والاذنان والمنخران والفم وَفِي بدنه ثقبان فَقَط وَلم جعل رَأس الْآدَمِيّ على هَيْئَة الْمِيم ويداه إِذا مدها على هَيْئَة الْحَاء وَالْعجز على هَيْئَة الْمِيم وَالرجلَانِ على هَيْئَة الدَّال بِحَيْثُ إِذا جمع الْكل يشكل بِصُورَة مُحَمَّد أفترى أَن فِيهِ تَشْبِيها ورمزا مَا أعظم هَذِه العجائبا وَمَا أعظم غفله الْخلق عَنْهَا وَلَا يزَال يُورد عَلَيْهِ هَذَا الْجِنْس حَتَّى يشككه وينقدح فِي نَفسه أَن تَحت هَذِه الظَّوَاهِر أسرارا سدت عَنهُ وَعَن اصحابه وينبعث مِنْهُ شوق الى طلبه وَأما حِيلَة التَّعْلِيق فبأن يطوي عَنهُ جَوَانِب هَذِه الشكوك إِذا هُوَ استكشفه عَنْهَا وَلَا ينفس عَنهُ أصلا بل يتْركهُ مُعَلّقا ويهول الامر عَلَيْهِ ويعظمه فِي نَفسه وَيَقُول لَهُ لَا تعجل فان الدّين اجل من ان يبْعَث بِهِ اَوْ ان يوضع فِي غير مَوْضِعه ويكشف لغير أَهله هَيْهَات هَيْهَات جئتماني لتعلما سر سعدي تجداني بسر سعدي شحيحا
ثمَّ يَقُول لَهُ لَا تعجل ان ساعدتك السَّعَادَة سنبث اليك سر ذَلِك أما سَمِعت قَول صَاحب الشَّرْع ان هَذَا الدّين متين فاوغل فِيهِ بِرِفْق فان المنبت لَا أَرضًا قطع وَلَا ظهر أبقى
وَهَكَذَا لَا يزَال يَسُوقهُ ثمَّ يدافعه حَتَّى إِن رَآهُ أعرض عَنهُ واستهان
[ ٢٦ ]
بِهِ وَقَالَ مَالِي وَلِهَذَا الفضول وَكَانَ لَا يحيك فِي صَدره حرارة هَذِه الشكوك قطع الطمع عَنهُ وان رَآهُ متعطشا اليه وعده فِي وَقت معِين وَأمره بِتَقْدِيم الصَّوْم وَالصَّلَاة وَالتَّوْبَة قبله وَعظم امْر هَذَا السِّرّ المكتوم حَتَّى اذا وافى الميعاد قَالَ لَهُ ان هَذِه الاسرار مكتومة لَا تودع الا فِي سر مُحصن فحصن حرزك واحكم مداخله حَتَّى اودعه فِيهِ فَيَقُول المستجيب وَمَا طَرِيقه فَيَقُول ان آخذ عهد الله وميثاقه على كتمان هَذَا السِّرّ ومراعاته عَن التضييع فانه الدّرّ الثمين والعلق النفيس وادنى دَرَجَات الرَّاغِب فِيهِ صيانته عَن التضييع وَمَا اودع الله هَذِه الاسرار أنبياءه الا بعد أَخذه عَهدهم وميثاقهم وتلا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذنَا من النَّبِيين ميثاقهم ومنك وَمن نوح﴾ الاية وَقَالَ تَعَالَى ﴿من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها﴾ وَأما النَّبِي ﷺ فَلم يفشه الا بعد أَخذ الْعَهْد على الْخُلَفَاء واخذ الْبيعَة على الانصار تَحت الشَّجَرَة فان كنت رَاغِبًا فاحلف لي على كِتْمَانه وانت بالخيرة بعده فان وفقت لدرك حَقِيقَته سعدت سَعَادَة عَظِيمَة وان اشمأزت نَفسك عَنهُ فَلَا غرو فان كلا ميسر لما خلق لَهُ وَنحن نقدر كانك لم تسمع وَلم تحلف وَلَا ضير عَلَيْك فِي يَمِين صَادِقَة فان أَبى الْحلف خلاه وَإِن انْعمْ وَأجَاب فِيهِ وَجه الْحلف واستوفاه
[ ٢٧ ]
وَأما حِيلَة الرَّبْط فَهُوَ ان يرْبط لِسَانه بأيمان مُغَلّظَة وعهود مُؤَكدَة لَا يَجْسُر على الْمُخَالفَة لَهَا بِحَال وَهَذِه نُسْخَة الْعَهْد يَقُول الدَّاعِي للمستجيب جعلت على نَفسك عهد الله وميثاقه وَذمَّة رَسُوله ﵇ وَمَا أَخذ الله على النَّبِيين من عهد وميثاق أَنَّك تسر مَا سمعته مني وتسمعه وعلمته وتعلمه من امري وامر الْمُقِيم بِهَذِهِ الْبَلدة لصَاحب الْحق الامام الْمهْدي وامور اخوانه واصحابه وَولده واهل بَيته وامرو المطيعين لَهُ على هَذَا الدّين ومخالصة الْمهْدي ومخالصة شيعته من الذُّكُور والاناث وَالصغَار والكبار وَلَا تظهر من ذَلِك قَلِيلا وَلَا كثيرا تدل بِهِ عَلَيْهِ الا مَا اطلقت لَك ان تَتَكَلَّم بِهِ اَوْ اطلق لَك صَاحب الامر الْمُقِيم فِي هَذَا الْبَلَد اَوْ غَيره فتعمل حِينَئِذٍ بِمِقْدَار مَا نرسمه لَك وَلَا تتعداه جعلت على نَفسك الْوَفَاء بِمَا ذكرته لَك وألزمته نَفسك فِي حَال الرَّغْبَة والرهبة وَالْغَضَب وَالرِّضَا وَجعلت على نَفسك عهد الله وميثاقه ان تتبعني وَجَمِيع من اسميه لَك وأبينه عنْدك مِمَّا تمنع مِنْهُ نَفسك وان تنصح لنا وللآمام ولي الله نصحا ظَاهرا وَبَاطنا والا تخون الله وَلَا وليه وَلَا احدا من إخوانه وأوليائه وَمن يكون مِنْهُ وَمنا بِسَبَب من اهل وَمَال ونعمة وانه لَا رَأْي وَلَا عهد تتَنَاوَل على هَذَا الْعَهْد بِمَا يُبطلهُ
[ ٢٨ ]
فان فعلت شَيْئا من ذَلِك وانت تعلم انك قد خالفته فانت برِئ من الله وَرُسُله الْأَوَّلين والآخرين وَمن مَلَائكَته المقربين وَمن جَمِيع مَا انْزِلْ من كتبه على انبيائه السَّابِقين وانت خَارج من كل دين وخارج من حزب الله وحزب اوليائه وداخل فِي حزب الشَّيْطَان وحزب اوليائه وخذلك الله خذلانا بَينا يعجل لَك بذلك النقمَة والعقوبة ان خَالَفت شَيْئا مِمَّا حلفتك عَلَيْهِ بِتَأْوِيل اَوْ بِغَيْر تَأْوِيل فان خَالَفت شَيْئا من ذَلِك فَللَّه عَلَيْك ان تحج الى بَيته ثَلَاثِينَ حجَّة نذرا وَاجِبا مَاشِيا حافيا وان خَالَفت ذَلِك فَكل مَا تملكه فِي الْوَقْت الَّذِي تحلف فِيهِ صَدَقَة على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين الَّذين لَا رحم بَيْنك وَبينهمْ وكل مَمْلُوك يكون لَك فِي ملكك يَوْم تخَالف فِيهِ فهم احرار وكل امْرَأَة تكون لَك اَوْ تتزوجها فِي قَابل فَهِيَ طَالِق ثَلَاثًا بتة ان خَالَفت شَيْئا من ذَلِك وان نَوَيْت اَوْ اضمرت فِي يَمِيني هَذِه خلاف مَا قصدت فَهَذِهِ الْيَمين من اولها الى آخرهَا لَازِمَة لَك وَالله الشَّاهِد على صدق نيتك وَعقد ضميرك وَكفى بِاللَّه شَهِيدا بيني وَبَيْنك قل نعم فَيَقُول نعم
فَهَذَا هُوَ الرَّبْط
واما حِيلَة التَّدْلِيس فَهُوَ انه بعد الْيَمين وتأكيد الْعَهْد لَا يسمح ببث
[ ٢٩ ]
الاسرار اليه دفْعَة وَاحِدَة وَلَكِن يتدرج فِيهِ ويراعى امورا الأول انه يقْتَصر فِي اول وهلة على ذكر قَاعِدَة الْمَذْهَب وَيَقُول منار الْجَهْل تحكيم النَّاس عُقُولهمْ النَّاقِصَة وآرائهم المتناقضة واعراضهم عَن الِاتِّبَاع والتلقي من اصفياء الله وائمته واوتاد أرضه وَالَّذين هم خلفاء رَسُوله من بعده فَمنهمْ الَّذِي اودعه الله سره الْمكنون وَدينه المخزون وكشف لَهُم بواطن هَذِه الظواهرواسرار هَذِه الامثلة وان الرشد والنجاة من الضلال بِالرُّجُوعِ الى الْقرَان واهل الْبَيْت وَلذَلِك قَالَ ﵇ لماقيل وَمن أَيْن يعرف الْحق بعْدك فَقَالَ الم اترك فِيكُم الْقُرْآن وعترتي وَأَرَادَ بِهِ اعقابه فهم الَّذين يطلعون على مَعَاني الْقُرْآن ويقتصر فِي اول وهلة على هَذَا الْقدر وَلَا يفصح عَن تَفْصِيل مَا يَقُوله الإِمَام
الثَّانِي ان يحتال لإبطال الْمدْرك الثَّانِي من مدارك الْحق وَهُوَ ظواهر الْقُرْآن فان طَالب الْحق إِمَّا أَن يفزع الى التفكر والتأمل وَالنَّظَر فِي مدارك الْعُقُول كَمَا أَمر الله ﷾ بِهِ فَيفْسد نظر الْعقل عَلَيْهِ بِإِيجَاب التَّعَلُّم والاتباع اَوْ يفزع الى ظواهر الْقُرْآن وَالسّنة وَلَو صرح لَهُ بانه تلبيس ومحدث لم يسمع مِنْهُ فليسلم لَهُ لَفظه ولينزع عَن قلبه مَعْنَاهُ بَان يَقُول هَذَا الظَّاهِر لَهُ بَاطِن هُوَ اللّبَاب وَالظَّاهِر قشر بالاضافة اليه يقنع بِهِ من تقاعد بِهِ الْقُصُور عَن دَرك الْحَقَائِق حَتَّى لَا يبْقى لَهُ معتصم من عقل ومستروح من نقل
الثَّالِث أَلا يظْهر من نَفسه انه مُخَالف للْأمة كلهم وانه منسلخ عَن الدّين والنحلة إِذْ تنفر الْقُلُوب عَنهُ وَلَكِن يعتزي إِلَى ابعد الْفرق عَن المسلك الْمُسْتَقيم وأطوعهم لقبُول الخرافات ويتستر بهم ويتجمل بحب اهل الْبَيْت وهم الروافض
[ ٣٠ ]
الرَّابِع هُوَ أَن يقدم فِي اول كَلَامه أَن الْبَاطِل ظَاهر جلي وَالْحق دَقِيق بِحَيْثُ لَو سَمعه الْأَكْثَرُونَ لأنكروه ونفروا عَنهُ وان طلاب الْحق والقائلين بِهِ من بَين طلاب الْجَهْل أَفْرَاد وآحاد ليهون عَلَيْهِ التميز عَن الْعَامَّة فِي إِنْكَار نظر الْعقل وظواهر مَا ورد بِهِ النَّقْل
الْخَامِس إِن رَآهُ نافرا عَن التفرد عَن الْعَامَّة فَيَقُول لَهُ إِنِّي مفش إِلَيْك سرا وَعَلَيْك حفظه فَإِذا قَالَ نعم قَالَ إِن فلَانا وَفُلَانًا يَعْتَقِدُونَ هَذَا الْمَذْهَب وَلَكنهُمْ يسرونه وَيذكر لَهُ من الأفاضل من يعْتَقد المستجيب فِيهِ الذكاء والفطنة وَليكن ذَلِك الْمَذْكُور بَعيدا عَن بَلَده حَتَّى لَا يَتَيَسَّر لَهُ الْمُرَاجَعَة كَمَا جعلُوا الدعْوَة بعيدَة عَن مقرّ امامهم ووطنه فانهم لَو أظهروها فِي جواره لافتضحوا بِمَا يتواتر من أخباره واحواله
السَّادِس ان يمنيه بِظُهُور شَوْكَة هَذِه الطَّائِفَة وانتشار أَمرهم وعلو رَأْيهمْ وظفر ناصريه بأعدائهم واتساع ذَات يدهم ووصول كل وَاحِد مِنْهُم الى مُرَاده حَتَّى تَجْتَمِع لَهُم سَعَادَة الدُّنْيَا والاخرة ويعزى بعض ذَلِك الى
[ ٣١ ]
النُّجُوم وَبَعضه الى الرُّؤْيَا فِي الْمَنَام إِن امكنه وضع منامات تَنْتَهِي الى المستجيب على لِسَان غَيره
السَّابِع أَلا يطول الدَّاعِي إِقَامَته بِبَلَد وَاحِدَة فانه رُبمَا اشْتهر امْرَهْ وَسَفك دَمه فَيَنْبَغِي ان يحْتَاط فِي ذَلِك فيلبس على النَّاس امْرَهْ ويتعرف الى كل قوم باسم واخر وليغير فِي بعض الاوقات هَيئته ولبسته خوف الْآفَات ليَكُون ذَلِك ابلغ فِي الِاحْتِيَاط
ثمَّ بعد هَذِه الْمُقدمَات يتدرج قَلِيلا قَلِيلا فِي تَفْصِيل الْمَذْهَب للمستجيب وَذكره لَهُ على مَا سنحكي من معتقده وَأما حِيلَة التلبيس فَهُوَ ان يواطئه على مُقَدمَات يتسلمها مِنْهُ مَقْبُولَة الظَّاهِر مَشْهُورَة عِنْد النَّاس ذائعة ويرسخ ذَلِك فِي نَفسه مُدَّة ثمَّ يستدرجه مِنْهَا بنتائج بَاطِلَة كَقَوْلِه ان اهل النّظر لَهُم أقاويل متعارضة الْأَحْوَال مُتَسَاوِيَة وكل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ والمطلع على الْجَوْهَر الله وَلَا يجوز أَن يخفى الله الْحق وَلَا يُوجد اُحْدُ كل الْأَمر الى الْخلق يتخبطون فِيهِ خبط العشواء ويقتحمون فِيهِ العماية العمياء الى غير ذَلِك من مُقَدمَات يت مستعصلة
وَأما حِيلَة الْخلْع والسلخ وَهِي هما متفقان وانما يفترقان فِي ان الْخلْع يخْتَص بِالْعَمَلِ فَإِذا أفضوا بالمستجيب إِلَى ترك حُدُود الشَّرْع وتكاليفه يَقُولُونَ وصلت الى دَرَجَة الْخلْع أما السلخ فَيخْتَص بالاعتقاد الَّذِي هُوَ خلع الدّين فاذا انتزعوا ذَلِك من قلبه دعوا ذَلِك سلخا وَسميت هَذِه الرُّتْبَة الْبَلَاغ الْأَكْبَر فَهَذَا تَفْصِيل تدريجهم الْخلق واستغوائهم فَلْينْظر النَّاظر فِيهِ وليستغفر الله من الضلال فِي دينه
[ ٣٢ ]