[ ٥٤ ]
وَفِيه فصلان الْفَصْل الاول فِي تأويلاتهم للظواهر
وَالْقَوْل الْوَجِيز فِيهِ انهم لما عجزوا عَن صرف الْخلق عَن الْقُرْآن وَالسّنة صرفوهم عَن المُرَاد بهما الى مخاريق زخرفوها واستفادوا بِمَا انتزعوه من نُفُوسهم من مُقْتَضى الْأَلْفَاظ إبِْطَال مَعَاني اشرع وَبِمَا زخرفوه من التأويلات تَنْفِيذ انقيادهم للمبايعة والموالاة وانهم لَو صَرَّحُوا بِالنَّفْيِ الْمَحْض والتكذيب الْمُجَرّد لم يحظوا بموالاة الموالين وَكَانُوا اول المقصودين المقتولين
وَنحن نحكي من تأويلاتهم نبدة لنستدل بهَا على مخازيهم فقد قَالُوا كل مَا ورد من الظَّوَاهِر فِي التكاليف والحشر والنشر والأمور الإلهية فَكلهَا أَمْثِلَة ورموز الى بواطن اما الشرعيات فَمَعْنَى الْجَنَابَة عِنْدهم مبادرة المستجيب بإفشاء سر إِلَيْهِ قبل أَن ينَال رُتْبَة اسْتِحْقَاقه وَمعنى الْغسْل تَجْدِيد
[ ٥٥ ]
الْعَهْد على فعل ذَلِك ومجامعة الْبَهِيمَة مَعْنَاهَا عِنْدهم معالجة من لَا عهد عَلَيْهِ وَلم يؤد شَيْئا من صَدَقَة النَّجْوَى وَهِي مائَة وَتِسْعَة عشر درهما عِنْدهم فَلذَلِك اوجب الشَّرْع الْقَتْل على الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ والا فالبهيمة مَتى وَجب الْقَتْل عَلَيْهَا وَالزِّنَا هُوَ القاء نُطْفَة الْعلم الْبَاطِن فِي نفس من لم يسْبق مَعَه عقد الْعَهْد الِاحْتِلَام هُوَ ان يسْبق لِسَانه الى إفشاء السِّرّ فِي غير مَحَله فَعَلَيهِ الْغسْل اي تَجْدِيد المعاهدة الطّهُور هُوَ التبري والتنظف من اعْتِقَاد كل مَذْهَب سوى مبايعة الامام الصّيام هُوَ الامساك عَن كشف السِّرّ الْكَعْبَة هِيَ النَّبِي وَالْبَاب عَليّ الصَّفَا هُوَ النَّبِي والمروة عَليّ والميقات هُوَ الاساس والتلبية إِجَابَة الدَّاعِي وَالطّواف بِالْبَيْتِ سبعا هُوَ الطّواف بِمُحَمد الى تَمام الْأَئِمَّة السَّبْعَة والصلوات الْخمس أَدِلَّة على الاصول الاربعة وعَلى الامام فالفجر دَلِيل السَّابِق وَالظّهْر دَلِيل التَّالِي وَالْعصر دَلِيل للأساس وَالْمغْرب دَلِيل النَّاطِق وَالْعشَاء دَلِيل الإِمَام
وَكَذَلِكَ زَعَمُوا أَن الْمُحرمَات عبارَة عَن ذَوي الشَّرّ من الرِّجَال وَقد تعبدنا باجتنابهم كَمَا أَن الْعِبَادَات عبارَة عَن الاخيار الْأَبْرَار الَّذين أمرنَا باتبَاعهمْ
[ ٥٦ ]
فَأَما الْمعَاد فَزعم بَعضهم أَن النَّار والاغلال عبارَة عَن الْأَوَامِر الَّتِي هِيَ التكاليف فانها موظفة على الْجُهَّال بِعلم الْبَاطِن فَمَا داموا مستمرين عَلَيْهَا فهم معذبون فَإِذا نالوا علم الْبَاطِن وضعت عَنْهُم أغلال التكاليف وسعدوا بالخلاص عَنْهَا واخذوا يؤولون كل لفظ ورد فِي الْقُرْآن وَالسّنة فَقَالُوا أَنهَار من لبن أَي معادن الدّين الْعلم الْبَاطِن يرتضع بهَا أَهلهَا ويتغذى بهَا تغذيا تدوم بهَا حَيَاته اللطيفة فَإِن غذَاء الرّوح اللطيفة بارتضاع الْعلم من الْمعلم كَمَا ان حَيَاة الْجِسْم الكثيف بارتضاع اللَّبن من ثدي الام وأنهار من خمر هُوَ الْعلم الظَّاهِر وأنهار من عسل مصفى هُوَ علم الْبَاطِن الْمَأْخُوذ من الْحجَج وَالْأَئِمَّة
أما المعجزات فقد أولُوا جَمِيعهَا وَقَالُوا الطوفان مَعْنَاهُ طوفان الْعلم اغرق بِهِ المتمسكون بِالسنةِ والسفينة حرزه الَّذِي تحصن بِهِ من اسْتَجَابَ لدعوته ونار ابراهيم عبارَة عَن غضب نمْرُود لَا عَن النَّار الْحَقِيقِيَّة وَذبح اسحق مَعْنَاهُ اخذ الْعَهْد عَلَيْهِ عَصا مُوسَى حجَّته الَّتِي تلقفت مَا كَانُوا يأفكون من الشّبَه لَا الْخشب انفلاق الْبَحْر افْتِرَاق علم مُوسَى فيهم على أَقسَام وَالْبَحْر هُوَ الْعَالم والغمام الَّذِي أظلهم مَعْنَاهُ الامام الَّذِي نَصبه مُوسَى لإرشادهم وإفاضة الْعلم عَلَيْهِم الْجَرَاد وَالْقمل والضفادع هِيَ سُؤَالَات مُوسَى وإلزاماته الَّتِي سلطت عَلَيْهِم والمن والسلوى علم نزل من السَّمَاء لداع من الدعاة هُوَ المُرَاد بالسلوى تَسْبِيح الْجبَال مَعْنَاهُ تَسْبِيح رجال شَدَّاد فِي الدّين راسخين فِي
[ ٥٧ ]
الْيَقِين
الْجِنّ الَّذِي ملكهم سُلَيْمَان بن دَاوُد باطنية ذَلِك الزَّمَان وَالشَّيَاطِين هم الظَّاهِرِيَّة الَّذِي كلفوا بِالْأَعْمَالِ الشاقة عِيسَى لَهُ أَب من حَيْثُ الظَّاهِر وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْأَبِ الإِمَام إِذْ لم يكن لَهُ إِمَام بل اسْتَفَادَ الْعلم من الله بِغَيْر وَاسِطَة وَزَعَمُوا لعنهم الله أَن أَبَاهُ يُوسُف النجار كَلَامه فِي المهد اطِّلَاعه فِي مهد القالب قبل التَّخَلُّص مِنْهُ على مَا يطلع عَلَيْهِ غَيره بعد الْوَفَاة والخلاص من القالب إحْيَاء الْمَوْتَى من عِيسَى مَعْنَاهُ الاحياء بحياة الْعلم عَن موت الْجَهْل الْبَاطِن وابراؤه الاعمى مَعْنَاهُ عَن عمي الضلال وبرص الْكفْر ببصيرة الْحق الْمُبين ابليس وآدَم عبارَة عَن ابي بكر وَعلي إِذْ امْر ابوبكر بِالسُّجُود لعَلي وَالطَّاعَة لَهُ فَأبى واستكبر الدَّجَّال زَعَمُوا انه ابو بكر وَكَانَ اعور إِذْ لم يبصر الا بِعَين الظَّاهِر دون عين الْبَاطِن ويأجوج وَمَأْجُوج هم اهل الظَّاهِر
هَذَا من هذيانهم فِي التأويلات حكيناها ليضحك مِنْهَا ونعوذ بِاللَّه من صرعة الغافل وكبوة الْجَاهِل ولسنا نسلك فِي الرَّد عَلَيْهِم الا بمسالك ثَلَاثَة إبِْطَال ومعارضة وَتَحْقِيق
أما الْإِبْطَال فَهُوَ أَن أَن يُقَال بِمَ عَرَفْتُمْ أَن المُرَاد من هَذِه الْأَلْفَاظ
[ ٥٨ ]
مَا ذكرْتُمْ فَإِن اخذتموه من نظر الْعقل فَهُوَ عنْدكُمْ بَاطِل وان سمعتموه من لفظ الامام الْمَعْصُوم فلفظه لَيْسَ بأشد تَصْرِيحًا من هَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِي أولتموها فَلَعَلَّ مُرَاده أَمر آخر اشد بطونا من الْبَاطِن الَّذِي ذكرتموه وَلكنه جَاوز الظَّاهِر بِدَرَجَة فَزعم ان المُرَاد بالجبال الرِّجَال فَمَا المُرَاد بِالرِّجَالِ لَعَلَّ المُرَاد بِهِ امْر آخر وَالْمرَاد بالشياطين اهل الظَّاهِر فَمَا اهل الظَّاهِر وَالْمرَاد بِاللَّبنِ الْعلم فَمَا معنى الْعلم فَإِن قلت الْعلم وَالرِّجَال اهل الظَّاهِر صَرِيحَة فِي مقتضياتها بِوَضْع اللُّغَة ان كنت نَاظرا بِالْعينِ العوراء الى اُحْدُ الْجَانِبَيْنِ فَأَنت المُرَاد إِذا بالدجال فَإِنَّهُ أَعور لانك أَبْصرت باحدى الْعَينَيْنِ فَإِن الرِّجَال ظَاهر وعميت بِالْعينِ الاخرى الناظرة الى الْجبَال وانها ايضا ظَاهر فَإِن قلت يُمكن ان يكنى بالجبال عَن الرِّجَال قُلْنَا وَيُمكن ان يكنى بِالرِّجَالِ عَن غَيرهم كَمَا عبر الشَّاعِر بِالرجلَيْنِ اللَّذين احدهما خياط وَالْآخر نساج عَن امور فلكية واسباب علوِيَّة فَقَالَ رجلَانِ خياط واخر حائك متقابلان على السماك الاعزل
لَا زَالَ ينسج ذَاك خرقَة مُدبر ويخيط صَاحبه ثِيَاب الْمقبل وَهَكَذَا فِي كل فن وَإِذا نزل تَسْبِيح الْجبَال على تَسْبِيح الرِّجَال فلينزل معنى الرِّجَال فِي قَوْله تَعَالَى ٨٨ رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله ٨٨ على الْجبَال فَإِن الْمُنَاسبَة قَائِمَة من الْجَانِبَيْنِ ثمَّ إِذا نزل الْجبَال على الرِّجَال وَنزل الرِّجَال أَيْضا على غَيره أمكن تَنْزِيل ذَلِك الْبَاطِن الثَّالِث على
[ ٥٩ ]
رَابِع وتسلسل إِلَى حد يبطل التفاهم والتفهيم وَلَا يُمكن التحكم بِأَن الْحَائِز الرُّتْبَة الثَّانِيَة دون الثَّالِثَة أَو الثَّالِثَة دون الرَّابِعَة المسلك الثَّانِي مُعَارضَة الْفَاسِد بالفاسد وَهُوَ أَن يتَنَاوَل جَمِيع الْأَخْبَار على نقيض مَذْهَبهم مثلا يُقَال قَوْله لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ صُورَة أى لَا يدْخل الْعقل دماغا فِيهِ التَّصْدِيق بالمعصوم وَقَوله إِذا ولغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم فليغسله سبعا أى إِذا نكح الباطني بنت أحدكُم فليغسلها عَن درن الصُّحْبَة بِمَاء الْعلم وصفاء الْعَمَل بعد أَن يعفرها بِتُرَاب الإذلال أَو يَقُول قَائِل النِّكَاح لَا ينْعَقد بِغَيْر شُهُود وَولى وَأما قَوْله كل نِكَاح لَا يحضرهُ أَرْبَعَة فَهُوَ سفاح مَعْنَاهُ أَن كل اعْتِقَاد لم يشْهد لَهُ الحلفاء الْأَرْبَعَة أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي فَهُوَ بَاطِل وَقَوله لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل أَي لَا وقاع إِلَّا بِذكر وأنثيين إِلَى غير ذَلِك من الترهات وَالْمَقْصُود من ذكر هَذَا الْقدر مُعَارضَة الْفَاسِد بالفاسد وتعريف الطَّرِيق فِي فتح هَذَا الْبَاب حَتَّى إِذا اهتديت إِلَيْهِ لم تعجز عَن تَنْزِيل كل لَفْظَة من كتاب أَو سنة على نقيض معتقدهم فَإِن زَعَمُوا أَنكُمْ أنزلتم الصُّورَة على الْمَعْصُوم فِي قَوْله لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ صُورَة فَأَي مُنَاسبَة بَينهمَا قلت وَأَنْتُم نزلتم الثعبان على الْبُرْهَان وَالْأَب فِي حق عِيسَى على الإِمَام وَاللَّبن على الْعلم فِي أَنهَار اللَّبن فِي الْجنَّة وَالْجِنّ على الباطنية وَالشَّيَاطِين على الظَّاهِرِيَّة وَالْجِبَال على الرِّجَال فَمَا الْمُنَاسبَة فَإِن قلت الْبُرْهَان يقضم الشّبَه كَمَا يقضم الثعبان غَيره وَالْإِمَام يُفِيد الْوُجُود العلمي كَمَا يُفِيد الْأَب الْوُجُود الشخصي وَاللَّبن يغذي الشَّخْص كَمَا
[ ٦٠ ]
يغذي الْعلم الرّوح وَالْجِنّ بَاطِن كالباطنيه فَيُقَال لَهُم فاذا اكتفيتم بِهَذَا الْقدر من الْمُشَاركَة فَلم يخلق الله شَيْئَيْنِ إِلَّا وَبَينهمَا مُشَاركَة فِي وصف مَا فَإنَّا نزلنَا الصُّورَة على الإِمَام لَان الصُّورَة مِثَال لَا روح فِيهَا كَمَا أَن الامام عنْدكُمْ مَعْصُوم وَلَا معْجزَة لَهُ والدماغ مسكن الْعقل كَمَا ان الْبَيْت مسكن الْعَاقِل وَالْملك شئ روحاني كَمَا أَن الْعقل كَذَلِك فَثَبت أَن المُرَاد بقوله لَا تدخل الْمَلَائِكَة بَيْتا فِيهِ صُورَة مَعْنَاهُ لَا يدْخل الْعقل دماغا فِيهِ اعتقادا عصمَة الإِمَام فَإِذا عرفت هَذَا فَخذ كل لفظ ذَكرُوهُ وَخذ مَا تريده واطلب مِنْهُمَا الْمُشَاركَة بِوَجْه مَا وتأوله عَلَيْهِ فَيكون دَلِيلا بِمُوجب قَوْلهم كَمَا عرفتك فِي الْمُنَاسبَة بَين الْملك وَالْعقل والدماغ وَالْبَيْت وَالصُّورَة وَالْإِمَام وَإِذا انْفَتح لَك الْبَاب اطَّلَعت على وَجه حيلهم فِي التلبيس بِنَزْع مُوجبَات الْأَلْفَاظ وَتَقْدِير الهوسات بَدَلا عَنْهَا للتوصل إِلَى إبِْطَال الشَّرْع وَهَذَا الْقدر كَاف فِي إبِْطَال تأويلهم المسلك الثَّالِث وَهُوَ التَّحْقِيق أَن تَقول هَذِه البواطن والتأويلات الَّتِي ذكرتموها لَو سامحناكم أَنَّهَا صَحِيحَة فَمَا حكمهَا فِي الشَّرْع أيجب إِخْفَاؤُهَا أم يجب إفشاؤها فَإِن قُلْتُمْ يجب إفشاؤها إِلَى كل أحد قُلْنَا فَلم كتمها مُحَمَّد ﷺ فَلم يذكر شَيْئا من ذَلِك للصحابة ولعامة الْخلق حَتَّى درج ذَلِك الْعَصْر وَلم يكن لأحد من هَذَا الْجِنْس خبر
[ ٦١ ]
وَكَيف إستجاز كتمان دين الله وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ تنبها على أَن الدّين لَا يحل كِتْمَانه وَإِن زَعَمُوا أَنه يجب إخفاؤه فَنَقُول مَا أوجب الرَّسُول ﷺ إخفاؤهمن سر الدّين كَيفَ حل لكم إفشاؤه وَالْجِنَايَة فِي السِّرّ بالإفشاء مِمَّن اطلع عَلَيْهِ من أعظم الْجِنَايَات فلولا أَن صَاحب الشَّرْع عرف سرا عَظِيما ومصلحة كُلية فِي إخفاء هَذِه الْأَسْرَار لما أخفاها وَلما كرر هَذِه الظَّوَاهِر على أسماع الْخلق وَلما تَكَرَّرت فِي كَلِمَات الْقُرْآن صفة الْجنَّة وَالنَّار بِأَلْفَاظ صَرِيحَة مَعَ علمه بِأَن النَّاس يفهمون مِنْهُ خلاف الْبَاطِن الَّذِي هُوَ حق ويعتقدون هَذِه الظَّوَاهِر الَّتِي لَا حَقِيقَة لَهَا فَإِن نسبتموه إِلَى الْجَهْل بِمَا فهمه الْخلق مِنْهُ فَهُوَ نِسْبَة إِلَى الْجَهْل بِمَعْنى الْكَلَام إِذْ كَانَ النَّبِي ﷺ يعلم قطعا أَن الْخلق لَيْسَ يفهمون من قَوْله وظل مَمْدُود وَمَاء مسكوب وَفَاكِهَة كَثِيرَة إِلَّا الْمَفْهُوم مِنْهُ فِي اللُّغَة فَكَذَا سَائِر الْأَلْفَاظ ثمَّ مَعَ علمه بذلك كَانَ يؤكده عَلَيْهِم بالتكرير وَالْقسم وَلم يفش إِلَيْهِم الْبَاطِن الَّذِي ذكرتموه لعلمه بِأَنَّهُ سر الله المكتوم فَلم أفشيتم هَذَا السِّرّ وخرقتم هَذَا الْحجاب وَهل هَذَا إِلَّا خُرُوج عَن الدّين وَمُخَالفَة لصَاحب الشَّرْع وَهدم لجَمِيع مَا أسسه إِن سلم لكم جدلا أَن مَا ذكرتموه من الْبَاطِن حق عِنْد الله وَهَذَا لَا مخرج لَهُم عَنهُ فَإِن قيل هَذَا سر لَا يجوز إفشاؤه إِلَى عوام الْخلق فَلهَذَا لم يفشه رَسُول الله ﷺ وَلَكِن حق النَّبِي أَن يفشيه إِلَى سوسه الَّذِي هُوَ وَصِيَّة وخليفته من بعده وَقد أفشاه إِلَى عَليّ دون غَيره قُلْنَا وَعلي هَل أفشاه إِلَى غير سوسه وخليفته أم لَا
[ ٦٢ ]
فَإِن لم يفشه إِلَّا إِلَى سوسه وَكَذَا سوس سوسه وَخَلِيفَة خَلِيفَته إِلَى الْآن فَكيف انْتهى إِلَى هَؤُلَاءِ الْجُهَّال من الْعَوام حَتَّى تناطقوا بِهِ وشحنت التصانيف بحكايته وتداولته الْأَلْسِنَة فَلَا بُد أَن يُقَال إِن وَاحِدًا من الْخُلَفَاء عصى وَأفْشى السِّرّ إِلَى غير أَهله فانتشر وَعِنْدهم أَنهم معصومون لَا يتَصَوَّر عَلَيْهِم الْعِصْيَان فَإِن قيل السوس لَا يذكرهُ إِلَّا مَعَ من تعاهده عَلَيْهِ قُلْنَا وَمَا الَّذِي منع الرَّسُول من أَن يعاهد ويذكره إِن كَانَ يجوز إفشاؤه مَعَ الْعَهْد فَإِن قيل لَعَلَّه عَاهَدَ وَذكر وَلَكِن لم ينْقل لأجل الْعَهْد الَّذِي أَخذ مِمَّن أفشى إِلَيْهِ قُلْنَا وَلم انْتَشَر ذَلِك فِيكُم وأئمتكم لَا يظهرون ذَلِك إِلَّا مَعَ من أَخذ الْعَهْد عَلَيْهِ وَمَا الَّذِي عصم عهد أُولَئِكَ دون عهد هَؤُلَاءِ ثمَّ يُقَال إِذا جَازَ إفشاء هَذَا السِّرّ بالعهد فالعهد يتَصَوَّر نقضه فَهَل يتَصَوَّر أَن يفشيه إِلَى من يعلم الإِمَام الْمَعْصُوم أَنه لَا ينْقضه أَو يكفى أَن يَظُنّهُ بفراسته واجتهاده واستدلاله بالأمارات فَإِن قُلْتُمْ لَا يجوز إِلَّا إِلَى من علم الإِمَام الْمَعْصُوم أَنه لَا ينْقضه بتعريف من جِهَة الله فَكيف انتشرت هَذِه الْأَسْرَار الى كَافَّة الْخلق وَلم تَنْتَشِر الا مِمَّن سمع فإمَّا ان يكون الْمبلغ نَاقِصا للْعهد اَوْ لم يعاهدأصلاوفي احدهما نِسْبَة الْمَعْصُوم الى الْجَهْل وَفِي
[ ٦٣ ]
الاخر نسبته الى الْمعْصِيَة وَلَا سَبِيل الى وَاحِد مِنْهُمَا عِنْدهم وان زعمتم أَنه يحل الإفشاء بالعهد عِنْد شَهَادَة الفراسة فِي الْمَأْخُوذ عَلَيْهِ عَهده انه لَا ينقصهُ اسْتِدْلَالا بالأمارات فَفِي هَذَا نقض اصل مَذْهَبهم لانهم زَعَمُوا انه لَا يجوز اتِّبَاع أَدِلَّة الْعقل وَنَظره لَان الْعُقَلَاء مُخْتَلفُونَ فِي النّظر فَفِيهِ خطر الخظأ فَكيف حكمُوا بالفراسة والامارة الَّتِي الْخَطَأ أغلب عَلَيْهَا من الصَّوَاب وَفِي ذَلِك إفشاء سر الدّين وَهُوَ أعظم الاشياء خطرا وَقد منعُوا التَّمَسُّك بِالظَّنِّ وَالِاجْتِهَاد فِي الفقهيات الَّتِي هِيَ حكم بَين الْخلق على سَبِيل التَّوَسُّط فِي الْخُصُومَات ثمَّ ردوا افشاء سر الدّين الى الخيالات والفراسات وَهَذَا مَسْلَك متين يتفطن لَهُ الذكي ويتبجح بِهِ المشتغل بعلوم الشَّرْع إِذْ يتَيَقَّن قطعا ان الْقَائِل قائلان قَائِل يَقُول لَا بَاطِن لهَذِهِ الظَّوَاهِر وَلَا تَأْوِيل لَهَا فالتأويل بَاطِل قطعا وَقَائِل ينقدح لَهُ ان ذَلِك يُمكن ان يكون كنايات عَن بواطن لم يَأْذَن الله لرَسُول الله ﷺ بَان يُصَرح بالبواطن بل ألزمهُ النُّطْق بالظواهر فَصَارَ النُّطْق بالباطن حَرَامًا بَاطِلا وفجورا مَحْظُورًا ومراغمة لواضع الشَّرْع وَهَذِه التأسيسة بالِاتِّفَاقِ فَلَيْسَ اهل عصرنا مَعَ بعد الْعَهْد بِصَاحِب الشَّرْع وانتشار الْفساد واستيلاء الشَّهَوَات على الْخلق وإعراض الكافة عَن امور الدّين أطوع للحق وَلَا اقبل للسر وَلَا آمن عَلَيْهِ وَلَا أَحْرَى بفهمه وَالِانْتِفَاع بِهِ من أهل عصر رَسُول الله ﷺ وَهَذِه الْأَسْرَار والتأويلات ان كَانَ لَهَا حَقِيقَة فقد
[ ٦٤ ]
أقفل اسماعهم عَنْهَا وألجم أَفْوَاه الناطقين عَن اللهج بهَا وَلنَا فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة فِي قَوْله وَفعله فَلَا نقُول الا مَا قَالَ وَلَا نظهر الا مَا يظْهر ونسكت عَمَّا سكت عَنهُ وَفِي الافعال نحافظ على الْعِبَادَات بل على التَّهَجُّد والنوافل وأنواع المجاهدات ونعلم ان مَا لم يسْتَغْن عَنهُ صَاحب الشَّرْع فَنحْن لَا نستغني عَنهُ وَلَا ننخدع بقول الحمقى إِن نفوسنا اذا صفت بِعلم الْبَاطِن استغنينا عَن الاعمال الظَّاهِرَة بل نستهزئ بِهَذَا الْقَائِل الْمَغْرُور ونقول لَهُ يَا مِسْكين أتعتقد ان نَفسك اصغي وأزكي من نفس رَسُول الله ﷺ وَقد كَانَ يقوم لَيْلًا يصلى حَتَّى تنتفخ قدماه اَوْ يعْتَقد انه كَانَ يتنمس بِهِ على عَائِشَة ليُخَيل إِلَيْهَا أَن الدّين حق وَقد كَانَ عَالما بِبُطْلَانِهِ فان اعتقدت الأول فَمَا احمقك وَلَا نزيدك عَلَيْهِ وان اعتقدت الثَّانِي فَمَا أكفرك واجحدك ولسنا نناظرك عَلَيْهِ لَكنا نقُول إِذا أَخذنَا بِأَسْوَأ الْأَحْوَال وَقصرت أَدِلَّة عقولنا مثلا عَن دَرك ضلالك وجهلك وَعَن الاحاطة بِصدق رَسُول الله ﷺ فَإنَّا نرى بدائه عقولنا تقضي بِأَن الخسران فِي زمرة مُحَمَّد ﷺ وموافقته والقناعة بِمَا رَضِي هُوَ لنَفسِهِ اولى من الْفَوْز مَعَك أَيهَا المخذول الْجَاهِل بل الْمَعْتُوه
[ ٦٥ ]
المخبل فَلْينْظر الان الْمنصف فِي آخر هَذَا وأوله فآخره يقنع الْعَوام بل الْعَجَائِز وأوله يُفِيد الْبُرْهَان الْحَقِيقِيّ لكل مُحَقّق آنس بعلوم الشَّرْع وناهيك بِكَلَام ينْتَفع بِهِ كَافَّة الْخلق على اخْتِلَاف طبقاتهم فِي الْعلم وَالْجهل الْفَصْل الثَّانِي فِي استدلالهم بالأعداد والحروف
هَذَا فن من الْجَهَالَة اخْتصّت بِهِ هَذِه الْفرْقَة من بَين الْفرق فَإِن طوائف الضلال مَعَ انشعاب كَلَامهم وانتشار طرقهم فِي نظم الشُّبُهَات لم تتطلخ طَائِفَة مِنْهُم بِهَذَا الْجِنْس واستركوها وَعلم عوامهم وجهالهم بِالضَّرُورَةِ بُطْلَانهَا فاجتووها وتشبث بهَا هَؤُلَاءِ وَلَا غرو فالغريق بِكُل شئ يتَمَسَّك والغبي بِكُل ايهام يتزلزل ويتشكك وَنحن نذْكر شَيْئا يَسِيرا مِنْهُ ليشكر النَّاظر فِيهِ ربه على سَلامَة الْعقل واعتدال المزاج وَصِحَّة الْفطْرَة فَإِن الانخداع بِمثل ذَلِك لَا ينبعث الا من العته والخبل فِي الْعقل
فقد قَالُوا ان الثقب على رَأس الْآدَمِيّ سَبْعَة وَالسَّمَوَات سَبْعَة
[ ٦٦ ]
والارضون سبع والنجوم سَبْعَة أَعنِي السيارة وَأَيَّام الاسبوع سَبْعَة فَهَذَا يدل على أَن دور الْأَئِمَّة يتم بسبعة وَزَعَمُوا ان الطبائع ارْبَعْ وان فُصُول السّنة اربعة فَهَذَا يدل على الاصول الاربعة وَهِي السَّابِق والتالي الإلآهان والناطق والأساس الإمامان
وَزَعَمُوا ان البروج اثْنَا عشر فتدل على الْحجَج الاثنى عشر كَمَا نَقَلْنَاهُ فِي مَذْهَبهم وَرُبمَا استثاروا من شكل الْحَيَوَانَات دلالات فَقَالُوا الْآدَمِيّ على شكل حُرُوف مُحَمَّد فان رَأسه مثل مِيم ويداه مبسوطتان كالحاء وعجزه ك الْمِيم وَرجلَاهُ ك الدَّال وَبِهَذَا الْجِنْس يَتَكَلَّمُونَ على شكل الطُّيُور والبهائم وَرُبمَا تأولوا من الْحُرُوف واعدادها فَقَالُوا قد قَالَ النَّبِي ﷺ امرت ان أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَائِهِمْ واموالهم الا بِحَقِّهَا قيل وَمَا حَقّهَا قَالَ معرفَة حُدُودهَا
[ ٦٧ ]
وَزَعَمُوا أَن حُدُودهَا معرفَة اسرار حروفها وَهِي ان لَا إِلَه الا الله ارْبَعْ كَلِمَات وَسَبْعَة فُصُول وَهِي قطع لَا إِلَه الا الله وَثَلَاثَة جَوَاهِر // فَإِن لَا حرف يبْقى إِلَه وَإِلَّا الله فَهِيَ ثَلَاثَة جَوَاهِر // وَالْجُمْلَة اثْنَا عشر حرفا وَزَعَمُوا ان الْكَلِمَات الاربع دَالَّة على المدبرين العلوين السَّابِق والتالي والمدبرين السفليين النَّاطِق والاساس هَذِه دلَالَته على الروحانيات فَأَما على الجسمانيات فانها الطبائع الاربع واما الْجَوَاهِر الثَّلَاثَة فدالة على جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل من الروحانيات وَمن الجسمانيات على الطول وَالْعرض والعمق إِذْ بهَا ترى الاجسام والفصول السَّبْعَة تدل من الروحانيات على الانبياء السَّبْعَة وَمن الجسمانيات على الْكَوَاكِب السَّبْعَة لِأَنَّهُ لَو الْأَنْبِيَاء السَّبْعَة لما اخْتلفت الشَّرَائِع كَمَا أَنه لَوْلَا الْكَوَاكِب السَّبْعَة لما اخْتلفت الْأَزْمِنَة والحروف الاثنا عشر تدل على الْحجَج الاثنى عشر (// وَفِي الجسمانيات على البروج الاثنى عشر //) وَهَكَذَا تصرفوا فِي قَول مُحَمَّد رَسُول الله وَفِي الْحُرُوف وَفِي اوائل السُّور وأبرزوا ضروبا من الحماقات تضحك المجانين فضلا عَن الْعُقَلَاء وناهيك خزيا بطَائفَة هَذَا مَنْهَج استدلالهم ولسنا نكثر حِكَايَة هَذَا الْجِنْس عَنْهُم اكْتِفَاء بِهَذَا الْقدر فِي تَعْرِيف مخازيهم وَهَذَا فن يعرف بضرورة الْعقل
[ ٦٨ ]
بُطْلَانه فَلَا يحْتَاج الى ابطاله الا انا نعلمك فِي افحام الغبي والمعاند مِنْهُم مسلكين مُطَالبَة ومعارضة أما الْمُطَالبَة فَهُوَ أَن يُقَال وَمن أَيْن عَرَفْتُمْ هَذِه الدلالات وَلَو حكم الانسان بهَا لحكم على نَفسه بانه من سوء مزاجه أثار عَلَيْهِ الاخلاط فأورث اضغاث الأحلام وَقد اضلكم الله الى هَذَا الْحَد حَتَّى لم يستحيوا مِنْهَا أعرفتم صِحَّتهَا بضرورة الْعقل اَوْ نظر اَوْ سَماع من إمامكم الْمَعْصُوم فَإِن ادعيتم الضَّرُورَة باهتم عقولكم واخترعتم ثمَّ لم تسلموا من معَارض يدعى انه عرف بِالضَّرُورَةِ بُطْلَانه ثمَّ يكون مقَامه من تعَارض الْحق بالفاسد مقَام من يُعَارض الْفَاسِد بالفاسد وان عَرَفْتُمْ بِنَظَر الْعقل فَنظر الْعقل عنْدكُمْ بَاطِل لاخْتِلَاف الْعُقَلَاء فِي نظرهم وَإِن صَدقْتُمْ بِهِ فأفيدونا وَجه النّظر وسياقه وَمَا بِهِ الِاسْتِدْلَال على هَذِه الحماقات وان عَرَفْتُمْ ذَلِك من قَول الإِمَام الْمَعْصُوم فبينوا ان النَّاقِل عَنهُ مَعْصُوم اَوْ بلغ الناقلون عَنهُ حد التَّوَاتُر ثمَّ صححوا ان الإِمَام الْمَعْصُوم لَا يُخطئ ثمَّ بينوا انه يَسْتَحِيل ان يفهم مَا يعرف بُطْلَانه فَلَعَلَّهُ خدعكم بِهَذِهِ الحماقات وهويعلم بُطْلَانهَا كَمَا زعمتم أَن النَّبِي ﷺ خدع الْخلق بِصفة الْجنَّة وَالنَّار وَبِمَا يَحْكِي عَن
[ ٦٩ ]
الْأَنْبِيَاء من إحْيَاء الْمَوْتَى وقلب الْعَصَا ثعبانا وَقد كذب فِي جَمِيعهَا وَذكرهَا مَعَ علمه بِأَنَّهَا لم يكن مِنْهَا شئ وان النَّاس يفهمون مِنْهَا على الْقطع ظواهرها وانه كَانَ يقْصد تفهيم الظَّوَاهِر وَيعلم انهم يفهمون مَا يفهمهم من الظَّوَاهِر وَهُوَ خلاف الْحق وَلَكِن رأى فِيهِ مصلحَة فَلَعَلَّ إمامكم الْمَعْصُوم رأى من الْمصلحَة ان يستهزئ بعقولكم ويضحك من أذقانكم فَألْقى اليكم هَذِه الترهات إِظْهَارًا لغاية الِاسْتِيلَاء عَلَيْكُم والاستعباد لكم وافتخارا بغاية الدهاء والكياسة فِي التلبيس عَلَيْكُم فليت شعري بِمَاذَا أمنتم الْكَذِب عَلَيْهِ لمصْلحَة رَآهَا وَقد صرحتم بذلك عَن النَّبِي ﷺ وَهل بَينهمَا فرق إِلَّا أَن النَّبِي ﷺ مؤيد بالمعجزة الدَّالَّة على صدقه وَالَّذِي اليه استرواحكم لَا معْجزَة لَهُ سوى حماقتكم هَذَا سَبِيل الْمُطَالبَة
وَأما الْمُعَارضَة فلسنا نقصد لتعيين الصُّور وَلَكِن نعلمك طَرِيقا يعم
[ ٧٠ ]
كل مَا فِي الْعَالم من الاشكال والحروف فان كل مَوْجُود فَهُوَ من الْوَاحِد الى الْعشْرَة فَمَا فَوْقهَا لَا محَالة فمهما رَأَيْت شَيْئا وَاحِدًا فاستدل بِهِ على مُحَمَّد صلى الله عيه وَسلم وَإِذا رَأَيْت اثْنَيْنِ فَقل هُوَ دلَالَة على الشَّيْخَيْنِ ابي بكر وَعمر وان كَانَ ثَلَاثَة فمحمد ﷺ وابوبكر وَعمر إِن كَانَ اربعة فالخلفاء الاربعة وان كَانَ خَمْسَة فعلى مُحَمَّد مَعَ الْخُلَفَاء والاربعة وَقل اما تعرفُون السِّرّ ان الثقب على رَأس الْآدَمِيّ خمس مَا هُوَ الْوَاحِد وَهُوَ الْفَم يدل على النَّبِي مُحَمَّد ﷺ فانه وَاحِد والعينان والمنخران على الْخُلَفَاء الاربعة ونقول اما تعرفُون السِّرّ فِي اسْم مُحَمَّد وانه اربعة حُرُوف مَا هُوَ فَإِذا قالوالا فَنَقُول هُوَ السِّرّ الَّذِي لَا يطلع عَلَيْهِ الا ملك مقرب فانه يبنيه على ان اسْم خَلِيفَته اربعة حُرُوف وَهُوَ عَتيق دون عَليّ الَّذِي اسْمه ثَلَاثَة احرف فَإِذا وجدت سَبْعَة فاستدل بِهِ على سَبْعَة من خلفاء بني أُميَّة مُبَالغَة فِي إرغامهم وإجلالا لبني الْعَبَّاس عَن الْمُعَارضَة بهم وَقل عدد السَّمَوَات السَّبع والنجوم والاسبوع دَال على مُعَاوِيَة وَيزِيد ثمَّ مَرْوَان ثمَّ عبد الْملك ثمَّ الْوَلِيد ثمَّ عمر بن عبد الْعَزِيز ثمَّ هِشَام ثمَّ السَّابِع المنتظر وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ السسفياني وَهُوَ قَول الأموية من الإمامية أَو قابلهم بِمذهب الراوندية وَقل إِنَّه يدل على الْعَبَّاس ثمَّ عبد الله ابْن الْعَبَّاس (// ثمَّ عَليّ بن عبد الله //) ثمَّ مُحَمَّد بن عَليّ ثمَّ
[ ٧١ ]
ابراهيم ثمَّ ابو الْعَبَّاس السفاح ثمَّ الْمَنْصُور وَكَذَلِكَ مَا تَجدهُ من عشرَة اَوْ اثنى عشر فعد من خلفاء بني الْعَبَّاس بعددهم ثمَّ انْظُر هَل تَجِد بَين الْكَلَامَيْنِ فصلا وَبِه يتَبَيَّن فَسَاد كَلَامهم وافتضاحهم وإلزامهم باستدلالهم وَهَذَا الْجِنْس من الْكَلَام لَا يَلِيق بالمحصل فِيهِ الْإِكْثَار مِنْهُ فلنعدل عَنهُ الى غَيره
[ ٧٢ ]
الْبَاب السَّادِس فِي الْكَشْف عَن تلبيساتهم الَّتِي زوقوها بزعمهم فِي معرض الْبُرْهَان على ابطال النّظر الْعقلِيّ واثبات وجوب التَّعَلُّم من الامام الْمَعْصُوم
وطريقنا ان نرتب شبههم على اقصى الْإِمْكَان ثمَّ نكشف عَن مكمن التلبيس فِيهَا وَآخر دَعوَاهُم ان الْعَارِف بحقائق الاشياء هُوَ المتصدي للْإِمَامَة بِمصْر وانه يجب على كَافَّة الْخلق طَاعَته والتعلم مِنْهُ لينالوا بِهِ سَعَادَة الدُّنْيَا والاخرة ودليلهم عَلَيْهِ قَوْلهم ان كل مَا يتَصَوَّر الْخَبَر عَنهُ بِنَفْي وَإِثْبَات فَفِيهِ حق وباطل وَالْحق وَاحِد وَالْبَاطِل مَا يُقَابله إِذْ لَيْسَ الْكل حَقًا وَلَا الْكل بَاطِلا فَهَذِهِ مُقَدّمَة
ثمَّ تَمْيِيز الْحق عَن الْبَاطِل لَا بُد مِنْهُ فَهُوَ امْر وَاجِب لَا يسْتَغْنى عَنهُ اُحْدُ فِي صَلَاح دينه ودنياه فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثَانِيَة ثمَّ دَرك الْحق لَا يَخْلُو اما ان يعرفهُ الانسان بِنَفسِهِ من عقله بنظره دون تعلم اَوْ يعرفهُ من غَيره بتَعَلُّم فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثَالِثَة وَإِذا بطلت مَعْرفَته بطرِيق الِاسْتِقْلَال بِالنّظرِ وتحكيم الْعُقُول فِيهِ وَجب التَّعَلُّم من الْغَيْر ضَرُورَة
[ ٧٣ ]
ثمَّ الْمعلم إِمَّا أَن يشْتَرط كَونه مَعْصُوما من الْخَطَأ والزلل مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الخاصية واما ان يجوز التَّعَلُّم من كل أحد وَإِذا بَطل التَّعَلُّم من كل اُحْدُ أَي وَاحِد كَانَ لِكَثْرَة الْقَائِلين المعلمين وتعارض اقوالهم ثَبت وجوب التَّعَلُّم من شخص مَخْصُوص بالعصمة من سَائِر النَّاس فَهَذِهِ مُقَدّمَة رَابِعَة ثمَّ الْعَالم لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يجوز خلوه من ذَلِك الْمَعْصُوم اَوْ يَسْتَحِيل خلوه وباطل تَجْوِيز خلوه لانه إِذْ اثْبتْ انه مدرك الْحق فَفِي اخلاء الْعَالم عَنهُ تَغْطِيَة الْحق وحسم السَّبِيل عَن إِدْرَاكه وَفِيه فَسَاد امور الْخلق فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَهُوَ عين الظُّلم المناقض للحكمة فَلَا يجوز ذَلِك من الله سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْحَكِيم الْمُقَدّس عَن الظُّلم والقبائح فَهَذِهِ مُقَدّمَة خَامِسَة ثمَّ ذَلِك الْمَعْصُوم الَّذِي لَا بُد من وجوده فِي الْعَالم لَا يَخْلُو اما ان يحل لَهُ ان يخفي نَفسه فَلَا يظْهر وَلَا يَدْعُو الْخلق الى الْحق اَوْ يجب عَلَيْهِ التَّصْرِيح وباطل ان يحل لَهُ الْإخْفَاء فَإِنَّهُ كتمان للحق وَهُوَ ظلم يُنَاقض الْعِصْمَة فَهَذِهِ مُقَدّمَة سادسة وَقد ثَبت أَن فِي الْعَالم مَعْصُوما مُصَرحًا بِهَذِهِ الدَّعْوَى وَبَقِي النّظر فِي تَعْيِينه فان كَانَ فِي الْعَالم مدعيان الْتبس علينا تَمْيِيز المحق عَن الْمُبْطل وان لم يكن الا مُدع وَاحِد فِي مَحل الإلتباس كَانَ ذَلِك هُوَ
[ ٧٤ ]
الْمَعْصُوم قَطْعِيا وَلم يفْتَقر الى دَلِيل ومعجزة وَيكون مِثَاله مَا إِذا علم ان فِي بَيت فِي الدَّار رجلا هُوَ عَالم ثمَّ رَأينَا فِي بَيت رجلا فَإِن كَانَ فِي الدَّار بَيت اخر بَقِي لنا شكّ فِي الَّذِي رَأَيْنَاهُ انه ذَلِك الْعَالم اَوْ غَيره فإذاعرفنا أَنه لَا بَيت فِي الدَّار سوى هَذَا الْبَيْت علمنَا ضَرُورَة انه الْعَالم فَكَذَلِك القَوْل فِي الامام الْمَعْصُوم فَهَذِهِ مُقَدّمَة سابعة وَقد علم قطعا انه لَا اُحْدُ فِي عَالم الله يَدعِي انه الامام الْحق والعارف بأسرار الله فِي جَمِيع المشكلات النَّائِب عَن رَسُول الله فِي جَمِيع المعقولات والمشروعات الْعَالم بالتنزيل والتأويل علما قَطْعِيا لَا ظنيا الا المتصدي لِلْأَمْرِ بِمصْر فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثامنة
فَإِذا هُوَ الإِمَام الْمَعْصُوم الَّذِي يجب على كَافَّة الْخلق تعلم حقائق الْحق وتعرف مَعَاني الشَّرْع مِنْهُ وَهِي النتيجة الَّتِي كُنَّا نطلبها
وَعند هَذَا يَقُولُونَ إِن من لطف الله وصنعه مَعَ الْخلق أَلا يتْرك احدا فِي الْخلق يَدعِي الْعِصْمَة سوى الإِمَام الْحق إِذْ لَو ظهر مُدع آخر لعسر تَمْيِيز المحق عَن الْمُبْطل وضل الْخلق فِيهِ فَمن هَذَا لَا نرى قطّ لإِمَام خصما بل نرى لَهُ مُنْكرا كَمَا أَن النَّبِي ﷺ لم يكن لَهُ خصم قطّ والخصم هُوَ الَّذِي يَقُول لست أَنْت نَبيا وَإِنَّمَا أَنا النَّبِي وَالْمُنكر هُوَ الَّذِي لَا يَدعِي لنَفسِهِ وانما يُنكر نبوته فَهَكَذَا يكون امْر الإِمَام قَالُوا واما بَنو الْعَبَّاس وان لم يَنْفَكّ الزَّمَان عَن معارضتهم فَلم يكن فيهم من يَدعِي لنَفسِهِ الْعِصْمَة والاطلاع من جِهَة الله تَعَالَى على حقائق الْأُمُور وأسرار الشَّرْع والاستغناء عَن النّظر وَالِاجْتِهَاد بِالظَّنِّ فَهَذِهِ الخاصية هِيَ الْمَطْلُوبَة وَقد تفرد بِهَذِهِ الدَّعْوَى عترة رَسُول
[ ٧٥ ]
الله صلى الله عيه وَسلم وَذريته وَصرف الله دواعي الْخلق عَن معارضتهم فِي الدَّعْوَى لمثلهَا ليستقر الْحق فِي نصابه وينجلي الشَّك عَن قُلُوب الْمُؤمنِينَ رَحْمَة من الله ولطفا حَتَّى ان فرض شخص يدعى لنَفسِهِ ذَلِك فَلَا يذكرهُ الا فِي معرض هزل اَوْ مجادلة فَأَما أَن يسْتَمر عَلَيْهِ مُعْتَقدًا اَوْ يعْمل بِمُوجبِه فَلَا
وَهَذِه مُقَدمَات وَاضِحَة لم نهمل من جُمْلَتهَا الا الدَّلِيل على ابطال نظر الْعقل حَيْثُ قُلْنَا الْحق اما ان يعرفهُ الانسان بِنَفسِهِ من عقله اَوْ يتعلمه من غَيره وَنحن الْآن ندل على بطلَان نظر الْعقل بأدلة عقلية وشرعية وَهِي خَمْسَة
أما الأول وَهِي دلَالَة عقلية ان من يتبع مُوجب الْعقل ويصدقه فَفِي تَصْدِيقه تَكْذِيبه وَهُوَ غافل عَنهُ لانه مَا من مسئلة نظرية يعتقدها بنظره الْعقلِيّ الا وَله فِيهَا خصم اعْتقد بِنَظَر الْعقل نقيضها فَإِن كَانَ الْعقل حَاكما صَادِقا فقد صدق عقل خصمك ايضا فَإِن قلت لم يصدق خصمي فقد تنَاقض كلامك إِذا صدقت عقلا وكذبت مثله فان قلت صدق خصمي فخصمك يَقُول انت كَاذِب مُبْطل وان زعمت انه لَا عقل لخصمي وانما الْعقل لي فَهَذِهِ ايضا دَعْوَى خصمك فبماذا تتَمَيَّز عَنهُ أبطول اللِّحْيَة ام ببياض الْوَجْه ام بِكَثْرَة السعل اَوْ الحدة فِي الدُّعَاء وَعند هَذَا يطلقون لِسَان الِاسْتِهْزَاء والإستخفاف معتقدين ان لَهُم بكلامهم الْيَد الْبَيْضَاء الَّتِي لَا جَوَاب عَنْهَا
[ ٧٦ ]
الدّلَالَة الثَّانِيَة قَوْلهم إِذا حَاكم مسترشد تشكك فِي مسئلة شَرْعِيَّة اَوْ عقلية وَزعم انه عَاجز عَن معرفَة دليلها فَمَاذَا تتقولون لَهُ أفتحيلونه على عقله وَلَعَلَّه الْعَاميّ الجلف الَّذِي لَا يعرف أَدِلَّة الْعُقُول اَوْ هُوَ الذكي الَّذِي ضرب سِهَام الرَّأْي على حسب امكانه فَلم تنكشف لَهُ المسئلة وَبَقِي متشككا افتردونه الى عقله الَّذِي هُوَ معترف بقصوره وَهَذَا محَال اَوْ تَقولُونَ لَهُ تعلم طَرِيق النّظر وَدَلِيل المسئلة مني فان قُلْتُمْ ذَلِك فقد ناقضتم قَوْلكُم بِإِبْطَال التَّعْلِيم إِذْ امرتم بالتعليم وجعلتم التَّعْلِيم طَرِيقا وَهُوَ مَذْهَبنَا الا انكم أَبَيْتُم لانفسكم منصب التَّعْلِيم وَلم يستحيوا من خصمكم الْمعَارض لكم المماثل فِي عقله لعقلكم إِن هَذَا المتعلم يَقُول قد دَعَاني إِلَى التَّعَلُّم مِنْهُ خصمك وَقد تحيرت فِي تعْيين الْمعلم أَيْضا وَلَيْسَ يدعى وَاحِدًا مِنْكُم الْعِصْمَة لنَفسِهِ وَلَا لَهُ معْجزَة تميزه وَلَا هُوَ مُنْفَرد بِأَمْر يُفَارق بِهِ غَيره فَلَا أدرى أتبع الفلسفي أَو الْأَشْعَرِيّ أَو المعتزلى وأقاويلهم متعارضة وعقولهم متماثلة وَلست أجد فِي نَفسِي التَّرْجِيح بطول اللِّحْيَة وببياض الْوُجُوه وَلَا أرى افتراقا إِلَّا فِيهِ إِن اتّفق فَأَما الْعقل وَالدَّعْوَى واغترار كل بِنَفسِهِ فِي أَنه المحق وَصَاحبه الْمُبْطل كاغترار صَاحبه فَمَا أَشد تنَاقض هَذَا الْكَلَام عِنْد من يعرفهُ الدّلَالَة الثَّالِثَة قَوْلهم الْوحدَة دَلِيل الْحق وَالْكَثْرَة دَلِيل الْبَاطِل فَإنَّا إِذا قُلْنَا كم الْخَمْسَة مَعَ الْخَمْسَة فَالْحق وَاحِد وَهُوَ أَن يُقَال عشرَة وَالْبَاطِل كثير لَا حصر لَهُ وَهُوَ كل مَا سوى الْعشْرَة مِمَّا فَوْقهَا اَوْ تحتهَا والوحدة لَازِمَة مَذْهَب التَّعْلِيم فانه اجْتمع الف الف على هَذَا الِاعْتِقَاد واتحدت كلمتهم وَلم يتَصَوَّر بَينهم اخْتِلَاف واهل الرَّأْي لَا يزَال الِاخْتِلَاف وَالْكَثْرَة تلازمهم فَدلَّ ان الْحق فِي الْفرْقَة الَّتِي تلازم الْوحدَة كلمتها وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾
[ ٧٧ ]
(١٧) الدّلَالَة الرَّابِعَة قَوْلهم النَّاظر ان كَانَ لَا يدْرك الْمُمَاثلَة بَين نَفسه وَبَين خَصمه فيسحن الظَّن بِنَفسِهِ ويسئ بخصمه فَلَا غرو فَإِن هَذَا الْغرُور مِمَّا يستولي على الْخلق وَهُوَ شغفهم بآرائهم وجودة عُقُولهمْ وان كَانَ ذَلِك من من أَدِلَّة الحماقة وانما الْعجب أَنه لَا يدْرك الْمُمَاثلَة بَين حالتيه وَكم رأى نَفسه فِي حَالَة وَاحِدَة وَقد تحولت حَالَته فَاعْتقد الشئ مُدَّة وَحكم بانه الْحق الَّذِي يُوجِبهُ الْعقل الصَّادِق ثمَّ يخْطر لَهُ خاطر فيعتقد نقيضه وَيَزْعُم انه الْآن تنبه للحق وَمَا كَانَ يعْتَقد من قبل فخيال انخدع بِهِ وَيرى نَفسه على اعْتِقَاد قَاطع فِي الْحَالة الثَّانِيَة تَسَاوِي اعْتِقَاده السَّابِق فانه كَانَ قَاطعا بِمثل قطعه الان فليت شعري من أَيْن يَأْمَن الانخداع وانه سيتنبه لأمر يتَبَيَّن بِهِ ان مَا يَعْتَقِدهُ الان بَاطِل وَمَا من نَاظر الا ويعتقد مثله مرَارًا ثمَّ لَا يزَال يعتز آخرا بمعتقده الَّذِي يماثل سَائِر معتقداته الَّتِي تَركهَا وَعرف بُطْلَانهَا بعد التصميم عَلَيْهَا وَالْقطع بهَا
الدّلَالَة الْخَامِسَة وَهِي شَرْعِيَّة قَوْلهم قَالَ رَسُول الله ﷺ سَتَفْتَرِقُ امتي نيفا وَسبعين فرقة النَّاجِية مِنْهَا وَاحِدَة فَقيل وَمن هم فَقَالَ اهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَقيل وَمَا السّنة وَالْجَمَاعَة قَالَ مَا أَنا الْآن عَلَيْهِ وأصحابي قَالُوا وَمَا كَانُوا
[ ٧٨ ]
إِلَّا على الِاتِّبَاع والتعليم فِي كل مَا شجر بَينهم وتحكيم الرَّسُول ﷺ فِيهِ لَا على اتِّبَاع رَأْيهمْ وعقولهم فَدلَّ ان الْحق فِي الِاتِّبَاع لَا فِي نظر الْعُقُول
وَهَذَا تَحْرِير أدلتهم على أقوى وَجه فِي الايراد وَرُبمَا يعجز معظمهم عَن الاتقان فِي تَحْقِيقه الى هَذَا الْحَد فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْكَلَام عَلَيْهِ منهجان جملي وتفصلي الْمنْهَج الأول وَهُوَ الْجملِي
انا نقُول هَذِه العقيدة الَّتِي استنتجتموها من تَرْتِيب هَذِه الْمُقدمَات ونظمها بطرِيق النّظر والتأمل فَإِن ادعيتم مَعْرفَتهَا ضَرُورَة كُنْتُم معاندين وَلم يعجز خصومكم عَن دَعْوَى الضَّرُورَة فِي معرفتهم بطلَان مذهبكم وان ادعوا ذَلِك كَانُوا اقوم قيلا عِنْد الْمنصف وان ادعيتم إِدْرَاكهَا بِالنّظرِ فِي تَرْتِيب هَذِه الْمُقدمَات ونظمها على شكل المقاييس المنتجة فقد اعترفتم بِصِحَّة النّظر الْعقلِيّ ويدعى بُطْلَانه فهذاالكلام مفحم لَهُ وَكَاشف عَن خزايته اَوْ يُقَال لَهُ عرفت بطلَان النّظر ضَرُورَة اَوْ نظرا وَلَا سَبِيل الى دَعْوَى الضَّرُورَة فان الضَّرُورِيّ مَا يشْتَرك فِي مَعْرفَته ذَوُو الْعُقُول السليمة كَقَوْلِنَا الْكل اعظم من الْجُزْء والاثنان اكبر من الْوَاحِد والشئ الْوَاحِد لَا يكون قَدِيما مُحدثا والشئ الْوَاحِد لَا يكون فِي مكانين وان زعم انه أدْرك بطلَان النّظر بِالنّظرِ فقد تنَاقض كَلَامه وَهَذَا لَا مخرج مِنْهُ أَبَد الدَّهْر وَهُوَ وَارِد على كل باطني يدعى معرفَة شئ يخْتَص بِهِ
فانه اما ان يَدعِي الضَّرُورَة اَوْ النّظر اَوْ السماع من مَعْصُوم صَادِق يدعى معرفَة صدقه وعصمته ايضا اما ضَرُورَة اَوْ نظرا
[ ٧٩ ]
وَلَا سَبِيل الى دَعْوَى الضَّرُورَة وَفِي دَعْوَى النّظر إبِْطَال عين الْمَذْهَب فلتتعجب من هَذَا التَّنَاقُض الْبَين وغفلة هَؤُلَاءِ المغرورين عَنهُ فَإِن قَالَ قَائِل من منكري النّظر هَذَا يَنْقَلِب عَلَيْكُم إِذْ يُقَال لكم وَبِمَ عَرَفْتُمْ صِحَة النّظر إِن ادعيتم الضَّرُورَة اقتحمتم مااستبعدتموه وتورطتم فِي عين مَا انكرتموه وان زعمتم أَنا ادركناه نظرا فالنظر الَّذِي بِهِ الادراك بِمَ عَرَفْتُمْ صِحَّته وَالْخلاف قَائِم فِيهِ فان ادعيتم معرفَة ذَلِك بِنَظَر ثَالِث لزم ذَلِك فِي الرَّابِع وَالْخَامِس الى غير نِهَايَة قُلْنَا نعم كَانَ هَذَا الْكَلَام يَنْقَلِب إِن كَانَت المعقولات بالموازنات اللفظية وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فلتتأمل دقيقة الْفرق فَإنَّا نقُول عرفنَا كَون النّظر الْعقلِيّ دَلِيلا الى الْعلم بالمنظور فِيهِ بسلوك طَرِيق النّظر والوصول إِلَيْهِ فَمن سلكه وصل وَمن وصل عرف أَن مَا سلكه هُوَ الطَّرِيق وَمن استراب قبل السلوك فَيُقَال طَرِيق رفع هَذِه الاسترابة السلوك
ومثاله مَا إِذا سئلنا عَن طَرِيق الْكَعْبَة فدللنا على طَرِيق معِين فَقيل لنا من أَيْن عَرَفْتُمْ كَونه طَرِيقا قُلْنَا عَرفْنَاهُ بالسلوك بِأَنا سلكناه فوصلنا الى الْكَعْبَة فَعرفنَا كَونه طَرِيقا ومثاله الثَّانِي أَنا إِذا قيل لنا بِمَ عَرَفْتُمْ ان النّظر فِي الْأُمُور الحسابيه من الهندسة والمساحة وَغَيرهَا طَرِيق الى معرفَة مَالا يعرف اضطرارا قُلْنَا سلوك طَرِيق الْحساب إِذْ سلكناه فأفادنا علما بالمنظور فِيهِ فَعلمنَا ان نظر الْعقل دَلِيل فِي الْحساب وَكَذَلِكَ فِي العقليات سلكنا الطَّرِيق النظرية فوصلنا الى الْعلم بالمعقولات فَعرفنَا أَن النّظر طَرِيق
[ ٨٠ ]
فَهَذَا لَا تنَاقض فِيهِ فان قيل وَبِمَ عَرَفْتُمْ ان مَا وصلتم اليه علم مُتَعَلق بالمعلوم على مَا هُوَ بِهِ بل هُوَ جهل ظننتموه علما قُلْنَا وَلَو انكر الْعُلُوم الحسابية مُنكر فَمَاذَا يُقَال لَهُ اَوْ لَيْسَ يسفه فِي عقله وَيُقَال لَهُ هَذَا يدل على قلَّة بصيرتك بالحسابيات فَإِن النَّاظر فِي الهندسة اذا حصر الْمُقدمَات ورتبها على الشكل الْوَاجِب يحصل الْعلم بالنتيجة ضَرُورَة على وَجه لَا يتمارى فِيهِ فَهَكَذَا جَوَابنَا فِي المعقولات فان الْمُقدمَات النظرية اذا رتبت على شُرُوطهَا افادت الْعلم بالنتيجة على وَجه الارض لَا يتمارى فِيهِ وَيكون الْعلم الْمُسْتَفَاد من الْمُقدمَات بعد حُصُولهَا ضَرُورِيًّا كَالْعلمِ بالمقدمات الضرورية المنتجه لَهُ وَإِن اردنا أَن نكشف ذَلِك لمن قلت بضاعته فِي الْعُلُوم فَنَضْرِب لَهُ مِثَالا هندسيا ثمَّ نضرب لَهُ مِثَالا عقليا لينكشف لَهُ الغطاء وينجلي عَن عقيدته الخفاء اما الْمِثَال الهندسي فَهُوَ ان إقليدس رسم فِي مُصَنفه فِي الشكل الأول من الْمقَالة الأولى مثلثا وَادّعى انه متساوي الاضلاع وَلَا يعرف ذَلِك ببديهة الْعقل وَلكنه ادّعى انه يعرف بالبرهان نظرا وبرهانه بمقدمات (الاولى) ان الخطوط المستقيمة الْخَارِجَة من مَرْكَز الدائرة الى الْمُحِيط مُتَسَاوِيَة من كل جَانب وَهَذِه الْمُقدمَة ضَرُورِيَّة إِذْ الدائرة ترسم بالبركار على فتح وَاحِد وانما الْخط الْمُسْتَقيم من المركز الى الدائرة هوفتح البركار وَهُوَ وَاحِد فِي الجوانب
(الْمُقدمَة الثَّانِيَة) إِذا تَسَاوَت دائرتان بالخطوط المستقيمة من مركزهما الى محيطهما فالخطوط ايضا مُتَسَاوِيَة وَهَذِه أَيْضا ضَرُورِيَّة
(الْمُقدمَة الثَّالِثَة) أَن الْمسَاوِي للمساوي مسَاوٍ وَهَذِه ايضا ضَرُورِيَّة ثمَّ الْآن نشتغل بالمثلث ونشير الى خطين مِنْهُ ونقول إنَّهُمَا متساويان لانهما خطان مستقيمان خرجا من مَرْكَز دَائِرَة الى محيطها والخط الثَّالِث مثل لاحدهما لانه
[ ٨١ ]
خرج ايضا من مَرْكَز الدائرة الى محيطها مَعَ ذَلِك الْخط وَإِذا سَاوَى اُحْدُ الخطين فقد سَاوَى الآخر فَإِن الْمسَاوِي للمساوي مسَاوٍ فَبعد هَذَا النّظر نعلم قطعا تَسَاوِي أضلاع المثلث الْمَفْرُوض كَمَا عرف سَائِر الْمُقدمَات مثل قَوْلنَا الخطوط المستقيمة من مَرْكَز الدائرة الى الْمُحِيط متماثلة وَغَيرهَا من الْمُقدمَات
الْمِثَال الْعقلِيّ الإلهي وَهُوَ أَنا إِذا أردنَا أَن ندل على وَاجِب الْوُجُود الْقَائِم بِنَفسِهِ المستغنى عَن غَيره الَّذِي مِنْهُ يَسْتَفِيد كل مَوْجُود وجوده لم ندرك ثُبُوت مَوْجُود وَاجِب الْوُجُود مستغنيا عَن غَيره بِالضَّرُورَةِ بل بِالنّظرِ وَمعنى النّظر هُوَ أَنا نقُول لَا شكّ فِي أصل الْوُجُود وانه ثَابت فَإِن من قَالَ لاموجود اصلا فِي الْعَالم فقد باهت الضَّرُورَة والحس فقولنا لَا شكّ فِي اصل الْوُجُود مُقَدّمَة ضَرُورِيَّة ثمَّ نقُول والوجود الْمُعْتَرف بِهِ من الْكل إِمَّا وَاجِب وَإِمَّا جَائِز فَهَذِهِ الْمُقدمَة أَيْضا ضَرُورِيَّة فَإِنَّهَا حاصرة بَين النَّفْي والاثبات مثل قَوْلنَا الْمَوْجُود إِمَّا ان يكون قَدِيما اَوْ حَادِثا فَيكون صدقه ضَرُورِيًّا وَهَكَذَا كل تَقْسِيم دائر بَين النَّفْي والاثبات وَمَعْنَاهُ ان الموجودات إِمَّا ان تكون استغنت اَوْ لم تستغن والاستغناء عَن السَّبَب هُوَ المُرَاد بِالْوُجُوب وَعدم الِاسْتِغْنَاء هُوَ المُرَاد بِالْجَوَازِ فَهَذِهِ مُقَدّمَة ثَالِثَة ثمَّ نقُول ان كَانَ هَذَا الْمَوْجُود الْمُعْتَرف بِهِ وَاجِبا فقد ثَبت وَاجِب الْوُجُود وان كَانَ جَائِزا فَكل جَائِز مفتقر الى وَاجِب الْوُجُود وَمعنى جَوَازه أَنه أمكن عَدمه ووجوده على حد وَاحِد وَمَا هَذَا وَصفه لَا يتَمَيَّز وجوده عَن عَدمه إِلَّا بمخصص وَهَذَا أَيْضا ضَرُورِيّ فقد ثَبت بِهَذِهِ الْمُقدمَات الضرورية وَاجِب الْوُجُود وَصَارَ
[ ٨٢ ]
الْعلم بعد حُصُوله ضَرُورِيًّا لَا يتمارى فِيهِ فان قيل فِيهِ مَوضِع شكّ إِذْ يَقُول الْمُعْتَرف بِهِ جَائِز وَيَقُول قَوْلكُم إِنَّه يفْتَقر الى وَاجِب كل جَائِز وجوده غير مُسلم بل يفْتَقر الى سَبَب ثمَّ ذَلِك السَّبَب يجوز أَن يكون جَائِز الْوُجُود قُلْنَا فِي تِلْكَ الْمُقدمَات مَا اشْتَمَل على رفع هَذَا بِالْقُوَّةِ فان كل مَا ثَبت لَهُ الْجَوَاز فافتقاره الى سَبَب ضَرُورِيّ فَإِن قدر السَّبَب جَائِزا دخل فِي الْجُمْلَة الَّتِي سميناها كلا وَنحن نعلم بِالضَّرُورَةِ ان كل الجائزات تفْتَقر الى سَبَب فَإِن فرضت السَّبَب جَائِزا فافرضه دَاخِلا فِي الْجُمْلَة واطلب سَببه إِذْ يَسْتَحِيل ان يسند ذَلِك جَائِزا آخر وَهَكَذَا الى غير نِهَايَة فانه يكون عِنْد ذَلِك حميع الْأَسْبَاب والمسببات جملَة جَائِزَة وَوصف الْجَوَاز يصدق على آحادها وعَلى مجموعها فيفتقر الْمَجْمُوع الى سَبَب خَارج عَن وصف الْجَوَاز الْمخْرج وَفِيه ضَرُورَة إِثْبَات وَاجِب الْوُجُود ثمَّ بعد ذَلِك نتكلم فِي صفته ونبين أَنه لَا يجوز ان يكون وَاجِب الْوُجُود جسما وَلَا منطبعا فِي جسم وَلَا متغيرا وَلَا متحيزا الى سَائِر مَا يتبع ذَلِك وَيثبت كل وَاحِد مِنْهَا بمقدمات لَا شكّ فِيهَا وَتَكون النتيجة بعد حُصُولهَا من الْمُقدمَات فِي الظُّهُور على ذوق الْمُقدمَات
فَإِن قيل الْعُلُوم الحسابيه معترف بهَا لانها ضَرُورِيَّة وَلذَلِك لم يخْتَلف فِيهَا واما النظريات الْعَقْلِيَّة فان كَانَت مقدماتها كَذَلِك فَلم وَقع الِاخْتِلَاف فِيهَا فوقوع الِاخْتِلَاف فِيهَا يقطع الامان قُلْنَا هَذَا بَاطِل من وَجْهَيْن (أَحدهمَا) أَن الْعُلُوم الحسابيه اخْتلف فِيهَا تَفْصِيلًا وَجُمْلَة من وَجْهَيْن أَحدهمَا ان الْأَوَائِل قد اخْتلفُوا فِي كثير من هيئات الْفلك وَمَعْرِفَة مقاديرها وَهِي مثبتة على مُقَدمَات حسابيه
[ ٨٣ ]
وَلَكِن مَتى كثرت الْمُقدمَات وتسلسلت ضعف الذِّهْن عَن حفظهَا فَرُبمَا تزل وَاحِدَة عَن الذِّهْن فيغلظ فِي النتيجة وامكان ذَلِك لَا يشككنا فِي الطَّرِيق نعم الْخلاف فِيهَا اندر لانها اظهر وَفِي العقليات اكثر لانها اخفى واستر وَمن النظريات مَا ظهر فاتفقوا عَلَيْهِ وَهُوَ أَن الْقَدِيم لَا يعْدم فَهَذِهِ مَسْأَلَة نظرية وَلم يُخَالف فِيهَا أحد البته فَلَا فرق بَين الحسابية والعقلية
الثَّانِي ان من حصر مدارك الْعُلُوم فِي الْحَواس وانكر الْعُلُوم النظرية جملَة الحسابية وَغير الحسابية فخلاف هَؤُلَاءِ هَل يشككنا فِي علمنَا بِأَن الْعُلُوم الحسابية صَادِقَة حَقِيقَة فَإِن قُلْتُمْ نعم اتَّضَح ميلكم على الانصاف وان قُلْتُمْ لَا فَلم وَقع الْخلاف فِيهِ فان قُلْتُمْ خِلَافه لم يشككنا فِي الْمُقدمَات فَلم يشككنا فِي النتيجة فَكَذَلِك خلاف من خَالَفنَا فِي تَفْصِيل ماعرفناه من الدّلَالَة على ثُبُوت وَاجِب الْوُجُود لم يشككنا فِي مُقَدمَات الدَّلِيل فَلم يشككنا فِي النتيجة
وَالْوَجْه الآخر من الْجَواب هُوَ أَن السوفسطائية أَنْكَرُوا الضروريات وخالفوا فِيهَا وَزَعَمُوا انها خيالات لَا أصل لَهَا وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بَان أظهرها المحسوسات وَلَا ثِقَة بِقطع الانسان بحسه وَمهما شَاهد انسانا وَكَلمه فَقَوله اقْطَعْ بِحُضُورِهِ وَكَلَامه فَهُوَ خطأ فَلَعَلَّهُ يرَاهُ فِي الْمَنَام فكم من مَنَام يرَاهُ الانسان وَيقطع بِهِ وَلَا يتمارى مَعَ نَفسه فِي تحَققه ثمَّ ينتبه على الْفَوْر فيبين انه لَا وجود لَهُ حَتَّى يرى فِي الْمَنَام يَد نَفسه مَقْطُوعَة وَرَأسه مَفْصُولًا وَيقطع بِهِ وَلَا وجود لما يقطع بِهِ ثمَّ خلاف هَؤُلَاءِ لَا يشككنا فِي الضروريات وَكَذَلِكَ النظريات فانها بعد حُصُولهَا من الْمُقدمَات تبقى ضَرُورِيَّة لايتمارى فِيهَا كَمَا فِي الحسابيات
وَهَذَا كُله كَلَام على من يُنكر النّظر جملَة اما التعليمية فَلَا يقدرُونَ على
[ ٨٤ ]
إِطْلَاق القَوْل بابطال النّظر جملَة فانهم يسوقون الادلة والبراهين على اثبات التَّعْلِيم ويرتبون الْمُقدمَات كَمَا حكيناه فَكيف يُنكرُونَ ذَلِك فَمن هُنَا قَالُوا نظر الْعقل بَاطِل فَيُقَال وَبِمَ عَرَفْتُمْ بُطْلَانه وَثُبُوت التَّعْلِيم أبنظر أم ضَرُورَة وَلَا بُد أَن يُقَال بِنَظَر وَمهما اسْتدلَّ بِالْخِلَافِ فِي النظريات على فَسَاد النظريات فقابله بِالْخِلَافِ من السوفسطائية فِي الضروريات وَلَا فرق بَين المقامين فَإِذا قَالُوا وَبِمَ أمنت الْخَطَأ وَكم من مرّة اعْتدت الشئ نظرا ثمَّ بَان خِلَافه فَيُقَال لَهُ وَبِمَ عرفت حضورك بِهَذَا الْبَلَد الَّذِي أَنْت فِيهِ وَكم من كرة اعتقدت نَفسك ورأيتها بِبَلَد آخر لم تكن فِيهِ فيمَ تميز بَين النّوم واليقظة وَبِمَ تأمن على نَفسك فلعلك الْآن فِي هَذَا الْكَلَام نَائِم فان زعم اني اِدَّرَكَ التَّفْرِقَة ضَرُورَة فَيُقَال وَأَنا أدْركْت التَّفْرِقَة بَين مَا يجوز الْغَلَط فِيهِ من الْمُقدمَات ومالا يجوز أَيْضا ضَرُورَة وَلَا فرق وَكَذَلِكَ كم يغلط الانسان فِي الْحساب ثمَّ ينتبه وَإِذا تنبه اِدَّرَكَ التَّفْرِقَة ضَرُورَة بَين حَالَة الاصابة وَالْخَطَأ فان قَالَ قَائِل من الباطنية نَحن ننكر النّظر جملَة وَمَا ذكرْتُمْ لَيْسَ من النظريات فِي شئ بل هِيَ مُقَدمَات ضَرُورِيَّة قَطْعِيَّة رتبناها قُلْنَا فَأنْتم الان لم تفهموا معنى النّظر اذي نقُول بِهِ فلسنا نقُول الا بِمثل مَا نظمتموه من الْمُقدمَات الضرورية الْحَقِيقِيَّة كَمَا سنبينها فَكل قِيَاس لم يكن بنظم مُقَدمَات ضَرُورِيَّة اَوْ بنظم مُقَدمَات مستنتجة من ضَرُورِيَّة فَلَا حجَّة فِيهِ فَهَذَا هُوَ الْقيَاس الْمَعْقُول وانما يَنْتَظِم أبدا من مقدمتين إِمَّا مُطلقَة وَإِمَّا تقسيمية وَقد تسمى حملية وشرطية أما الْمُطلقَة فكقولنا الْعَالم حَادث وكل حَادث فَلهُ سَبَب فهاتان مقدمتان الأولى حسية وَالثَّانيَِة ضَرُورِيَّة عقلية ونتجيته ان لحوادث الْعَالم إِذا سَببا
[ ٨٥ ]
وَأما التقسيمية فهوأنا نقُول إذاثبت ان لحوادث الْعَالم سببافالسبب الْمَفْرُوض اما حَادث واما قديم فان بَطل كَونه حَادِثا ثَبت كَونه قَدِيما ثمَّ نبطل كَونه حَادِثا بِمثل هَذِه المقاييس فَيثبت بالاخرة ان لوُجُود الْعَالم سَببا قَدِيما فَهَذَا هُوَ النّظر الْمَقُول بِهِ فان كُنْتُم متشككين فِي صِحَّته فَبِمَ تنكرون من يمْتَنع من قبُول مقدماتكم الَّتِي نظمتموها وَيَقُول انا متشكك فِي صِحَّتهَا فان نسبتموه الى انكار الضَّرُورَة نسبناكم الى مثله فِيمَا ادعينا مَعْرفَته بِالنّظرِ وَلَا فرق
هَذَا هُوَ الْمنْهَج الْجملِي فِي الرَّد عيهم إِذا أبطلوا نظر الْعُقُول وَهُوَ الْجَزْم الْوَاجِب فِي افحامهم فَلَا يَنْبَغِي ان نَخُوض مَعَهم فِي التَّفْصِيل بل نقتصر على ان نقُول لَهُم كل مَا عرفتموه من مذهبكم من صدق الامام وعصمته وَبطلَان الرَّأْي وَوُجُوب التَّعْلِيم بِمَاذَا عرفتموه وَدَعوى الضَّرُورَة غير مُمكنَة فَيبقى النّظر وَالسَّمَاع وَصدق السّمع أَيْضا لَا يعرف ضَرُورَة فَيبقى النّظر وَهَذَا لَا مخرج عَنهُ فان قَالَ قَائِل لَا يظنّ بعاقل يَدعِي مذهبا لَيْسَ ضَرُورِيًّا ثمَّ يُنكر النّظر فلعلهم يعترفون بِالنّظرِ إِلَّا انهم يَقُولُونَ تعلم طَرِيق النّظر وَاجِب فان الانسان لَا يسستقل بِنَفسِهِ فِي النظريات
فان انكرتم ذَلِك فقد انكرتم الْعُقُول بديهة إِذْ لم يترشح المدرسون والمعلمون الا للتعليم فَلم تصدوا مَعَ الِاسْتِغْنَاء عَنْهُم وان اعترفتم بذلك فقد اعترفتم بِوُجُوب الْمعلم وان الْعُقُول لَيْسَ فِي مجردها غنية فَبَقيَ انكم جوزتم التَّعَلُّم من كل اُحْدُ وهم اوجبوا التَّعَلُّم من مَعْصُوم لَان مَذَاهِب المعلمين مُخْتَلفَة ومتعارضه وَلَا تَرْجِيح للْبَعْض على الْبَعْض
[ ٨٦ ]
قُلْنَا وَهَذَا السُّؤَال أَيْضا فَاسد فانا لَا ننكر الْحَاجة الى التَّعَلُّم بل الْعُلُوم منقسمة الى ثَلَاثَة أَقسَام قسم لَا يُمكن تَحْصِيله الا بِالسَّمَاعِ والتعلم كالإخبار عَمَّا ممضى من الوقائع ومعجزات الاننبياء وَمَا يَقع فِي الْقِيَامَة واحوال الْجنَّة وَالنَّار فَهَذَا لَا يعرف الا بِالسَّمَاعِ من النَّبِي الْمَعْصُوم اَوْ بالْخبر الْمُتَوَاتر عَنهُ فان سمع بقول الْآحَاد حصل بِهِ علم ظَنِّي لَا يقيني هَذَا قسم وَالْقسم الآخر من الْعُلُوم النظرية الْعَقْلِيَّة فَلَيْسَ فِي الْفطْرَة مَا يرشد الى الْأَدِلَّة فِيهِ بل لَا بُد فِيهِ من التَّعَلُّم لَا ليقلد الْمعلم فِيهِ بل لينبهه الْمعلم على طَرِيقه ثمَّ يرجع الْعَاقِل فِيهِ الى نَفسه فيدركه بنظره وَعند هَذَا فَلْيَكُن الْمعلم من كَانَ وَلَو افسق الْخلق واكذبهم فَإنَّا لسنا نقلده بل نتنبه بتنبيهه فَلَا نحتاج فِيهِ الى مَعْصُوم وَهِي كالعلوم الحسابية والهندسية لَا تعلم بالفطرة وتحتاج الى الْمعلم ونستغني عَن معلم مَعْصُوم بل يتَعَلَّم طَرِيق الْبُرْهَان ويساوي المتعلم الْمعلم بعد النّظر فِي العقليات عندنَا فالحسابيات عِنْدهم وَكم من شخص يغلط فِي الحسابيات ثمَّ يتَنَبَّه بالاخرة بعد زمَان وَذَلِكَ لَا يشكك فِي الادلة والبراهين الحسابية وَلَا يحْتَمل الافتقار فِيهَا الى معلم مَعْصُوم
الْقسم الثَّالِث الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة الْفِقْهِيَّة وَهُوَ معرفَة الْحَلَال وَالْحرَام وَالْوَاجِب وَالنَّدْب وَاصل هَذَا الْعلم السماع من صَاحب الشَّرْع وَالسَّمَاع مِنْهُ يُورث الْعلم الا ان هذالا يُمكن تَحْصِيل الْعلم الْقطعِي فِيهِ على الاطلاق فِي حق كل شخص وَفِي كل وَاقعَة بل لابد من الِاكْتِفَاء بِالظَّنِّ فِيهِ ضَرُورَة فِي طَرِيقين احدهما فِي المستمعين فان الْخلق فِي عصر النَّبِي ﷺ انقسموا أى من شَاهد فَسمع وَتحقّق وَعرف
[ ٨٧ ]
والى من غَابَ فَسمع من المبلغين وآحاد الامراء والولاة فاستفادوا ظنا من قولة الْآحَاد وَلَكِن وَجب عَلَيْهِم الْعَمَل بِالظَّنِّ للضَّرُورَة فان النَّبِي ﷺ عجز عَن اسماع كل وَاحِد بِنَفسِهِ من غير وَاسِطَة وَلم يشْتَرط ان تتواتر عَنهُ كل كلمة فِي كل وَاقعَة لتعذره وَالْعلم يحصل باحد هذَيْن المسلكين وَهُوَ مُتَعَذر قطعا
والطرف الثَّانِي فِي نفس الصُّورَة الْفِقْهِيَّة والحوادث الْوَاقِعَة إِذن مَا من وَاقعَة الا وفيهَا تَكْلِيف والوقائع لَا حصر لَهَا بل هِيَ فِي الامكان غير متناهية والنصوص لَا تفرض الا محصورة متناهية وَلَا يُحِيط قطّ مَا يتناهى بِمَا لَا يتناهى وَغَايَة صَاحب الشَّرْع مثلا ان ينص على حكم كل صُورَة اشْتَمَل عَلَيْهَا تصنيف المصنفين فِي الْفِقْه الى عصرنا هَذَا وَلَو فعل ذَلِك واستوفاه كَانَت الوقائع الممكنة الْخَارِجَة عَن التصانيف اكثر من المسطورات فِيهَا بل لَا نِسْبَة لَهَا اليها فان المسطورات محصورة والممكنات لَا حصر لَهَا فَكيف يَسْتَوْفِي مَالا يتناهى بِالنَّصِّ فبالضرورة لَا بُد من تحكيم الظَّن فِي التَّعَلُّق بصيغ العمومات وان كَانَ يحْتَمل انها اطلقت لإِرَادَة الْخُصُوص إِذْ عَلَيْهَا اكثر العمومات وَلذَلِك لما بعث رَسُول الله ﷺ معَاذًا الى الْيمن وَقَالَ لَهُ بِمَ تحكم فَقَالَ بِكِتَاب الله قَالَ فان لم تَجِد قَالَ فبسنة رَسُول الله قَالَ فان لم تَجِد قَالَ اجْتهد رَأْيِي فَقَالَ ﷺ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُوله لما يرضاه رَسُوله فانما رخص لَهُ فِي اجْتِهَاد الرَّأْي لضَرُورَة الْعَجز عَن اسْتِيعَاب النُّصُوص للوقائع
هَذَا بَيَان هَذَا الْقسم وَلَا حَاجَة فِيهِ الى إِمَام مَعْصُوم
[ ٨٨ ]
بل لَا يُغني الامام الْمَعْصُوم شَيْئا فانه لَا يزِيد على صَاحب الشَّرْع وَهُوَ لم يغن فِي كلا الطَّرفَيْنِ فَلَا قدرَة على اسْتِيعَاب الصُّور بالنصوص وَلَا قدرَة على مشافهة جَمِيع الْخلق وَلَا على تكليفهم اشْتِرَاط التَّوَاتُر فِي كل مَا ينْقل عَنهُ ﵇ فليت شعري معلمهم الْمَعْصُوم مَاذَا يُغني فِي هذَيْن الطَّرفَيْنِ أيعرف كَافَّة الْخلق نُصُوص أقاويله وهم فِي اقصى الشرق والغرب بقول آحَاد هَؤُلَاءِ الدعاة وَلَا عصمَة لَهُم حَتَّى يوثق بهم اَوْ يشْتَرط التَّوَاتُر عَنهُ فِي كل كلمة وَهُوَ فِي نَفسه محتجب لَا يلقاه الا الاحاد والشواذ هَذَا لوسلم انه مطلع على الْحق بِالْوَحْي فِي كل وَاقعَة كَمَا كَانَ صَاحب الشَّرْع فَكيف وَالْحَال كَمَا نعرفه ويعرفه خَواص اشياعه المحدقين بِهِ فِي بَلَده وولايته فقد انْكَشَفَ بِهَذَا الْكَلَام انهم يلبسُونَ وَيَقُولُونَ ان قُلْتُمْ لَا حَاجَة الى التَّعْلِيم فقد انكرتم الْعَادَات وان اعترفتم فقد وافقتمونا على اثبات التَّعْلِيم فَيَأْخُذُونَ التَّعْلِيم لفظا مُجملا مُسلما ثمَّ يفصلونه بِأَن فِيهِ اعترافا بِوُجُوب التَّعَلُّم من الْمَعْصُوم فقد فهمت أَي علم يسْتَغْنى فِيهِ عَن الْمعلم واي علم يحْتَاج فِيهِ اليه واذا احْتِيجَ فَمَا الَّذِي يُسْتَفَاد من الْمعلم طَرِيقه وَلَا يُقَلّد فِي نَفسه فيستغني عَن عصمته وَمَا الَّذِي يُقَلّد فِي نَفسه فَيحْتَاج فِيهِ الى عصمته وان ذَلِك الْمَعْصُوم هُوَ النَّبِي ﷺ وان مَا يُؤْخَذ مِنْهُ كَيفَ يَنْقَسِم الى مَا يعلم تَحْقِيقا والى مَا يظنّ
[ ٨٩ ]
وان كَافَّة الْخلق كَيفَ يضطرون الى القناعة بِالظَّنِّ فِي صدق مبلغ الْخَبَر عَن صَاحب الشَّرْع وَفِي الحاق غير الْمَنْصُوص الى النُّصُوص واذا ايقنت هَذِه الْقَاعِدَة استوليت على كشف تلبيساتهم كلهَا فان عَادَتهم ابدا اطلاق مُقَدمَات مُهْملَة بنوا عَلَيْهَا النتيجة الْفَاسِدَة كَقَوْلِهِم انكم اذا اعترفتم بِالْحَاجةِ الى التَّعْلِيم فقد اعترفتم بمذهبنا فَنَقُول اعترافنا بالتعلم فِي النظريات كاعترافكم بِهِ فِي الحسابيات هَذَا مَنْهَج الْكَلَام الْجملِي عيلهم