أما الْجُمْلَة فَهُوَ أَنه مَذْهَب ظَاهره الرَّفْض وباطنه الْكفْر الْمَحْض ومفتتحه حصر مدارك الْعُلُوم فِي قَول الإِمَام الْمَعْصُوم وعزل الْعُقُول عَن أَن تكون مدركة للحق لما يعتريها من الشُّبُهَات ويتطرق الى النظار من الاختلافات وايجاب لطلب الْحق بطرِيق التَّعْلِيم والتعلم وَحكم بَان الْمعلم الْمَعْصُوم هُوَ المستبصر وانه مطلع من جِهَة الله على جَمِيع اسرار الشَّرَائِع يهدي الى الْحق ويكشف عَن المشكلات وان كل زمَان فَلَا بُد فِيهِ من امام مَعْصُوم يرجع اليه فِيمَا يستبهم من امور الدّين
هَذَا مبدأ دعوتهم ثمَّ انهم بِالآخِرَة يظهرون مَا يُنَاقض الشَّرْع وَكَأَنَّهُ غَايَة مقصدهم لَان سَبِيل دعوتهم لَيْسَ بمتعين فِي فن وَاحِد بل يخاطبون كل فريق بِمَا يُوَافق رَأْيه بعد أَن يظفروا مِنْهُم بالانقياد لَهُم والموالاة لامامهم فيوافقون الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس على جملَة معتقداتهم ويقرونهم عَلَيْهَا فَهَذِهِ جملَة الْمذَاهب
وَأما تَفْصِيله فَيتَعَلَّق بالالهيات والنبوات والإمامة والحشر والنشر وَهَذِه أَرْبَعَة أَطْرَاف وَأَنا مقتصر فِي كل طرف على نبذة يسيرَة من حِكَايَة
[ ٣٧ ]
مَذْهَبهم فَإِن النَّقْل عَنْهُم مُخْتَلف وَأكْثر مَا حُكيَ عَنْهُم إِذا عرض عَلَيْهِم انكروه وَإِذا رُوجِعَ فِيهِ الَّذين اسْتَجَابُوا لدعوتهم جحدوه وَالَّذِي قدمْنَاهُ فِي جملَة مَذْهَبهم يَقْتَضِي لَا محَالة ان يكون النَّقْل عَنْهُم مُخْتَلفا مضطربا فانهم لَا يخاطبون الْخلق بمسلك وَاحِد بل غرضهم الاستتباع والاحتيال فَلذَلِك تخْتَلف كلمتهم ويتفاوت نقل الْمَذْهَب عَنْهُم فان مَا حُكيَ عَنْهُم فِي الْخلْع والسلخ لَا يظهرونه إِلَّا مَعَ من بلغ الْغَايَة القصوى بل رُبمَا يخاطبون بِالْخلْعِ من يُنكرُونَ مَعَه السلخ فلنرجع إِلَى بَيَان أَطْرَاف الْمَذْهَب
الطّرف الاول فِي معتقدهم فِي الالهيات وَقد اتّفقت أقاويل نَقله المقالات من غير تردد انهم قَائِلُونَ بإلهين قديمين لَا أول لوجودهما من حَيْثُ الزَّمَان الا ان احدهما عِلّة لوُجُود الثَّانِي وَاسم الْعلَّة السَّابِق وَاسم الْمَعْلُول التَّالِي وان السَّابِق خلق الْعَالم بِوَاسِطَة التَّالِي لَا بِنَفسِهِ وَقد يُسمى الاول عقلا وَالثَّانِي نفسا ويزعمون ان الأول هُوَ التَّام بِالْفِعْلِ وَالثَّانِي بالاضافة اليه نَاقص لانه معلوله وَرُبمَا لبسوا على الْعَوام مستدلين بآيَات من الْقُرْآن عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا﴾ و﴿نَحن قسمنا﴾ وَزَعَمُوا ان هَذِه إِشَارَة الى جمع لَا يصدر عَن وَاحِد وَلذَلِك قَالَ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ إِشَارَة الى السَّابِق من الالهين فانه الاعلى وَلَوْلَا ان مَعَه إِلَهًا آخر لَهُ الْعُلُوّ أَيْضا لما انتظم إِطْلَاق الْأَعْلَى وَرُبمَا
[ ٣٨ ]
قَالُوا الشَّرْع سماهما باسم الْقَلَم واللوح وَالْأول هُوَ الْقَلَم فان الْقَلَم مُفِيد واللوح مستفيد متأثر والمفيد فَوق المستفيد وَرُبمَا قَالُوا اسْم التَّالِي قدر فِي لِسَان الشَّرْع وَهُوَ الَّذِي خلق الله بِهِ الْعَالم حَيْثُ قَالَ ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾
ثمَّ قَالُوا السَّابِق لَا يُوصف بِوُجُود وَلَا عدم فان الْعَدَم نفى والوجود سَببه فَلَا هُوَ مَوْجُود وَلَا هُوَ مَعْدُوم وَلَا هُوَ مَعْلُوم وَلَا هُوَ مَجْهُول وَلَا هُوَ مَوْصُوف وَلَا غير مَوْصُوف وَزَعَمُوا أَن جَمِيع الاسامي منتفية عَنهُ وَكَأَنَّهُم يتطلعون فِي الْجُمْلَة لنفي الصَّانِع فانهم لَو قَالُوا إِنَّه مَعْدُوم لم يقبل مِنْهُم بل منعُوا النَّاس من تَسْمِيَته مَوْجُودا وَهُوَ عين النَّفْي مَعَ تعيير الْعبارَة لكِنهمْ تحذقوا فسموا هَذَا النَّفْي تَنْزِيها وَسموا مناقضه تَشْبِيها حَتَّى تميل الْقُلُوب الى قبُوله ثمَّ قَالُوا الْعَالم قديم أَي وجوده لَيْسَ مَسْبُوقا بِعَدَمِ زماني بل حدث من السَّابِق التَّالِي وَهُوَ اول مبدع وَحدث من الْمُبْدع الاول النَّفس الْكُلية الفاشية جزئياتها فِي هَذِه الابدان المركبة وتولد من حَرَكَة النَّفس الْحَرَارَة وَمن سكونها الْبُرُودَة ثمَّ تولد مِنْهُمَا الرُّطُوبَة واليبوسة ثمَّ تولدت من هَذِه الكيفيات الاستقصات الاربع وَهِي النَّار والهواء وَالْمَاء وَالْأَرْض ثمَّ اذا امتزجت على اعْتِدَال نَاقص حدثت مِنْهَا الْمَعَادِن فَإِن زَاد قربهَا من الِاعْتِدَال وانهدم صرفية التضاد مِنْهَا تولد مِنْهَا النَّبَات وان زَاد تولد الْحَيَوَان فان ازْدَادَ قربا تولد الانسان وَهُوَ مُنْتَهى الِاعْتِدَال
[ ٣٩ ]
فَهَذَا مَا حُكيَ من مَذْهَبهم الى امور اخر هِيَ افحش مِمَّا ذَكرْنَاهُ لم نر تسويد الْبيَاض بنقلها وَلَا تبيان وَجه الرَّد عَلَيْهَا لمعنيين احدهما أَن المنخدعين بخداعهم وزورهم والمتدلين بِحَبل غرورهم فِي عصرنا هَذَا لم يسمعوا هَذَا مِنْهُم فينكرون جَمِيع ذَلِك إِذا حكى من مَذْهَبهم ويحدثون فِي انفسهم أَن هَؤُلَاءِ انما خالفوا لانه لَيْسَ عِنْدهم حَقِيقَة مَذْهَبنَا وَلَو عرفوها لوافقونا عَلَيْهَا فنرى ان نشتغل بِالرَّدِّ عَلَيْهِم فِيمَا اتّفقت كلمتهم وَهُوَ إبِْطَال الرَّأْي والدعوة الى التَّعَلُّم من الامام الْمَعْصُوم فَهَذِهِ عُمْدَة معتقدهم وزبدة مخضهم فلنصرف الْعِنَايَة اليه وَمَا عداهُ فمنسقم الى هذيان ظَاهر الْبطلَان وَإِلَى كفر مسترق من الثنوية وَالْمَجُوس فِي القَوْل بالالهين مَعَ تَبْدِيل عبارَة النُّور والظلمة ب السَّابِق والتالي الى ضلال منتزع من كَلَام الفلاسفة فِي قَوْلهم ان المبدأ الاول عِلّة لوُجُود الْعقل على سَبِيل اللُّزُوم عَنهُ لَا على سَبِيل الْقَصْد وَالِاخْتِيَار وانه حصل من ذَاته بِغَيْر وَاسِطَة سواهُ نعم يثبتون موجودات قديمَة يلْزم بَعْضهَا عَن بعض ويسمونها عقولا ويحيلون وجود كل فلك على عقل من تِلْكَ الْعُقُول فِي خبط لَهُم طَوِيل قد استقصينا وَجه الرَّد عَلَيْهِم فِي ذك فِي فن الْكَلَام ولسنا نشتغل فِي هَذَا الْكتاب الا يما يخص هَذِه الْفرْقَة وَهُوَ إبِْطَال الرَّأْي واثبات التَّعْلِيم
الطّرف الثَّانِي فِي بَيَان معتقدهم فِي النبوات وَالْمَنْقُول عَنْهُم قريب من مَذْهَب الفلاسفة وَهُوَ ان النَّهْي عبارَة عَن شخص فاضت عَلَيْهِ من السَّابِق بِوَاسِطَة التَّالِي قُوَّة قدسية صَافِيَة مهيأة لإن تنتقش عِنْد الِاتِّصَال بِالنَّفسِ الْكُلية بِمَا فِيهَا من الجزئيات كَمَا قد يتَّفق ذَلِك لبَعض النُّفُوس الزكية
[ ٤٠ ]
الزكية فِي الْمَنَام حَتَّى تشاهد من مجاري الاحوال فِي الْمُسْتَقْبل إِمَّا صَرِيحًا بِعَيْنِه اَوْ مدرجا تَحت مِثَال يُنَاسِبه مُنَاسبَة مَا فتفتقر فِيهِ إِلَى التَّعْبِير إِلَّا أَن النَّبِي هُوَ المستعد لذَلِك فِي الْيَقَظَة فَلذَلِك يدْرك النَّبِي الكليات الْعَقْلِيَّة عِنْد شروق ذَلِك النُّور وصفاء الْقُوَّة النَّبَوِيَّة كَمَا ينطبع مِثَال المحسوسات فِي الْقُوَّة الباصرة من الْعين عِنْد شروق نور الشَّمْس على سطوح الأجرام السفلية وَزَعَمُوا أَن جِبْرِيل عبارَة عَن الْعقل الفائض عَلَيْهِ ورمز اليه لَا انه شخص متجسم متركب عَن جسم لطيف اَوْ كثيف يُنَاسب الْمَكَان حَتَّى ينْتَقل من علو الى سفل واما الْقُرْآن فَهُوَ عِنْدهم تَعْبِير مُحَمَّد عَن المعارف الَّتِي فاضت عَلَيْهِ من الْعقل الَّذِي هُوَ المُرَاد باسم جِبْرِيل وَيُسمى كَلَام الله تَعَالَى مجَازًا فانه مركب من جِهَته وانما الفائض عَلَيْهِ من الله بِوَاسِطَة جِبْرِيل بسيط لَا تركيب فِيهِ وَهُوَ بَاطِن لَا ظُهُور لَهُ وَكَلَام النَّبِي وَعبارَته عَنهُ ظَاهر لَا بطُون لَهُ وَزَعَمُوا ان هَذِه الْقُوَّة القدسية الفائضة على النَّبِي لَا تستكمل فِي اول حلولها كَمَا لَا تستكمل النُّطْفَة الْحَالة فِي الرَّحِم الا بعد تِسْعَة أشهر فَكَذَلِك هَذِه الْقُوَّة كمالها فِي ان تنْتَقل من الرَّسُول النَّاطِق الى الاساس الصَّامِت وَهَكَذَا تنْتَقل الى
[ ٤١ ]
أشخاص بَعضهم بعد بعض فيكمل فِي السَّابِع كَمَا سنحكي معنى قَوْلهم فِي النَّاطِق والاساس والصامت
وَهَذِه الْمذَاهب مستخرجة من مَذَاهِب الفلاسفة فِي النبوات مَعَ تَحْرِيف وتغيير ولسنا نَخُوض فِي الرَّد عَلَيْهِم فِيهِ فَإِن بَعضهم يُمكن أَن يتَأَوَّل على مجه لاننكره وَالْقدر الَّذِي ننكره قد استقصينا وَجه الرَّد فِيهِ على الفلاسفة ولسنا فِي هَذَا الْكتاب نقصد الا الرَّد على نَابِغَة الزَّمَان فِي خُصُوص مَذْهَبهم الَّذِي انفردوا بِهِ عَن غَيرهم وَهُوَ ايجاب التَّعْلِيم وَإِبْطَال الرَّأْي
الطّرف الثَّالِث بَيَان معتقدهم فِي الْإِمَامَة وَقد اتَّفقُوا على انه لَا بُد فِي كل عصر من إِمَام مَعْصُوم قَائِم بِالْحَقِّ يرجع اليه فِي تَأْوِيل الظَّوَاهِر وَحل الإشكالات فِي الْقُرْآن والاخبار والمعقولات وَاتَّفَقُوا على انه المتصدي لهَذَا الْأَمر وان ذَلِك جَار فِي نسبهم لَا يَنْقَطِع أَبَد الدَّهْر وَلَا يجوز أَن يَنْقَطِع إِذْ يكون فِيهِ إهمال الْحق وتغطيته على الْخلق وَإِبْطَال قَوْله ﵇ كل سَبَب وَنسب يَنْقَطِع الا سببي ونسبي وَقَوله ألم أترك فِيكُم الْقُرْآن وعترتي وَاتَّفَقُوا على أَن الامام يُسَاوِي النَّبِي فِي الْعِصْمَة والاطلاع على حقائق الْحق فِي كل الامور الا انه لَا ينزل اليه الْوَحْي وانما يتلَقَّى ذَلِك من النَّبِي فانه خَلِيفَته وبإزاء مَنْزِلَته وَلَا يتَصَوَّر فِي زمَان وَاحِد امامان كَمَا لايتصور نبيان تخْتَلف شريعتهما نعم يستظهر الامام بالحجج والمأذونين والاجنحة والحجج هم الدعاة فَقَالُوا لَا بُد للْإِمَام فِي كل وَقت من اثنى عشر حجَّة ينتدبون فِي الأقطار مُتَفَرّقين فِي الْأَمْصَار وليلازم أَرْبَعَة من جملَة الاثنى عشر حَضرته فَلَا يفارقونه وَلَا بُد لكل حجَّة من معاونين لَهُ على امْرَهْ فانه لَا ينْفَرد بالدعوة بِنَفسِهِ وَاسم المعاون الْمَأْذُون عِنْدهم وَلَا بُد للدعاة من رسل الى الإِمَام يرفعون اليه الْأَحْوَال وَيَصْدُرُونَ عَنهُ اليهم وَاسم الرَّسُول الْجنَاح
[ ٤٢ ]
وَلَا بُد للداعي من أَن يكون بَالغا فِي الْعلم والمأذون وَإِن كَانَ دونه فَلَا بَأْس بعد أَن يكون عَالما على الْجُمْلَة وَكَذَلِكَ الْجنَاح
ثمَّ انهم قَالُوا كل نَبِي لشريعته مُدَّة فَإِذا انصرمت مدَّته بعث الله نَبيا آخر ينْسَخ شَرِيعَته وَمُدَّة شَرِيعَة كل نَبِي سَبْعَة أَعمار وهوسبعة قُرُون فأولهم هُوَ النَّبِي النَّاطِق وَمعنى النَّاطِق أَن شَرِيعَته ناسخة لما قبله
وَمعنى الصَّامِت ان يكون قَائِما على مَا أسسه غَيره ثمَّ أَنه يقوم بعد وَفَاته سِتَّة أَئِمَّة إِمَام بعد إِمَام فَإِذا انْقَضتْ أعمارهم ابتعث الله نَبيا أخر ينْسَخ الشَّرِيعَة الْمُتَقَدّمَة وَزَعَمُوا أَن أَمر آدم جرى على هَذَا الْمِثَال وَهُوَ اول نَبِي ابتعثه الله فِي فتح بَاب الجسمانيات وحسم دور الروحانيات
وَلكُل نَبِي سوس والسوس هُوَ الْبَاب الى علم النَّبِي فِي حَيَاته وَالْوَصِيّ بعد وَفَاته وَالْإِمَام لمن هُوَ فِي زَمَانه كَمَا قَالَ ﵇ أَنا مَدِينَة الْعلم وَعلي بَابهَا وَزَعَمُوا أَن آدم كَانَ سوسة شِيث وَهُوَ الثَّانِي وَيُسمى من بعده متما ولاحقا وإماما وَإِنَّمَا كَانَ استتمام دور آدم سَبْعَة لَان استتمام دور الْعَالم الْعلوِي بسبعة من النُّجُوم وَلما استتم دور آدم ابتعث الله نوحًا ينْسَخ شَرِيعَته وَكَانَ سوسه سَام فَلَمَّا استتم دوره بِمُضِيِّ سِتَّة سواهُ وَسَبْعَة مَعَه ابتعث الله إِبْرَاهِيم ينْسَخ شَرِيعَته وَكَانَ سوسه اسحق وَمِنْهُم من يَقُول لَا بل اسماعيل فَلَمَّا استتم دوره بالسابع مَعَه ابتعث الله مُوسَى ينْسَخ شَرِيعَته وَكَانَ سوسه هَارُون فَمَاتَ هَارُون فِي حَيَاة مُوسَى فَصَارَ سوسه يُوشَع بن نون فَلَمَّا استتم دوره
[ ٤٣ ]
بالسابع مَعَه ابتعث الله عِيسَى ينْسَخ شَرِيعَته وسوسه شَمْعُون وَلما استتم دوره بالسابع ابتعث الله مُحَمَّدًا ﷺ وسوسه عَليّ ﵇ وَقد استتم دوره بِجَعْفَر بن مُحَمَّد فَإِن الثَّانِي من الْأَئِمَّة الْحسن بن عَليّ وَالثَّالِث الْحُسَيْن بن عَليّ وَالرَّابِع عَليّ بن الْحُسَيْن وَالْخَامِس مُحَمَّد بن عَليّ وَالسَّادِس جَعْفَر بن مُحَمَّد ﵇ وَقد استتموا سَبْعَة مَعَه وَصَارَت شَرِيعَته ناسخة وَهَكَذَا يَدُور الْأَمر ابد الدَّهْر
هَذَا مَا نقل عَنْهُم مَعَ خرافات كَثِيرَة اهملنا ذكرهَا ضنة بالبياض أَن يسود بهَا
الطّرف الرَّابِع بَيَان مَذْهَبهم فِي الْقِيَامَة والمعاد وَقد اتَّفقُوا عَن آخِرهم على إِنْكَار الْقِيَامَة وان هَذَا النظام الْمشَاهد فِي الدُّنْيَا من تعاقب اللَّيْل وَالنَّهَار وَحُصُول الانسان من نُطْفَة والنطفة من انسان وتولد النَّبَات وتولد الْحَيَوَانَات لَا يتصرم أبدا الدَّهْر وان السَّمَوَات وَالْأَرْض لَا يتَصَوَّر انعدام اجسامهما وَأولُوا الْقِيَامَة وَقَالُوا إِنَّهَا رمز إِلَى خُرُوج الإِمَام وَقيام قَائِم الزَّمَان وَهُوَ السَّابِع النَّاسِخ للشَّرْع المغير لِلْأَمْرِ وَرُبمَا قَالَ بَعضهم ان للفلك أدوارا كُلية تتبدل احوال الْعَالم تبدلا كليا بطوفان عَام اَوْ سَبَب من الْأَسْبَاب فَمَعْنَى الْقِيَامَة انْقِضَاء دُورنَا الَّذِي نَحن فِيهِ واما الْمعَاد فانكروا مَا ورد بِهِ الْأَنْبِيَاء وَلم يثبتوا الْحَشْر والنشر للاجساد وَلَا الْجنَّة وَالنَّار وَلَكِن قَالُوا معنى الْمعَاد عود كل شئ الى أَصله والانسان متركب من الْعَالم الروحاني الجسماني اما الجسماني مِنْهُ وَهُوَ جسده فمتركب من الاخلاط الاربعة الصَّفْرَاء والسوداء والبلغم وَالدَّم فينحل الْجَسَد وَيعود كل خلط الى الطبيعة الْعَالِيَة
[ ٤٤ ]
أما الصَّفْرَاء فَتَصِير نَارا وَتصير السَّوْدَاء تُرَابا وَيصير الدَّم هَوَاء وَيصير البلغم مَاء وَذَلِكَ هُوَ معاد الْجَسَد وَأما الروحاني وَهُوَ النَّفس المدركة الْعَاقِلَة من الانسان فانها ان صفيت بالمواظبة على الْعِبَادَات وزكيت بمجانبة الْهوى والشهوات وغذيت بغذاء الْعُلُوم والمعارف المتلقاة من الْأَئِمَّة الهداة اتّحدت عِنْد مُفَارقَة الْجِسْم بالعالم الروحاني الَّذِي مِنْهُ انفصالها وتسعد بِالْعودِ الى وطنها الْأَصْلِيّ وَلذَلِك سمي رُجُوعا فَقيل ﴿ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية﴾ وَهِي الْجنَّة وَإِلَيْهِ وَقع الرَّمْز بِقصَّة آدم وَكَونه فِي الْجنَّة ثمَّ انْفِصَاله عَنْهَا ونزوله الى الْعَالم السفلاني ثمَّ عوده اليها بالاخرة وَزَعَمُوا ان كَمَال النَّفس بموتها إِذْ بِهِ خلاصها من ضيق الْجَسَد والعالم الجسماني كَمَا أَن النُّطْفَة فِي الْخَلَاص من ظلمات الرَّحِم وَالْخُرُوج الى فضاء الْعَالم والانسان كالنطفة والعالم كالرحم والمعرفة كالغذاء فَإِذا نفذت فِيهِ صَارَت بِالْحَقِيقَةِ كَامِلَة وتخلصت فَإِذا استعدت لفيض الْعُلُوم الروحانية باكتساب الْعُلُوم من الْأَئِمَّة وسلوك طرقها المفيدة بإرشادهم استكملت عِنْد مُفَارقَة الْجَسَد وَظهر لَهَا مَا لم يظْهر وَلذَلِك قَالَ ﵇ النَّاس نيام فَإِذا مَاتُوا انتبهوا وَكلما ازدادت النَّفس عَن عَالم الحسيات بعدا ازدادت للعلوم الروحانية اسْتِعْدَادًا وَكَذَلِكَ إِذا ركدت الْحَواس بِالنَّوْمِ اطَّلَعت على عَالم الْغَيْب واستشعرت مَا سَيظْهر فِي الْمُسْتَقْبل إِمَّا بِعَيْنِه فيغنى عَن الْمعبر اَوْ بمثال فَيحْتَاج الى التَّعْبِير فالنوم اخو الْمَوْت وَفِيه يظْهر علم مَا لم يكن فِي الْيَقَظَة فَكَذَا الْمَوْت تنكشف امور لم تخطر على قلب بشر فِي الْحَيَاة وَهَذَا للنفوس الَّتِي قدستها الرياضة العملية والعلمية فَأَما النُّفُوس المنكوسة المغمورة فِي عَالم الطبيعة
[ ٤٥ ]
المعرضة عَن رشدها من الْأَئِمَّة المعصومين فانها تبقى ابد الدَّهْر فِي النَّار على معنى انها تبقى فِي الْعَالم الجسماني تتناسخها الْأَبدَان فَلَا تزَال تتعرض فِيهَا للألم والاسقام فَلَا تفارق جسدا إِلَّا ويتلقاها آخر وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ فَهَذَا مَذْهَبهم فِي الْمعَاد وَهُوَ بِعَيْنِه مَذْهَب الفلاسفة وانما شاع فيهم لما انتدب لنصرة مَذْهَبهم جمَاعَة من الثنوية والفلاسفة فَكل وَاحِد نصر مَذْهَبهم طَمَعا فِي اموالهم وخلعهم واستظهارا باتبَاعهمْ لما كَانَ قد أَلفه فِي مذْهبه فَصَارَ أَكثر مَذْهَبهم مُوَافقا للثنوية والفلاسفة فِي الْبَاطِن وللروافض والشيعة فِي الظَّاهِر وغرضهم بِهَذِهِ التأويلات انتزاع المعتقدات الظَّاهِرَة عَن نفوس الْخلق حَتَّى تبطل بِهِ الرَّغْبَة والرهبة ثمَّ مَا اوهموه وهذوا بِهِ لَا يفهم فِي نَفسه وَلَا يُؤثر فِي ترغيب وترهيب وسنشير الى كَلَام وجيز فِي الرَّد عَلَيْهِم فِي هَذَا الْفَنّ وأخباره فِي آخر الْفَصْل
الطّرف الْخَامِس فِي اعْتِقَادهم فِي التكاليف الشَّرْعِيَّة وَالْمَنْقُول عَنْهُم الاباحة الْمُطلقَة وَرفع الْحجاب واستباحة الْمَحْظُورَات واستحلالها وانكار الشَّرَائِع إِلَّا انهم بأجمعهم يُنكرُونَ ذَلِك اذا نسب اليهم وانما الَّذِي يَصح من معتقدهم فِيهِ انهم يَقُولُونَ لَا بُد من الانقياد للشَّرْع فِي تكاليفه على التَّفْصِيل الَّذِي يفصله الامام من غير مُتَابعَة الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَغَيرهمَا وان ذَلِك وَاجِب على الْخلق والمستجيبين الى ان ينالوا رُتْبَة الْكَمَال فِي الْعُلُوم فَإِذا أحاطوا من جِهَة الإِمَام بحقائق الْأُمُور واطلعوا
[ ٤٦ ]
على بواطن هَذِه الظَّوَاهِر انْحَلَّت عَنْهُم هَذِه الْقُيُود وانحطت عَنْهُم هَذِه التكاليف العملية فان الْمَقْصُود من أَعمال الجوارج تَنْبِيه الْقلب لينهض الطِّبّ الْعلم فَإِذا ناله استعد للسعادة القصوى فَيسْقط عَنهُ تَكْلِيف الْجَوَارِح وانما تَكْلِيف الْجَوَارِح فِي حق من يجْرِي بجهله مجْرى الْحمر الَّتِي لَا يُمكن رياضتها إِلَّا بِالْأَعْمَالِ الشاقة وَأما الأذكياء والمدركون للحقائق فدرجتهم ارْفَعْ من ذَلِك وَهَذَا فن من الإغواء شَدِيد على الأذكياء وغرضهم هدم قوانين الشَّرْع وَلَكِن يخادعون كل ضَعِيف بطرِيق يغويه ويليق بِهِ وَهَذَا من الإضلال الْبَارِد وَهُوَ فِي حكم ضرب الْمِثَال كَقَوْل الْقَائِل إِن الاحتماء عَن الاطعمه الْمضرَّة انما يجب على من فسد مزاجه فَأَما من اكْتسب اعْتِدَال المزاح فليواظب على أكل مَا شَاءَ أَي وَقت شَاءَ فَلَا يلبث المصغي الي هَذَا الضلال ان يمعن فِي المطعومات الْمضرَّة إِلَيّ أَن تتداعى بِهِ الى الْهَلَاك
فَإِن قيل قد نقلتم مذاهبهم وَمَا ذكرْتُمْ وَجه الْإِبْطَال فَمَا السَّبَب فِيهِ قُلْنَا إِن مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُم يَنْقَسِم الى امور يُمكن تنزيلها على وَجه لَا ننكره والى مَا يتَعَيَّن من الشَّرْع انكاره وَالْمُنكر هُوَ مَذْهَب الثنوية والفلاسفة وَالرَّدّ عَلَيْهِم فِيهِ يطول فَلَيْسَ ذَلِك من خَصَائِص مَذْهَب هَؤُلَاءِ حَتَّى نتشاغل بِهِ وانما نرد عَلَيْهِم فِي خُصُوص مَذْهَبهم من ابطال الرَّأْي واثبات التَّعْلِيم من الامام الْمَعْصُوم وَلَكنَّا مَعَ ذَلِك نذْكر مسلكا وَاحِدًا هُوَ على التَّحْقِيق قاصم الظّهْر نعني فِي ابطال مَذْهَبهم فِي جَمِيع مَا سنحكي عَنْهُم وَمَا حكيناه وَهُوَ أَنا نقُول لَهُم فِي جَمِيع دعاويهم الَّتِي تميزوا بهَا عَنَّا كإنكار الْقِيَامَة وَقدم الْعَالم وإنكار بعث الأجساد
[ ٤٧ ]
وانكار الْجنَّة وَالنَّار على مَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن مَعَ غَايَة الشَّرْح فِي وصفهَا من أَيْن عَرَفْتُمْ مَا ذكرتموه أعن ضَرُورَة أَو عَن نظر أَو عَن نقل عَن الامام الْمَعْصُوم وَسَمَاع فان عرفتموه ضَرُورَة فَكيف خالفكم فِيهِ ذَوُو الْعُقُول السليمة لَان معنى كَون الشئ ضَرُورِيًّا مستغنيا عَن التَّأَمُّل اشْتِرَاك كَافَّة الْعُقَلَاء فِي دركه وَلَو سَاغَ أَن يهذي الانسان بِدَعْوَى الضَّرُورَة فِي كل مَا يهواه لجَاز لخصومهم دَعْوَى الضَّرُورَة فِي نقيض مَا ادعوهُ وَعند ذَلِك لَا يَجدونَ مخلصا بِحَال من الْأَحْوَال
وان زَعَمُوا أَنا عرفنَا ذَلِك بِالنّظرِ فَهُوَ بَاطِل من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن النّظر عِنْدهم بَاطِل فانه تصرف بِالْعقلِ لَا بالتعليم وقضايا الْعُقُول متعارضه وَهِي غير موثوق بهَا وَلذَلِك أبطلوا الرَّأْي بِالْكُلِّيَّةِ وَلم نصنف هَذَا الْكتاب قصدا لإبطال هَذَا الْمَذْهَب فَكيف يُمكن ذَلِك مِنْهُم الثَّانِي أَن يُقَال للفلاسفة والمعترفين بمسالك النّظر بِمَ عَرَفْتُمْ عجز الصَّانِع عَن خلق الْجنَّة وَالنَّار وَبعث الأجساد كَمَا ورد بِهِ الشَّرْع وَهل مَعكُمْ إِلَّا استبعاد مَحْض لَو عرض مثله على من لم يُشَاهد النشأة الأولى لاستبعده وَعرض لَهُ ذَلِك الانكار فالرد عَلَيْهِم بِالْحجَّةِ المنطوية تَحت قَوْله تَعَالَى ﴿قل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أول مرّة﴾ وَمن تَأمل عجائب الصنع فِي خلق الْآدَمِيّ من نُطْفَة قذرة لم يستبعد من قدرَة الله شَيْئا وَعرف أَن الاعادة اهون من الِابْتِدَاء
[ ٤٨ ]
فَإِن قيل الاعادة غير معقولة والابتداء مَعْقُول إِذْ مَا عدم كَيفَ يعود قُلْنَا لنفهم الِابْتِدَاء حَتَّى نَبْنِي عَلَيْهِ الاعادة وَرَأى الْمُتَكَلِّمين فِيهِ أَن الِابْتِدَاء يخلق الْحَيَاة فِي جسم من الْأَجْسَام مَعَ ان الْحَيَاة عرض يَتَجَدَّد سَاعَة فساعة بِخلق الله تَعَالَى فَلَا يَسْتَحِيل على أصلهم الْإِمْسَاك عَن خلق الحياه مُدَّة فِي الْجِسْم ثمَّ يعود الى خلق الْحَيَاة كَمَا لَا يَسْتَحِيل خلق الْحَرَكَة بعد السّكُون والسواد بعد الْبيَاض وَرَأى الفلاسفة أَن قوام الْحَيَاة استعداد جسم مَخْصُوص بِنَوْع من الِاعْتِدَال الى الانفعال عَن النَّفس الَّتِي هِيَ جَوْهَر قَائِم بِنَفسِهِ غير متحيز وَلَا متجسم وَلَا هُوَ منطبع فِي جسم لَا علاقَة بَينه وَبَين الْجِسْم الا بِالْفِعْلِ فِيهِ وَلَا علاقَة بَين الْجِسْم وَبَينه الا بالانفعال عَنهُ وَمعنى الْمَوْت انْقِطَاع هَذِه العلاقة الفعلية بِبُطْلَان استعداد الْجِسْم فانه لَا يستعد للاننفعال الا إِذا كَانَ على مزاج مَخْصُوص كَمَا لَا يستعد الْحَدِيد لانطباع الصُّورَة المحسوسة فِيهِ اَوْ انعكاس الاشعة عَنهُ الا إِذا كَانَ على هَيْئَة مَخْصُوصَة فَإِذا بطلت تِلْكَ الْهَيْئَة لم ينفعل الْحَدِيد عَن الصُّورَة المحاذية لَهُ وَلم ينطبع فِيهِ فَإِذا كَانَ هَذَا مَذْهَبهم فالقادر على إِحْدَاث العلاقة بَين نفس لَا تتجسم وَلَا تخْتَص بمَكَان وَلَا تُوصَف بانها مُتَّصِلَة بالجسم وَلَا بِأَنَّهَا مُنْفَصِلَة عَنهُ وَبَين الْجِسْم الَّذِي لَا تناسبه بحقيقتها وَلَا تتصل بِهِ اتِّصَالًا محسوسا كَيفَ يعجز عَن اعادة تِلْكَ العلاقة وَالْعجب أَن اكثرهم جوزوا اثبات تِلْكَ العلاقة مَعَ جَسَد آخر على طَرِيق التناسخ فَلم لَا يجوز عودهَا الى جَسدهَا فان الْجَسَد الَّذِي فسد مزاجه لابعد فِي أَن يصلح مزاجه وتعاد تِلْكَ العلاقة ايه فَيكون هُوَ المُرَاد بالاعادة ويضاهي التيقظ بعد الْمَنَام فانه يُعِيد حَرَكَة الْحَواس وتذكر الْأُمُور السالفة
[ ٤٩ ]
فان قيل المزاج إِذا فسد لَا يعود معتدلا إِلَّا بَان تنْحَل اجزاء الْجِسْم الى العناصر ثمَّ تتركب ثَانِيًا ثمَّ يصير حَيَوَانا ثمَّ يصير نُطْفَة فَهَذَا الإعتدال للنطفة على الْخُصُوص قُلْنَا وَمن أَيْن عَرَفْتُمْ انه لَيْسَ فِي مَقْدُور الله جبر الْخلَل الْوَاقِع بطرِيق سوى هَذَا الطَّرِيق وَمن أَيْن عَرَفْتُمْ أَن هَذَا الَّذِي ذكرتموه طَرِيق فَهَل لكم مُسْتَند سوى مُشَاهدَة الْأَحْوَال وَهل لكم فِي ابطال غَيره مُسْتَند سوى عدم الْمُشَاهدَة وَلَو لم تشاهدوا خلق الانسان من نُطْفَة لنفرت عقولكم عَن التَّصْدِيق بِهِ فَفِي الْأَسْبَاب الْمُغِيرَهْ لأحوال الْأَجْسَام عجائب يستنكرها من لَا يشاهدها فَمن مُنكر يُنكر الْخَواص وَآخر يُنكر السحر وَآخر يُنكر المعجزة وَآخر يُنكر الاخبار عَن الْغَيْب وكل يعول فِي إِقْرَاره على قدر مشاهدته لَا على طَرِيق مَعْقُول فِي إِثْبَات الاستحالة ثمَّ من لم يُشَاهِدهُ ويستيقنه يُنبئ أَن نفرة طبعه عَن التَّصْدِيق كَانَ لعدم الْمُشَاهدَة
وَفِي مقدورات الله عجائب لم يطلع عَلَيْهَا بشر فَلم يسْتَحل ان يكون لاعادة تِلْكَ الاجسام واعادة مزاجها سَبَب عِنْد الله ينْفَرد بمعرفته وَإِذا اعاده عَادَتْ النَّفس متصرفه فِيهِ كَمَا كَانَ بزعمهم فِي الْحَيَاة وَالْعجب مِمَّن يَدعِي الحذق فِي المعقولات ثمَّ يُشَاهد مَا فِي الْعَالم من الْعَجَائِب والآيات ثمَّ تضيق حوصلته عَن قبُول ذَلِك فِي قدرَة الله وَإِذا نسب مَا لم يُشَاهِدهُ الى مَا شَاهده لم ير أعجب مِنْهُ نعم لَو قَالَ الْقَائِل هَذَا امْر لَا يدل الْعقل على إحالته وَلَكِن لَا يدل
[ ٥٠ ]
أَيْضا على جَوَازه بل يتَوَقَّف عَن الحكم فِيهِ وَيجوز ان يكون ثمَّ محيل لَا يطلع عَلَيْهِ اَوْ مجوز لَا يطلع عَلَيْهِ فَهَذَا أقرب من الأول وَيلْزم بِحكمِهِ تَصْدِيق النَّبِي ﷺ إِذا أخبر عَنهُ فانه أخبر عَمَّا لَا يَسْتَحِيل فِي الْعقل وجوده وعَلى الْجُمْلَة فقد اشْتَمَل على أطوار الْخلق ودرجاته قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين﴾ الى قَوْله ﴿تبعثون﴾ فأطبق الْخلق على التَّصْدِيق بجملة الْمُقدمَات إِلَّا الْبَعْث لانهم شاهدوا جَمِيع ذَلِك سوى الْبَعْث وَلَو لم يشاهدوا قطّ موتا لانكروا إِمْكَان الْمَوْت وَلَو لم يشاهدوا خلق آدَمِيّ من نُطْفَة لانكروا إِمْكَانه فالبعث مَعَ مَا قبله فِي ميزَان الْعقل على وتيرة وَاحِدَة فلنصدق الْأَنْبِيَاء فِيمَا جَاءُوا بِهِ فَإِنَّهُ لَا يمْتَنع وَهَذَا كُله كَلَام مَعَ فلاسفة النظار اما الباطنية المنكرون للنَّظَر فَلَا يُمكنهُم التَّمَسُّك بِالنّظرِ نعم لَو قَالَ الباطني أَخْبرنِي الإِمَام الْمَعْصُوم ان الْبَعْث مُسْتَحِيل فصدقته قيل لَهُ وَمَا الَّذِي دعَاك الى تَصْدِيق الإِمَام الْمَعْصُوم بزعمك وَلَا معْجزَة لَهُ وصرفك عَن تَصْدِيق مُحَمَّد بن عبد الله مَعَ المعجزات
[ ٥١ ]
وَالْقُرْآن من اوله الى اخره دَال على جَوَاز ذَلِك ووقوعه فَهَل لَك من مَانع سوى ان عصمته علمت بمعجزته وعصمة من يَدعِيهِ علمت بهذيانك وشهوتك فان قَالَ ان مَا فِي الْقُرْآن ظواهر هِيَ رموز إِلَى بواطن لم يفهموها وَقد فهمها الإِمَام الْمَعْصُوم فتعلمنا مِنْهُ قُلْنَا تعلمتم مِنْهُ بمشاهدة ذَلِك فِي قلبه بِالْعينِ اَوْ سَمَاعا من لَفظه وَلَا يُمكن دَعْوَى الْمُشَاهدَة وَلَا بُد من الِاسْتِنَاد الى سَماع لَفظه قُلْنَا وَمَا يُؤمنك أَن لَفظه لَهُ بَاطِن لم تطلع عَلَيْهِ فَلَا تثق بِمَا فهمته من ظَاهر لَفظه فَإِن زعمت أَنه صرح مَعَك وَقَالَ مَا ذكرته هُوَ ظَاهر لَا رمز فيهوالمراد ظَاهره قُلْنَا وَبِمَ عرفت أَن قَوْله هَذَا وَهُوَ أَنه ظَاهر لَا رمز فِيهِ أَيْضا ظَاهر وَفِيه رمز الى مَا لم تطلع عَلَيْهِ فلايزال يُصَرح بِلَفْظِهِ وَنحن نقُول لسنا مِمَّن يغتر بالظواهر فَلَعَلَّ تَحْتَهُ رمزا وان انكر الْبَاطِن فَنَقُول تَحت انكاره رمز وان حلف بِالطَّلَاق الثَّلَاث على انه مَا قصد الا الظَّاهِر فَنَقُول فِي طَلَاقه رمز وانما هُوَ مظهر شَيْئا ومضمر غَيره فان قلت فَذَلِك يُؤَدِّي الى حسم بَاب التفهيم قُلْنَا فَأنْتم حسمتم بَاب التفهيم على الرَّسُول فان ثُلثي الْقُرْآن فِي وصف الْجنَّة وَالنَّار والحشر والنشر مُؤَكد بالقسم والايمان وانتم تَقولُونَ لَعَلَّ تَحت ذَلِك رمزا وانتم تَقولُونَ وَأي فرق بَين ان يطول فِي تفهم الْأُمُور التَّطْوِيل الَّذِي عرف فِي الْقُرْآن وَالْأَخْبَار وَبَين أَن تَقول مَا أُرِيد إِلَّا الظَّاهِر فَإِن جَازَ عَلَيْهِ ان يفهم الظَّاهِر وَيكون مُرَاده غير مَا علم قطعا انه مَا وصل الى افهام الْخلق وَيكون كَاذِبًا فِي جَمِيع مَا قَالَ لاجل مصلحَة وسر فِيهِ جَازَ انيكون امامكم الْمَعْصُوم بزعمكم يضمر مَعكُمْ خلاف مَا يظهره وضد مَا يفهمهُ ونقيض مَا يتَيَقَّن انه الْوَاصِل الى افهامكم ويؤكد ذَلِك بالايمان الْمُغَلَّظَة لمصْلحَة لَهُ وسر فِيهِ وَهَذَا لَا جَوَاب عَنهُ أَبَد الدَّهْر وَعند هَذَا يَنْبَغِي أَن يعرف الانسان ان رُتْبَة هَذِه الْفرْقَة أخس من رُتْبَة كل فرقة من فرق الضلال
[ ٥٢ ]
إِذْ لَا نجد فرقة ينْقض مذهبها بِنَفس الْمَذْهَب سوى هَذِه إِذْ مذهبها إبِْطَال النّظر وتغيير الالفاظ عَن موضوعاتها بِدَعْوَى الرموز وكل مَا يتَصَوَّر ان ينْطَلق بِهِ لسانهم اما نظر اَوْ نقل اما النّظر فقد ابطلوه وَأما اللَّفْظ فقد جوز ان يُرَاد بِاللَّفْظِ غير مَوْضُوعه فَلَا يبْقى لَهُم معتصم فَإِن قيل فَهَذَا يَنْقَلِب عَلَيْكُم فَأنْتم تجوزون ايضا تَأْوِيل الظَّوَاهِر كَمَا اولتم آيَة الاسْتوَاء وَخبر النُّزُول وَغَيرهمَا قُلْنَا مَا ابعد هَذَا الْقلب فَإِن لنا معيارا فِي التَّأْوِيل وَهُوَ أَن مَا دلّ نظر الْعقل وَدَلِيله على بطلَان ظَاهره علمنَا ضَرُورَة أَن المُرَاد غير ذَلِك بِشَرْط ان يكون اللَّفْظ مناسبا لَهُ بطرِيق التَّجَوُّز والاستعارة فقد دلّ الدَّلِيل على بطلَان الاسْتوَاء وَالنُّزُول فَإِن ذَلِك من صِفَات الْحَوَادِث فَحمل على الِاسْتِيلَاء وَهُوَ مُنَاسِب للغة واما الْحَشْر والنشر وَالْجنَّة وَالنَّار فَلَيْسَ فِي الْعقل دَلِيل على إِبْطَاله وَلَا مُنَاسبَة بَين الالفاظ الْوَارِدَة فِيهِ وَبَين الْمَعْنى الَّذِي اولوه عَلَيْهِ حَتَّى يُقَال انه المُرَاد بل التَّأْوِيل فِي تَكْذِيب مَحْض فَأَي مُنَاسبَة بَين قَوْله ﴿فِيهَا عين جَارِيَة فِيهَا سرر مَرْفُوعَة وأكواب مَوْضُوعَة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة﴾ وَقَوله ﴿فِي سدر مخضود وطلح منضود﴾ الى قَوْله ﴿لَا مَقْطُوعَة﴾ وَبَين مَا اعتقدوه من اتِّصَال الْجَوَاهِر الروحانية بالأمور
[ ٥٣ ]
الروحانية الْعَقْلِيَّة الَّتِي لَا مدْخل فِيهَا للمحسوسات فَإِن جَازَ أَن يكذب صَاحب المعجزة بِهَذِهِ التأويلات الَّتِي لم تخطر قطّ ببال من سَمعهَا فَلم لَا يجوز تَكْذِيب معصومكم الَّذِي لَا معْجزَة لَهُ بتأويله على امور لَيْسَ تخطر ببالهم لمصْلحَة اَوْ لمسيس حَاجَة فَإِن غَايَة لَفظه التَّصْرِيح وَالْقسم وَهَذِه الآلفاظ فِي الْقُرْآن صَرِيحَة ومؤيدة بالقسم وَزَعَمُوا ان ذَلِك ذكر لمصْلحَة وَالْمرَاد غير مَا سبق الى الأفهام مِنْهَا وَهَذَا لَا مخلص عَنهُ