الْبَاب الْعَاشِر فِي الْوَظَائِف الدِّينِيَّة الَّتِي بالمواظبة عَلَيْهَا يَدُوم اسْتِحْقَاق الْإِمَامَة وَمن فَرَائض الدّين على امير الْمُؤمنِينَ زَاده الله تَوْفِيقًا المداومة على مطالعة هَذَا الْبَاب وَالِاسْتِقْصَاء على تَأمله وتصفحه ومطالبة النَّفس الْكَرِيمَة حَتَّى تستمر عَلَيْهِ فَإِن ساعد التَّوْفِيق للمجاهدة فِي الاقتدار على وَظِيفَة من هَذِه الْوَظَائِف وَلَو فِي سنة فَهِيَ السَّعَادَة القصوى وَهَذِه الْوَظَائِف بَعْضهَا علمية وَبَعضهَا عملية فَتقدم العلمية فَإِن الْعلم هُوَ الأَصْل وَالْعَمَل فرع لَهُ إِذْ الْعُلُوم لَا حصر لَهَا وَلَكنَّا نذْكر اربعة أمورهن أُمَّهَات وأصول
الأول أَن يعرف أَن الْإِنْسَان فِي هَذَا الْعَالم لم خلق وَإِلَى أَي مقصد وَجه ولأي مطلب رشح وَلَيْسَ يخفى على ذِي بَصِيرَة أَن هَذِه الدَّار لَيست دَار مقرّ وَإِنَّمَا هِيَ دَار ممر وَالنَّاس فِيهَا على صُورَة الْمُسَافِرين ومبدأ سفرهم بطُون أمهاتهم وَالدَّار الْآخِرَة مقصد سفرهم وزمان الْحَيَاة مِقْدَار الْمسَافَة وسنوه مَنَازِله وشهوره فراسخه وأيامه أمياله وأنفاسه خطاه ويصار بهم عبر السَّفِينَة براكبها وَلكُل شخص عِنْد الله عمر مُقَدّر لَا يزِيد وَلَا ينقص وَلِهَذَا قَالَ عِيسَى صلوَات الله عَلَيْهِ وَسلم الدُّنْيَا قنطرة فاعبروها وَلَا تعمروها وَقد دعى الْخلق الى لِقَاء الله فِي دَار السَّلَام وسعادة الْأَبَد فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام﴾ وَهَذَا السّفر لَا يفضى إِلَى الْمَقْصد إِلَّا بزاد وَهُوَ التَّقْوَى وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى
[ ١٩٥ ]
﴿وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى﴾ فَمن لم يتزود فِي دُنْيَاهُ لآخرته بالمواظبة على الْعِبَادَة فسيرجع مِنْهُ عِنْد الْمَوْت مَا اغْترَّ من جسده وَمَاله فيتحسر حَيْثُ لَا يُغْنِيه التحسر وَيَقُول ﴿يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا ونكون من الْمُؤمنِينَ﴾ وَيَقُول ﴿فَهَل لنا من شُفَعَاء فيشفعوا لنا أَو نرد فنعمل غير الَّذِي كُنَّا نعمل﴾ فَحِينَئِذٍ ﴿لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل أَو كسبت فِي إيمَانهَا خيرا﴾ وَهَذَا الْإِنْسَان من وَجه آخرفي دُنْيَاهُ حَارِث وَعَمله حرثه ودنياه محترثه وَوقت الْمَوْت وَقت حَصَاده وَلذَلِك قَالَ ﷺ الدُّنْيَا مزوعة الْآخِرَة وانما الْبذر هُوَ الْعُمر فَمن انْقَضى عَلَيْهِ نفس من انفاسه وَلم يعبد الله فِيهِ بِطَاعَة فَهُوَ مغبون لضياع ذَلِك النَّفس فَإِنَّهُ لَا يعود قطّ وَمِثَال الْإِنْسَان فِي عمره مِثَال رجل كَانَ يَبِيع الثَّلج وَقت الصَّيف وَلم تكن لَهُ بضَاعَة سواهُ فَكَانَ يُنَادي وَيَقُول ارحموا من رَأس مَاله يذوب فرأس مَال الْإِنْسَان عمره الَّذِي هُوَ وَقت طَاعَته وانه ليذوب على الدَّوَام فَكلما زَاد سنه نقص بَقِيَّة عمره فزيادته نقصانه على التَّحْقِيق وَمن لم ينتهز فِي انفاسه حَتَّى يقتنص بهَا الطَّاعَات كلهَا كَانَ مغبونا وَلذَلِك قَالَ ﷺ من اسْتَوَى يوماه فَهُوَ مغبون وَمن كَانَ يَوْمه شرا من أمسه فَهُوَ مَلْعُون فَكل من صرف عمره إِلَى ديناه فقد خَابَ سَعْيه وَضاع عمله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم﴾ الْآيَة وَمن عمل لآخرته فَهُوَ الَّذِي أنجح سَعْيه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن أَرَادَ الْآخِرَة وسعى لَهَا سعيها وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك كَانَ سَعْيهمْ مشكورا﴾
الْوَظِيفَة الثَّانِيَة أَنه مهما عرف أَن زَاد السّفر إِلَى الْآخِرَة التَّقْوَى فَليعلم أَن التَّقْوَى محلهَا ومنبعها الْقلب لقَوْله ﷺ التَّقْوَى
[ ١٩٦ ]
هَا هُنَا وَأَشَارَ إِلَى صَدره وَيَنْبَغِي أَن يكون الِاجْتِهَاد فِي إصْلَاح الْقلب أَولا إِذْ صَلَاح الْجَوَارِح تَابع لَهُ لقَوْله ﷺ إِن فِي بدن ابْن آدم لبضعة إِذا صلحت صلح لَهَا سَائِر الْجَسَد وَإِذا فَسدتْ فسد لَهَا سَائِر الْجَسَد أَلا وَهِي الْقلب وَإِصْلَاح الْقلب شَرطه تقدم تَطْهِيره عَلَيْهِ وطهارته فِي أَن يطهر عَن حب الدُّنْيَا لقَوْله ﷺ حب الدُّنْيَا رَأس كل خَطِيئَة وَهَذَا هُوَ الدَّاء الَّذِي أعجز الْخلق وَمن ظن أَنه يقدر على الْجمع بَين التنعم فِي الدُّنْيَا والحرص على تَرْتِيب أَسبَابهَا وَبَين سَعَادَة الْآخِرَة فَهُوَ مغرور كمن يطْمع فِي الْجمع بَين المَاء وَالنَّار لقَوْله أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ضرتان مهما أرضيت إِحْدَاهمَا أسخطت الْأُخْرَى نعم لَو كَانَ الْإِنْسَان يشْتَغل بالدنيا لأجل الدّين لَا لأجل شَهْوَته كمن يصرف عمره إِلَى تَدْبِير مصَالح الْخلق شَفَقَة عَلَيْهِم أَو يصرف بعض أوقاته إِلَى كسب الْقُوت وَنِيَّته فِي كسب الْقُوت إِلَى أَن يتقوى بتناوله على الطَّاعَة وَالتَّقوى فَهَذَا من عين الدّين وعَلى هَذَا الْمِنْهَاج جرى حرص الْأَنْبِيَاء وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين فِي أُمُور الدُّنْيَا وَمهما ثَبت أَن الزَّاد هُوَ التَّقْوَى وَأَن التَّقْوَى شَرطهَا خلو الْقلب عَن حب الدُّنْيَا فَلْيَكُن الْجهد فِي تخليته عَن حبها وَطَرِيقه أَن يعرف الْإِنْسَان عيب الدُّنْيَا وآفتها وَيعرف شرف السَّعَادَة فِي الدَّار الْآخِرَة وَزينتهَا وَيعلم أَن فِي مُرَاعَاة الدُّنْيَا الحقيرة فَوت الْآخِرَة الخطيرة وَأَقل آفَات الدُّنْيَا وَهِي مستيقنة لكل عَاقل وجاهل أَنَّهَا منقضية على الْقرب وسعادة الْآخِرَة لَا آخر لَهَا هَذَا إِذا سلمت الدُّنْيَا صَافِيَة عَن الشوائب والأقذاء خَالِيَة عَن المؤذيات والمكدرات وهيهات هَيْهَات فَلم يسلم أحد فِي الدُّنْيَا من طول الْأَذَى ومقاساة الشدائد وَمهما عرف تصرم الدُّنْيَا وتأبد السَّعَادَة فِي العقبى فَلْيتَأَمَّل أَنه لَو شغف إِنْسَان بشخص واستهتر بِهِ وَصَارَ لَا يطبق فِرَاقه وَخير بَين أَن يعجل لقاءه
[ ١٩٧ ]
لَيْلَة وَاحِدَة بَين أَن يصبر عَنهُ تِلْكَ اللَّيْلَة مُجَاهدًا نَفسه ثمَّ يخلى بَينه وَبَينه ألف لَيْلَة فَكيف لَا يسهل عَلَيْهِ الصَّبْر لَيْلَة وَاحِدَة لتوقع التَّلَذُّذ بمشاهدته ألف لَيْلَة وَلَو استعجل تِلْكَ اللَّيْلَة وَعرض نَفسه لعناء الْمُفَارقَة ألف لَيْلَة لعد سَفِيها خَارِجا عَن حزب الْعُقَلَاء فالدنيا معشوقة كلفنا الصَّبْر عَنْهَا مُدَّة يسيرَة ووعدنا أَضْعَاف هَذِه اللَّذَّات مُدَّة لَا آخر لَهَا وَترك الْألف بِالْوَاحِدِ لَيْسَ من الْعقل وَاخْتِيَار الْألف على الْوَاحِد الْمُعَجل لَيْسَ بمتعذر على الْعَاقِل وَعند هَذَا يَنْبَغِي أَن يقيس الانسان أقْصَى مُدَّة مقَامه فِي الدُّنْيَا وهى مائَة سنة مثلا وَمُدَّة مقَامه فِي الاخرة وَلَا آخر لَهَا بل لَو طلبنا مِثَالا لطول مُدَّة الْأَبَد لعجزنا عَنهُ إِلَّا أَن نقُول لَو قَدرنَا الدُّنْيَا كلهَا إِلَى مُنْتَهى السَّمَوَات ممتلئة بالذرة وقدرنا طائرا يَأْخُذ بمنقاره فِي كل ألف سنة حَبَّة وَاحِدَة فَلَا يزَال يعود حَتَّى لَا يبْقى من الذّرة حَبَّة وَاحِدَة فتنقضي هَذِه الْمدَّة وَقد بقى من الذّرة اضعافها فَكيف لَا يقدر الْعَاقِل إِذا حقق على نَفسه هَذَا الامر على أَن يستحقر الدُّنْيَا ويتجرد لله تَعَالَى هَذَا لَو قد قدر بَقَاء الْعُمر مائَة سنة وقدرت الدُّنْيَا صَافِيَة عَن الاقذاء فَكيف وَالْمَوْت بالمرصاد فِي كل لَحْظَة وَالدُّنْيَا غير صَافِيَة من ضروب التَّعَب والعناء وَهَذَا امْر يَنْبَغِي أَن يطول التامل فِيهِ حَتَّى يترسخ فِي الْقلب وَمِنْه تنبعث التَّقْوَى وَمَا لم يظْهر للانسان حقارة الدُّنْيَا لَا يتَصَوَّر مِنْهُ أَن يسْعَى للدَّار الاخرى وَيَنْبَغِي أَن يستعان على معرفَة ذَلِك بِالِاعْتِبَارِ بِمن سلف من أَبنَاء الدُّنْيَا كَيفَ تعبوا فِيهَا ثمَّ ارتحلوا عَنْهَا بِغَيْر طائل وَلم تصحبهم إِلَّا الْحَسْرَة والندامة وَلَقَد صدق من قَالَ من الشُّعَرَاء حَيْثُ قَالَ أَشد الْغم عِنْدِي فِي سرُور تَيَقّن عَنهُ صَاحبه انتقالا وَهَذِه حَال لذات الدُّنْيَا
الْوَظِيفَة الثَّالِثَة أَن معنى خلَافَة الله على الْخلق اصلاح الْخلق وَلنْ يقدر على اصلاح اهل الدُّنْيَا من لَا يقدر على اصلاح اهل بَلَده وَلنْ يقدر على اصلاح اهل الْبَلَد من لايقدر على اصلاح اهل منزله وَلَا يقدر على اصلاح اهل منزله من لايقدر على اصلاح نَفسه وَمن لَا
[ ١٩٨ ]
يقدر على اصلاح نَفسه فَيَنْبَغِي أَن تقع الْبِدَايَة باصلاح الْقلب وسياسة النَّفس وَمن لم يصلح نَفسه وطمع فِي اصلاح غَيره كَانَ مغرور كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم﴾ وَفِي الحَدِيث ان الله تَعَالَى قَالَ لعيسى بن مَرْيَم عظ نَفسك فان اتعظت فعظ النَّاس والا فاستحي مني وَمِثَال من عجز عَن اصلاح نَفسه وطمع فِي اصلاح غَيره مِثَال الاعمى اذا اراد يهدي العميان وَذَلِكَ لَا يستتب لَهُ قطّ وانما يقدر على اصلاح النَّفس بِمَعْرِفَة النَّفس وَمثل معرفَة الانسان فِي بدنه كَمثل وَال فِي بَلَده وجوارحه وحواسه واطرافه بِمَنْزِلَة صناع وعملة وَالشَّرْع لَهُ كمشير نَاصح ووزير مُدبر والشهوة فِيهِ كَعبد سوء جالب لِلْمِيرَةِ وَالطَّعَام والعصب لَهُ كصاحب شرطة وَالْعَبْد الجالب لِلْمِيرَةِ خَبِيث ماكر يتَمَثَّل للانسان بِصُورَة الناصح وَفِي نصحة دَبِيب الْعَقْرَب فَهُوَ يُعَارض الْوَزير فِي تَدْبيره وَلَا يغْفل سَاعَة من منازعته ومعارضته فَكَانَ الوالى فِي مَمْلَكَته مَتى اسْتَشَارَ فِي تدبيراته وزيره دون هَذَا العَبْد السوء الْخَبيث وادب صَاحب شرطته وَجعله مؤتمرا لوزيره وسلطه على هَذَا العَبْد الْخَبيث واتباعه حَتَّى يكون هَذَا العَبْد مسوسا لَا سائسا ومدبرا لَا مُدبرا استقام امْر بَلَده وَكَذَا النَّفس مَتى استعانت فِي تدبيراتها بِالشَّرْعِ وَالْعقل وادبت الحمية وَالْغَضَب حَتَّى لَا يهتاج الا باشارة الشَّرْع وَالْعقل وسلطته على الشَّهْوَة واستتب أمرهَا والا فَسدتْ وَاتَّبَعت الْهوى ولذات الدُّنْيَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تتبع الْهوى﴾ الأية وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ ﴿وَقَالَ﴾ ﴿أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ فَمثله كَمثل الْكَلْب﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي مدح من عصاها ﴿وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى﴾
[ ١٩٩ ]
الأية وعَلى الْجُمْلَة فَيَنْبَغِي ان يكون العَبْد طول عمره فِي مجاهدة غَضَبه وشهوته ومتشمرا لمخالفتها كَمَا يتشمر لمُخَالفَة اعدائه فانهما عدوان كَمَا قَالَ ﷺ اعدى عَدو نَفسك الَّتِي بَين جنبيك وَمِثَال من اشْتغل بالتلذذ عندالشهوات والانتقام عِنْد الْغَضَب مثل رجل فَارس صياد لَهُ فرس وكلب غفل عَن صَيْده واشتغل بتعهد فرسه وطعمة كَلْبه وضيع فِيهِ جَمِيع وقته فَإِن شَهْوَة الانسان كفرسه وغضبه ككلبه فَإِن كَانَ الْفَارِس حاذقا وَالْفرس مروضا وَالْكَلب مؤدبا ومعلما فَهُوَ قمين بِإِدْرَاك حَاجته من الصَّيْد وَمَتى كَانَ الْفَارِس أخرق وفرسه جموحا أَو حرونا وكلبه عقورا فَلَا فرسه ينبعث تَحْتَهُ منقادا وَلَا كَلْبه يسترسل باشارته مُطيعًا فَهُوَ قمين أَن يعطب فضلا أَن يدْرك مَا طلب وَمهما جَاهد الْإِنْسَان فِيهَا هَوَاهُ فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال الأول أَن يغلبه الْهوى فيتبعه ويعرض عَن الشَّرْع كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ الثَّانِي أَن يغالبه فيقهره مرّة ويقهره الْهوى أُخْرَى فَلهُ أجر الْمُجَاهدين وَهُوَ المرد بقوله ﷺ جاهدوا هواكم كَمَا تجاهدو أعداءكم الثَّالِث أَن يغلب هَوَاهُ ككثير من الْأَنْبِيَاء وصفوه الْأَوْلِيَاء لقَوْله ﷺ مَا من أحد إِلَّا وَله شَيْطَان وَإِن الله قد أعانني على شيطاني حَتَّى ملكته وعَلى الْجُمْلَة فالشيطان يتسلط على الْإِنْسَان بِحَسب وجوده الْهوى فِيهِ وَإِنَّمَا مثلت الشَّهْوَة بالفرس وَالْغَضَب بالكلب لِأَنَّهُ لولاهما لما تصورت الْعِبَادَة المؤدية إِلَى السَّعَادَة الْآخِرَة فَإِن الْإِنْسَان يحْتَاج فِي عِبَادَته إِلَى بدنه وَلَا قيام إِلَّا بالقوت وَلَا يقدر على الاقتيات إِلَّا بِشَهْوَة وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى أَن يحرس نَفسه عَن الهلكات بدفعها وَلَا يدْفع المؤذى إِلَّا بداعية الْغَضَب فكأنهما خادمان لبَقَاء الْبدن وَالْبدن مركب النَّفس وبواسطتها يصل إِلَى الْعِبَادَة وَالْعِبَادَة طَرِيقه إِلَى النجَاة
الْوَظِيفَة الرَّابِعَة أَن يعرف أَن الْإِنْسَان مركب من صِفَات ملكية
[ ٢٠٠ ]
وصفات بهيمية فَهُوَ حيران بَين الْملك والبهيمة فمشابهته للْملك بِالْعلمِ وَالْعِبَادَة والعفة وَالْعَدَالَة وَالصِّفَات المحمودة ومشابهته للبهائم بالشهوة وَالْغَضَب والحقد وَالصِّفَات المذمومة فَمن صرف همته إِلَى الْعلم وَالْعَمَل وَالْعِبَادَة فخليق أَن يلْحق بِالْمَلَائِكَةِ فيسمى ملكا وربانيا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم﴾ وَمن صرف همته إِلَى إتباع الشَّهَوَات وَاللَّذَّات الْبَدَنِيَّة يَأْكُل كَمَا تَأْكُل الْبَهَائِم فخليق أَن يلْحق بالبهائم فَيصير إِمَّا غمرا كثور وَإِمَّا شَرها كخنزير وَإِمَّا ضرعا ككلب أَو حقودا كجمل أَو متكبرا كنمر أَو ذَا روغان ونفاق كثعلب أَو يجمع ذَلِك فَيصير كشيطان مُرِيد وعَلى ذَلِك دلّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجعل مِنْهُم القردة والخنازير وَعبد الطاغوت﴾ ﴿وَقَالَ﴾ ﴿كالأنعام بل هم أضلّ﴾ ﴿وَقَالَ﴾ ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الصم الْبكم الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ وَهَذِه الصِّفَات الذميمة تَجْتَمِع فِي الْآدَمِيّ فِي هَذَا الْعَالم وَهُوَ فِي صُورَة الْإِنْسَان فَتكون الصّفة باطنة وَالصُّورَة ظَاهِرَة وَفِي الْآخِرَة تتحد الصُّورَة وَالصِّفَات فيصور كل شخص بِصفتِهِ الَّتِي كَانَت غالبة عَلَيْهِ فِي حَيَاته فَمن غلب عَلَيْهِ الشَّرّ حشر فِي صُورَة خِنْزِير وَمن غلب عَلَيْهِ الْغَضَب حشر فِي صُورَة سبع وَمن غلب عَلَيْهِ الْحمق حشر فِي صُورَة حمَار وَمن غلب عَلَيْهِ التكبر حشر بِصُورَة نمر وَهَكَذَا جَمِيع الصِّفَات وَمن غلب عَلَيْهِ الْعلم وَالْعَمَل وَاسْتولى بهما على هَذِه الصِّفَات حشر فِي صُورَة الْمَلَائِكَة وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا
[ ٢٠١ ]
وَهَذِه الْوَظَائِف الَّتِي ذَكرنَاهَا علمية يجب التَّأَمُّل فِيهَا حَتَّى تتمثل فِي الْقلب فَتكون نصب الْعين فِي كل لَحْظَة وَإِنَّمَا تترسخ هَذِه الْعُلُوم فِي النَّفس إِذا أكدت بِالْعَمَلِ كَمَا سَنذكرُهُ فِي الْوَظَائِف العملية بعد القَوْل فِي الْوَظَائِف العملية
وَهِي كَثِيرَة أولاها وَهِي من الْأُمُور الْكُلية أَن كل من تولى عملا على الْمُسلمين فَيَنْبَغِي أَن يحكم نَفسه فِي كل قَضِيَّة يبرمها فَمَا لَا يرتضيه لنَفسِهِ لَا يرتضيه لغيره فالمؤمنون كَنَفس وَاحِدَة فقد روى عبد الله بن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من سره أَن يزحزح عَن النَّار وَيدخل الْجنَّة فليدركه مَوته وَهُوَ مُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وليأت إِلَى النَّاس الَّذِي يحب أَن يُؤْتى إِلَيْهِ وروى أنس بن مَالك عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من أصبح وهمه غير الله تَعَالَى فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء وَمن أصبح لَا يهتم بِالْمُسْلِمين فَلَيْسَ من الْمُسلمين
وَمِنْهَا أَن يكون والى الْأَمر متعطشا إِلَى نصيحة الْعلمَاء ومتبجحا بهَا إِذا سَمعهَا وشاكرا عَلَيْهَا فقد روى أَن أَبَا عُبَيْدَة وَمعَاذًا كتبا إِلَى عمر ﵃ أما بعد فَإنَّا عهدناك وشأن نَفسك لَك مُهِمّ وأصبحت وَقد وليت بِأَمْر هَذِه الْأمة أسودها وأحمرها يجلس بَين يَديك الشريف والوضيع وَالصديق والعدو وَلكُل حِصَّته من الْعدْل فَانْظُر كَيفَ أَنْت عِنْد ذَلِك يَا عمر وانا نحذرك مِمَّا حذرت الْأُمَم قبلك يَوْم تعنو فِيهِ الْوُجُوه وَتجب فِيهِ الْقُلُوب وتقطع فِيهِ الْحجَّة لعز ملك قهرهم جبروته والخلق داخرون لَهُ ينتظرون قَضَاءَهُ وَيَخَافُونَ عِقَابه وانه ذكر لنا أَنه سياتي على النَّاس زمَان يكون اخوان الْعَلَانِيَة أَعدَاء السريرة فانا نَعُوذ بِاللَّه ان ينزل كتَابنَا من قبلك سوى الْمنزل الذى نزل من قُلُوبنَا وَإِنَّا كتبنَا اليك نصيحة وَالسَّلَام فكاتبهما بجوابه وَذكر فِي آخر مَا كتب إنَّكُمَا كتبتما الى نصيحة فتعهداني مِنْكُمَا بِكِتَاب فَإِنِّي لَا غنى بِي عنكما وَالسَّلَام عَلَيْكُمَا
[ ٢٠٢ ]
وَمِنْهَا أَلا يستحقر الوالى انْتِظَار ارباب الْحَاجَات ووقوفهم بِالْبَابِ فِي لَحْظَة وَاحِدَة فان الاهتمام بِأَمْر الْمُسلمين أهم لَهُ وأعود عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ متشاغل بِهِ من نوافل الْعِبَادَات فضلا عَن اتِّبَاع الشَّهَوَات فقد روى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ جلس يَوْمًا للنَّاس فَلَمَّا انتصف النَّهَار ضجر ومل فَقَالَ للنَّاس مَكَانكُمْ حَتَّى أَعُود اليكم فَدخل يستريح سَاعَة فجَاء ابْنه عبد الْملك فَاسْتَأْذن فَدخل عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا سَبَب دخولك قَالَ أردْت ان استريح سَاعَة فَقَالَ أأمنت أَن يَأْتِيك الْمَوْت ورعيتك على الْبَاب ينتظرونك وانت محتجب عَنْهُم فَقَالَ عمر صدقت فَقَامَ من سَاعَته وَخرج الى النَّاس
وَمِنْهَا أَن يتْرك الْوَالِي لِلْأَمْرِ الترفه والتلذذ بالشهوات فِي المأكولات والملبوسات فقد روى أَن عمر ﵁ كتب الى سلمَان الْفَارِسِي يستزيره فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ سلمَان تَلقاهُ فِي أَصْحَابه فَالْتَزمهُ وضمه إِلَيْهِ وَصَارَ الى الْمَدِينَة فَلَمَّا خلا بِهِ عمر قَالَ لَهُ يَا أخي هَل بلغك مني مَا تكرههُ فَقَالَ لَا قَالَ عزمت عَلَيْك إِن كَانَ بلغك مني مَا تكرههُ أَلا أَخْبَرتنِي فَقَالَ لَوْلَا مَا عزمت على أَولا مَا أَخْبَرتك بَلغنِي أَنَّك تجمع بَين السّمن وَاللَّحم على مائدتك وَبَلغنِي أَن لَك حلتين حلَّة تلبسها مَعَ أهلك وحلة تخرج فِيهَا إِلَى النَّاس فَقَالَ عمر هَل بلغك غير هَذَا فَقَالَ لَا فَقَالَ أما هَذَانِ فقد كفيتهما فَلَا أَعُود إِلَيْهِمَا وَمِنْهَا أَن يعلم والى الْأَمر أَن الْعِبَادَة تيَسّر للولاة مَالا يَتَيَسَّر لآحاد الرعايا فلتغتنم الْولَايَة لتعبد الله بهَا وَذَلِكَ بالتواضع وَالْعدْل والنصح للْمُسلمين والشفقة عَلَيْهِم فقد روى عَن أبي بكر ﵁ وَهُوَ على الْمِنْبَر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْوَالِي الْعدْل المتواضع ظلّ الله وَرمحه فِي أرضه فَمن نصحه فِي نَفسه وَفِي عباد الله حشره الله تَعَالَى فِي وقده يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله وَفِي غشه فِي نَفسه وَفِي عباد الله خذله الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وَيرْفَع للوالي الْعدْل
[ ٢٠٣ ]
المتواضع فِي كل يَوْم وَلَيْلَة عمل سِتِّينَ صديقا كلهم عبد مُجْتَهد فِي نَفسه فَهَذِهِ رُتْبَة عَظِيمَة لَا تسلم فِي كل عصر إِلَّا لوَاحِد وانما تنَال هَذِه الرُّتْبَة بِالْعَدْلِ والتواضع وَقد روى أَبُو سعيد الخدرى عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ سَبْعَة يظلهم الله يَوْم الْقِيَامَة يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله إِمَام عَادل وشاب نَشأ فِي عبَادَة الله وَرجل قلبه مُتَعَلق بِالْمَسْجِدِ إِذا خرج من حَتَّى يعود إِلَيْهِ ورجلان تحابا فِي الله فاجتمعا على ذَلِك وتفرقا عَلَيْهِ وَرجل ذكر الله خَالِيا فَفَاضَتْ عَيناهُ وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَة ذَات حسب وجمال إِلَى نَفسهَا فَقَالَ أَنِّي أَخَاف الله رب الْعَالمين وَرجل تصدق بِصَدقَة وأخفاها حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه فَهَذِهِ سبع لَا يتَصَوَّر اجتماعها إِلَّا فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا يقدر غَيره من الْخلق على آحادها دون مجموعها فليجتهد فِي نيل رُتْبَة لم تدخر إِلَّا لَهُ وَلنْ يقوم بهَا سواهُ فقد روى ايضا أَبُو سعيد الخدرى أَنه قَالَ إِن أحب الْعباد إِلَى الله تَعَالَى وأقربهم مِنْهُ مَجْلِسا إِمَام عَادل وَإِن أبْغض النَّاس إِلَى الله وأشدهم عذَابا يَوْم الْقِيَامَة إِمَام جَائِر وَقد روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا يرد الله لَهُم دَعْوَة الإِمَام الْعَادِل والصائم حَتَّى يفْطر والمظلوم يَقُول الله وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وارتفاعي فَوق عَرْشِي لأنتصرن لَك وَلَو بعد حِين وَقد روى عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ ﷺ عدل سَاعَة خير من عبَادَة سنة وَإِنَّمَا قَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْعَدْلِ وَقد روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه ﷺ قَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن الْوَالِي الْعدْل ليرْفَع الله لَهُ كل يَوْم مثل عمل رَعيته وصلواته فِي الْيَوْم تعدل تسعين ألف صَلَاة
[ ٢٠٤ ]
وروى ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ الاسلام وَالسُّلْطَان أَخَوان توأمان لَا يصلح أَحدهمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ فالاسلام أس وَالسُّلْطَان حارس فمالا أس لَهُ منهدم ومالا حارس لَهُ ضائع وَقد روى أنس أَنه ﷺ قَالَ مَا من أحذ أفضل منزلَة عِنْد الله من إِمَام إِن قَالَ صدق وَإِن حكم عدل وَإِن استرحم رحم وَالْقَصْد من رِوَايَة هَذِه الْأَخْبَار التَّنْبِيه على عظم قدر الْإِمَامَة وَأَنَّهَا إِذا ترتبت بِالْعَدْلِ كَانَت أَعلَى الْعِبَادَات وَإِنَّمَا يعرف الْعدْل من الظُّلم بِالشَّرْعِ فَلْيَكُن دين الله وَشرع رَسُول الله ﷺ هُوَ المفزع والمرجع فِي كل ورد وَصدر وتفصيل الْعدْل مِمَّا يطول وَلَعَلَّ الْوَظَائِف الَّتِي تَأتي يشْتَمل عَلَيْهِ طرف مِنْهَا
وَمِنْهَا أَن يكون الرِّفْق فِي جَمِيع الْأُمُور أغلب من الغلطة وَأَن يُوصل كل مُسْتَحقّ إِلَى حَقه فقد رَوَت عَائِشَة ﵂ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أَيّمَا وَال ولي فلَانا ورفق بِهِ رفق بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وروت عَائِشَة أَيْضا أَنه قَالَ اللَّهُمَّ من ولي من أَمر أمتِي شَيْئا فرفق بهم فارفق بِهِ وَلمن شفق عَلَيْهِم فأشفق عَلَيْهِ هَذَا دُعَاء رَسُول الله ﷺ وَإنَّهُ يُسْتَجَاب لَا محَالة وَقد روى عَن زيد بن ثَابت أَنه قَالَ عِنْد النَّبِي ﷺ نعم الشَّيْء الْإِمَارَة فَقَالَ ﷺ نعم الشَّيْء الْإِمَارَة لمن أَخذهَا بِحَقِّهَا وحلها وَبئسَ الشَّيْء الْإِمَارَة لمن أَخذهَا بِغَيْر حَقّهَا فَتكون حسرة عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وكل أَمِير عدل عَن الشَّرْع فِي أَحْكَامه فقد أَخذ إِمَارَة بِغَيْر حَقّهَا
وروى أَبُو هُرَيْرَة عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ إِن بني إِسْرَائِيل كَانَ يسوسهم الْأَنْبِيَاء ﵈ فَكلما هلك نَبِي قَامَ بني مَكَانَهُ وَإنَّهُ لَا نَبِي بعدِي وَإنَّهُ يكون بعدِي خلفاء قبل يَا رَسُول الله مَا تَأْمُرنَا فيهم قَالَ اعطوهم حَقهم واسألوا الله تَعَالَى حقكم
[ ٢٠٥ ]
فَإِن الله تَعَالَى سائلهم عَمَّا استرعاهم هُوَ قد حكى أَن هِشَام ابْن عبد الْملك قَالَ لأبي حَازِم وَكَانَ من مَشَايِخ الدّين كَيفَ النجَاة من هَذَا الْأَمر يعْنى من الْإِمَارَة قَالَ أَلا تَأْخُذ الدِّرْهَم إِلَّا من حلّه وَلَا تضعه إِلَّا فِي حَقه قَالَ وَمن يُطيق ذَلِك قَالَ من طلب الْجنَّة وهرب من النَّار
وَمِنْهَا أَن يكون أهم الْمَقَاصِد عِنْده تَحْصِيل مرضاه الْخلق ومحبتهم بطرِيق يُوَافق الشَّرْع وَلَا يُخَالِفهُ فقد روى عَوْف بن مَالك عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ إِن خِيَار أئمتكم الَّذين تحبونهم وتصلون عَلَيْهِم وَيصلونَ عَلَيْكُم وَشر أئمتكم الَّذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنوهم ويلعنوكم قيل يَا رَسُول الله أَفلا ننابذهم قَالَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُم الصَّلَاة إِلَّا من ولي عَلَيْهِ وَال فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئا من معاصي الله تَعَالَى فليكره مَا أُتِي من معاصي الله تَعَالَى وَلَا ينْزع يدا عَن طَاعَة الله وَقد روى عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لخليفتي على النَّاس السّمع وَالطَّاعَة مَا استرحموا فرحموا وحكموا فعدلوا وعاهدوا فوفوا وَمن لم يفعل ذَلِك فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ
وَمِنْهَا أَن يعلم أَن رضَا الْخلق لَا يحسن تَحْصِيله إِلَّا فِي مُوَافقَة الشَّرْع وَأَن طَاعَة الإِمَام لَا تجب على الْخلق إِلَّا إِذا دعاهم إِلَى مُوَافقَة الشَّرْع كَمَا روى عَن مُحَمَّد بن عَليّ أَنه قَالَ إِنِّي لَا علم قبيلتين تعبدان من دون الله قَالُوا من هم قَالَ بَنو هَاشم وَبَنُو أُميَّة أما وَالله مَا نصبوهم ليسجدوا لَهُم وَلَا ليصلوا لَهُم وَلَكِن أطاعوهم واتبعوهم على مَا أمدوهم وَالطَّاعَة عبَادَة وَقد روى ابْن عَبَّاس أَنه ﷺ قَالَ لَا تسخطن الله بِرِضا أحد من خلقه وَلَا تقربُوا إِلَى أحد
[ ٢٠٦ ]
من الْخلق بتباعد من الله إِن الله تَعَالَى لَيْسَ بَينه وَبَين أحد من خلقه قرَابَة يعظمهم بهَا وَلَا يصرف عَن أحد شرا إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاع مرضاته وَاجْتنَاب سخطه وان الله تَعَالَى يعْصم من أطاعه وَلَا يعْصم من عَصَاهُ وَلَا يجد الهارب مِنْهُ مهربا وَقد روى عمر بن الحكم أَن رَسُول الله ﷺ بعث سَرِيَّة وَأمر عَلَيْهِم رجلا من أَصْحَابه فَأمر ذَلِك الرجل عبد الله بن حذاقة وَكَانَ ذَا دعابة فاوقد نَارا وَقَالَ ألستم سَامِعين مُطِيعِينَ لأميركم قَالُوا بلَى قَالَ عزمت عَلَيْكُم الا وَقَعْتُمْ فِيهَا ثمَّ قَالَ إِنَّمَا كنت أَلعَب مَعكُمْ فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ من أَمركُم من الْأُمَرَاء بِشَيْء من مَعْصِيّة الله فَلَا تطيعوه وَقد روى عَن أبي بكر الصّديق ﵁ أَنه صعد الْمِنْبَر بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ بسبعة أَيَّام فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس انكم وليتموني أَمركُم وَلست بِخَيْرِكُمْ فان أَحْسَنت فَأَعِينُونِي وَإِن ضعفت اَوْ عدلت عَن الْحق فقوموني وَلَا تخافوا فِي الله أحدا إِن اكيس الْكيس التقى وان احمق الْحمق الْفُجُور ثمَّ اني أخْبركُم أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يَقُول فِي الْغَار إِن الصدْق أَمَانَة وَإِن الْكَذِب خِيَانَة أَلا إِن الضَّعِيف مِنْكُم القوى عندنَا حَتَّى يُعْطي الْحق غير متعتع وَلَا مقهور والقوى هُوَ الضَّعِيف عندنَا حَتَّى نَأْخُذ مِنْهُ الْحق طَائِعا أَو كَارِهًا ثمَّ قَالَ أطيعونا مَا أَطعْنَا الله وَرَسُوله فَإِذا عصينا الله وَرَسُوله فَلَا طَاعَة لنا عَلَيْكُم فَقومُوا إِلَى صَلَاتكُمْ رحمكم الله وَقد روى عبد الرَّحْمَن بن عبد رب الْكَعْبَة أَنه قَالَ انْتَهَيْت إِلَى عبد الله بن عمر ﵁ وَهُوَ جَالس فِي ظلّ الْكَعْبَة وَالنَّاس حوله مجتمعون فَسَمعته يَقُول قَامَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِنَّه لم يكن شَيْء الا كَانَ حَقًا على الله أَن يدل أمته على مَا يُعلمهُ خيرالهم وَيُنْذرهُمْ مَا يُعلمهُ شرالهم وان أمتكُم هَذِه جعلت عَاقبَتهَا فِي أَولهَا وَإِلَى آخرهَا سَيُصِيبُهُمْ بلَاء
[ ٢٠٧ ]
وَأُمُور يُنْكِرُونَهَا وتجيء سنه أَلفَيْنِ فَيَقُول الْمُؤمن هَذِه هَذِه ثمَّ تنكشف فَمن سره مِنْكُم أَن يزحزح عَن النَّار وَيدخل الْجنَّة فلتدركه موتته وَهُوَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وليأت الى النَّاس مَا يحب أَن يُؤْتِي إِلَيْهِ وَمن تَابع إِمَامًا وَأَعْطَاهُ صَفِيَّة قلبه وَثَمَرَة فُؤَاده فليعطه مَا اسْتَطَاعَ فَقلت أناشدك الله أَنْت سمعته من رَسُول الله قَالَ سَمِعت أذناي ووعى قلبِي فَقلت هَذَا ابْن عمك يَأْمُرنَا أَن نَأْكُل اموالنا بَيْننَا بِالْبَاطِلِ وان قيل أَنْفُسنَا فَقَالَ قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ الْآيَة قَالَ فَجمع يَدَيْهِ فوضعهما على جَبهته ثمَّ نكس رَأسه فَقَالَ أطعه فِي طَاعَة الله واعصه فِي مَعْصِيّة الله
فبهذه الْأَحَادِيث يتَبَيَّن أَن الطَّاعَة وَاجِبَة للأئمة وَلَكِن فِي طَاعَة الله لَا فِي مَعْصِيَته
وَمِنْهَا أَن يعرف أَن خطر الْإِمَامَة عَظِيم كَمَا أَن فوائدها فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة عَظِيمَة وَأَنَّهَا إِن روعيت على وَجههَا فَهِيَ سَعَادَة وان لم تراع على وَجههَا فَهِيَ شقاوة لَيْسَ فَوْقهَا شقاوة فقد روى ابْن عَبَّاس ﵁ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ انه أقبل وَفِي الْبَيْت رجال من قُرَيْش فَأخذ بِعضَادَتَيْ الْبَاب ثمَّ قَالَ الْأَئِمَّة من قُرَيْش مَا قَامُوا فِيكُم بِثَلَاث مَا إِن استرحموا رحموا وَإِن حكمُوا عدلوا وان قَالُوا أَوْفوا وَمن لم يفعل ذَلِك فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا الصّرْف النَّافِلَة وَالْعدْل الْفَرِيضَة وَهَذَا قَول رَسُول الله ﷺ وَمَا أعظم الْخطر فِي أَمر يَنْتَهِي الى أَلا يقبل بِسَبَبِهِ فَرِيضَة وَلَا نَافِلَة وَقد روى أَيْضا انه ﷺ قَالَ من حكم بَين اثْنَيْنِ فجار وظلم فلعنة الله على الظَّالِمين وَقد روى أَبُو هُرَيْرَة أَنه ﷺ قَالَ ثَلَاثَة لَا ينظر الله اليهم يَوْم الْقِيَامَة الإِمَام الْكذَّاب الشَّيْخ الزَّانِي والعائل المزهو وروى الْحسن عَن رَسُول الله ﷺ
[ ٢٠٨ ]
أَنه قَالَ يفتح عَلَيْكُم مَشَارِق الارض وَمَغَارِبهَا وعمالها كلهم فِي النَّار إِلَّا من اتَّقى الله تَعَالَى وَأدّى الامانة وَقد روى عَن الْحسن أَنه قَالَ عَاد عبيد الله بن الْحسن معقلا فِي مَرضه الَّذِي قبض فِيهِ فَقَالَ لَهُ معقل إِنِّي محدثك بِحَدِيث سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ يَقُول مَا من عبد يستر عَنهُ الله تَعَالَى رَعيته يَمُوت يَوْم يَمُوت غاشا لرعيته إِلَّا حرم الله تَعَالَى عَلَيْهِ الْجنَّة وروى زِيَاد بن أَبِيه عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من ولى من أَمر الْمُسلمين شَيْئا وَلم يحطهم بِالنَّصِيحَةِ كَمَا يحوط على أهل بَيته فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَقد حكى عَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه عَاتب رجلا من إخوانه قد كَانَ هم أَن يتلبس بِشَيْء من أَمر الْولَايَة فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله إِن على عيالا فَقَالَ لَهُ لِأَن تجْعَل فِي عُنُقك مخلاة تسْأَل على الْأَبْوَاب خير لَك من أَن تدخل فِي شَيْء من أُمُور النَّاس وَقد روى معقل بن يسَار عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ رجلَانِ من أمتِي لَا تنالهما شَفَاعَتِي إِمَام ظلوم غشوم وغال فِي الدّين مارق مِنْهُ وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ أَنه ﷺ قَالَ أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة إِمَام جَائِر وروى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ خَمْسَة غضب الله تَعَالَى عَلَيْهِم إِن شَاءَ أمضى غَضَبه عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا وَإِلَّا فمأواهم فِي الْآخِرَة النَّار أَمِير قوم يَأْخُذ حَقه من رَعيته وَلَا ينصفهم من نَفسه وَلَا يدْفع الْمَظَالِم عَنْهُم وزعيم قوم يطيعونه فَلَا يُسَوِّي بَين الضَّعِيف وَالْقَوِي وَيتَكَلَّم بالهوى وَرجل لَا يَأْمر أَهله وَولده بِطَاعَة الله وَلَا يعلمهُمْ أُمُور دينهم وَلَا يُبَالِي مَا أخذُوا من دنياهم وَمَا تركُوا وَرجل اسْتَأْجر أَجِيرا فيستعمله وَلَا يُوفيه أجره وَرجل ظلم امْرَأَة مهرهَا وَقد روى أَن عمر بن الْخطاب خرج فِي جَنَازَة ليُصَلِّي عَلَيْهَا فَلَمَّا وضعت فَإِذا بِرَجُل قد سبق إِلَى الصَّلَاة ثمَّ لما وضع الرجل فِي قَبره تقدم الرجل فَوضع يَده على التُّرَاب وَقَالَ اللَّهُمَّ إِن تعذبه فَرُبمَا عصاك وَإِن ترحمه فَإِنَّهُ فَقير إِلَى رحمتك طُوبَى لَك إِن لم تكن
[ ٢٠٩ ]
أَمِيرا أَو عريفا أَو كَاتبا أَو شرطيا أَو جابيا قَالَ ثمَّ ذهب الرجل فَلم يقدر عَلَيْهِ فَأخْبر عمر بِهِ فَقَالَ لَعَلَّه الْخضر ﷺ وروى عَن مَالك بن دِينَار أَنه قَالَ قَرَأت فِي بعض الْكتب مَا من مظلوم دَعَا بقلب محترق إِلَّا لم تَنْتَهِ دَعوته حَتَّى تصعد بَين يَدي الله فتنزل الْعقُوبَة على من ظلمه أَو اسْتَطَاعَ أَن يَأْخُذ لَهُ فَلم يَأْخُذ لَهُ وروى أَبُو هُرَيْرَة أَنه ﷺ قَالَ ويل لِلْأُمَرَاءِ ويل للعرفاء ويل للأمناء ليتمنين قوم يَوْم الْقِيَامَة أَن ذوائبهم كَانَت معلقَة بِالثُّرَيَّا يتدلون بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَأَنَّهُمْ لم يلوا عملا وروى أَبُو بُرَيْدَة عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ لَا يُؤمر رجل على عشيرة فَمَا فَوْقهم إِلَّا جئ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة مغلولة يَده إِلَى عُنُقه فَإِن كَانَ محسنا فك عَنهُ غله وَإِن كَانَ مسيئا زيد غلا إِلَى غله
وَهَذَا الْخطر ثَابت فِي أَن يفرق الْأَمِير بَين نَفسه وَبَين رَعيته فِي الترفه بالمباحات فقد روى أَن رَسُول الله ﷺ جلس يَوْم بدر فِي الظل فَنزل جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَنْت فِي الظل وَأَصْحَابك فِي الشَّمْس وروى عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ ويل لديان أهل الأَرْض من ديان أهل السَّمَاء يَوْم يلقونه إِلَّا من أَمر بِالْعَدْلِ وَقضى بِالْحَقِّ وَلم يقْض بهوى وَلَا قرَابَة وَلَا رهبة وَلَا رَغْبَة وَلَكِن جعل كتاب الله مرْآة بَين عَيْنَيْهِ وَأَقل الْأُمُور حَاجَة الإِمَام إِلَى تخويف بِحكم السياسة وَقد روى ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من نظر إِلَى مُؤمن نظرة يخيفه بهَا فِي غير حق أخافه الله تَعَالَى بهَا يَوْم الْقِيَامَة وروى أنس بن مَالك أَنه ﷺ قَالَ يُؤْتى بالولاة يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول الرب تَعَالَى أَنْتُم كُنْتُم رُعَاة غنمي وخزان أرْضى فَيَقُول لَهُم مَا حملكم على أَن جلدتم فَوق مَا أمرْتُم فَيَقُول أَي رب غضِبت لَك فَيَقُول أينبغي لَك أَن تكون أَشد غَضبا مني وَيَقُول
[ ٢١٠ ]
للْآخر مَا حملك على أَن جلدت دون مَا أمرت فَيَقُول أَي رب رَحمته فَيَقُول أينبغي لَك أَن تكون أرْحم مني خُذُوا المقصر عَن أَمْرِي وَالزَّائِد على أَمْرِي فسدوا بهما أَرْكَان جَهَنَّم وَبِهَذَا الحَدِيث يتَبَيَّن أَنه لَا يَنْبَغِي أَن نفزع إِلَّا إِلَى الشَّرْع وَأَنه لَا شَيْء أهم للأئمة من معرفَة أَحْكَام الشَّرْع وروى عَن حُذَيْفَة أَنه قَالَ مَا أَنا بمثن على وَال خيرا عادلهم وجائرهم فَقيل لَهُ لم قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يُؤْتى بالولاة يَوْم الْقِيَامَة عادلهم وجائرهم فيقفون على الصِّرَاط فَيُوحِي الله تَعَالَى إِلَى الصِّرَاط فيزحف بهم زحفه يبقي جَائِر فِي حكمه وَلَا مرتش فِي قَضَائِهِ وَلَا مُمكن سَمعه لأحد الْخَصْمَيْنِ مالم يُمكن للأخر إِلَّا زَالَت قدماه سبعين عَاما فِي جَهَنَّم وروى أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يخرج متنكرا يطوف فِي الافاق يسْأَل دَاوُد فيهم فتعرض لَهُ جِبْرِيل ﷺ على صُورَة آدَمِيّ فَسَأَلَهُ عَن سيرته فَقَالَ جِبْرِيل نعم الرجل دَاوُد وَنعم السِّيرَة سيرته غير أَنه يَأْكُل من بَيت مَال الْمُسلمين وَلَا ياكل من كد يَده فَرجع باكيا متضرعا إِلَى محرابه يسْأَل ربه تَعَالَى أَن يُعلمهُ صَنْعَة يَأْكُل مِنْهَا فَعلمه صَنْعَة الدروع وألان لَهُ الْحَدِيد فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وعلمناه صَنْعَة لبوس لكم﴾
هَذَا خطر الْإِمَامَة وفيهَا احاديث كَثِيرَة يطول إحصاؤها وَهَذَا الْقدر كَاف للبصير الْمُعْتَبر وعَلى الْجُمْلَة فَيَكْفِي من معرفَة خطرها سيرة عمر ﵁ فَأَنَّهُ كَانَ يتجسس ويتعسس لَيْلًا ليعرف أَحْوَال النَّاس وَكَانَ يَقُول لَو تركت حربه على ضفة الْفُرَات لم بطلا بالهنا فَأَنا الْمَسْئُول عَنْهَا يَوْم الْقِيَامَة وَمَعَ ذَلِك فقد روى عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه قَالَ دَعَوْت الله تَعَالَى اثنتى عشرَة سنة اللَّهُمَّ أَرِنِي عمر بن
[ ٢١١ ]
الْخطاب فِي مَنَامِي فرأيته بعد اثنى عشرَة سنة كانما اغْتسل واشتمل بالازار فَقلت يَا أَمِير المؤمين كَيفَ وجدت الله تَعَالَى قَالَ يَا أَبَا عبد الله كم مُنْذُ فارقتكم قلت مُنْذُ اثنتى عشرَة سنه قَالَ كنت فِي الْحساب الى الْآن وَلَقَد كَادَت تزل سريرتي لَوْلَا اني وجدت رَبًّا رحِيما فَهَذِهِ حَال عمر وَلم يملك من الدُّنْيَا سوى درة فليعتبر بِهِ
وَقد حكى عَن يزدجرد بن شهريار آخر مُلُوك الْعَجم أَنه بعث رَسُولا الى عمر بن الْخطاب ﵁ وَأمره أَن ينظر فِي شمائله فَلَمَّا دخل الْمَدِينَة قَالَ أَيْن ملككم قَالُوا لَيْسَ لنا ملك لنا أَمِير خرج برا فَخرج الرجل فِي أَثَره فَوَجَدَهُ نَائِما فِي الشَّمْس ودرته تَحت راسه وَقد عرق جنبه حَتَّى ابتلت مِنْهُ الأَرْض فَلَمَّا رَآهُ على حَالَته قَالَ عدلت فأمنت فَنمت وصاحبنا جَار فخاف فسهر أشهد أَن الدّين دينكُمْ وَلَوْلَا أَنِّي رَسُول لأسلمت وسأعود بِإِذن الله تَعَالَى
وَمِنْهَا أَن يكون الْوَالِي متعطشا إِلَى نصيحة عُلَمَاء الدّين متعظا بمواعظ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ومتصفحا فِي مواعظ مَشَايِخ الدّين للامراء المنقرضين وَنحن نورد الْآن بعض تِلْكَ المواعظ فَأَنَّهُ قد روى ان عمر بن الْخطاب كتب إِلَى ابي مُوسَى الاشعري أما بعد فَإِن أسعد الرُّعَاة عِنْد الله من سعدت بِهِ رَعيته وَإِن اشقى الرُّعَاة عِنْد الله من شقيت بِهِ رَعيته وَإِيَّاك أَن ترتع فترتع عمالك فَيكون مثلك عِنْد الله مثل بَهِيمَة نظرت إِلَى خضرَة من الأَرْض فرتعت فِيهَا تبتغي فِي ذَلِك السّمن وَإِنَّمَا حتفها فِي سمنها وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن الْوَالِي مَأْخُوذ بظُلْم عماله وظلم جَمِيع حَوَاشِيه فَكل ذَلِك فِي جريدته وينسب اليه وَقد روى انه أنزل فِي التَّوْرَاة على مُوسَى ﵇ انه لَيْسَ على الامام من ظلم الْعَامِل وجوره مالم يبلغهُ ذَلِك من ظلمه وجوره فاذا بلغه فاقره شركه فِي ظلمه وجوره
[ ٢١٢ ]
وَقد روى ان شَقِيق البلخى دخل على هَارُون الرشيد فَقَالَ لَهُ أَنْت شَقِيق الزَّاهِد فَقَالَ لَهُ أما شَقِيق فَنعم واما الزَّاهِد فَيُقَال فَقَالَ لَهُ عظني فَقَالَ لَهُ إِن الله تَعَالَى أنزلك منزلَة الصّديق وَهُوَ يطْلب مِنْك الصدْق كَمَا تطلبه مِنْهُ وأنزلك منزلَة الْفَارُوق وَهُوَ يطْلب مِنْك الْفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل كَمَا تطلبه مِنْهُ وأنزلك منزلَة ذِي النورين وَهُوَ يطْلب مِنْك الْحيَاء والكرامة كَمَا تطلبه مِنْهُ وانزلك منزلَة عَليّ بن أبي طَالب وَهُوَ يطْلب مِنْك الْعلم كَمَا تطلبه مِنْهُ ثمَّ سكت فَقَالَ لَهُ زِدْنِي قَالَ نعم ان لله دَارا سَمَّاهَا جَهَنَّم وجعلك بوابا لَهَا واعطاك بَيت مَال الْمُسلمين وسيفا قَاطعا وسوطا موجعا وامرك ان ترد الْخلق من هَذِه الدَّار بِهَذِهِ الثَّلَاث فَمن أَتَاك من أهل الْحَاجة فاعطه من هَذَا الْبَيْت وَمن تقدم على نهى الله فأوجعه بِهَذَا السَّوْط وَمن قتل نفسا بِغَيْر حق فاقتله بِهَذَا السَّيْف بِأَمْر ولى الْمَقْتُول فَإنَّك إِن لم تفعل ذَلِك فَأَنت السَّابِق والخلق تَابع لَك إِلَى النَّار قَالَ زِدْنِي قَالَ نعم أَنْت الْعين والعمال الْأَنْهَار إِن صفت الْعين لم يصر كدر الْأَنْهَار وَإِن كدرت الْعين لم يرج صفاء الْأَنْهَار وَقد حكى أَن هَارُون الرشيد قصد الفضيل بن عِيَاض لَيْلًا مَعَ الْعَبَّاس فِي دَاره فَلَمَّا وصل إِلَى بَابه سمع قِرَاءَته وَهُوَ يقْرَأ ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون﴾ فَقَالَ هَارُون للْعَبَّاس إِن انتفعنا بِشَيْء فَبِهَذَا
[ ٢١٣ ]
فدق الْعَبَّاس الْبَاب وَقَالَ أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ وَمَا يعْمل عِنْدِي أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ أجب إمامك فَفتح الْبَاب وأطفأ سراجه وَجلسَ فِي وسط الْبَيْت فِي الظلمَة فَجعل هَارُون يطوف حَتَّى وَقعت عَلَيْهِ يَده فَقَالَ آه من يَد مَا ألينها إِن نجت من عَذَاب الله يَوْم الْقِيَامَة فَجَلَسَ وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ استعد لجواب الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة فَإنَّك تحْتَاج أَن تتقدم مَعَ كل مُسلم ومسلمة وَمُؤمن ومؤمنة فَجعل هَارُون يبكي فَقَالَ الْعَبَّاس اسْكُتْ فقد قتلت أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ يَا هامان تقتله أَنْت وَأَصْحَابك وَتقول لي أَنْت قتلته فَقَالَ هَارُون مَا سماك هامان إِلَّا وَجَعَلَنِي فِرْعَوْن فَقَالَ لَهُ هَارُون هَذَا مهر والدتي ألف دِينَار تقبلهَا مني فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا جَزَاك الله إِلَّا جزاءك أَقُول لَك ردهَا على من أَخَذتهَا مِنْهُ وَتقول لى خُذْهَا أَنْت فَقَامَ وَخرج وَقد حكى عَن مُحَمَّد بن كَعْب القرظى أَنه قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز صف لى الْعدْل فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كن لصغير الْمُسلمين أَبَا وللكبير مِنْهُم ابْنا وللمثل أَخا وعاقب كل وَاحِد مِنْهُم بِقدر ذَنبه على قدر جِسْمه وَإِيَّاك أَن تضرب بِغَضَبِك سَوْطًا وَاحِدًا فَتدخل النَّار وَقد حكى عَن الْحسن أَنه كتب إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز أما بعد فَإِن الهول الْأَعْظَم ومقطعات الْأُمُور كُلهنَّ أمامك لم تقطع مِنْهُنَّ شَيْئا فَلذَلِك فاعدد وَمن شَرها فاهرب وَالسَّلَام عَلَيْك وَقد حكى أَن بعض الزهاد دخل على بعض الْخُلَفَاء فَقَالَ لَهُ عظني فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كنت أسافر الصين فقدمتها مُدَّة وَقد أُصِيب ملكهَا
[ ٢١٤ ]
بسمعه فَبكى بكاء شَدِيدا وَقَالَ أما إِنِّي لست ابكي على البلية النَّازِلَة وَلَكِنِّي أبْكِي لمظلوم على الْبَاب يصْرخ فَلَا يُؤذن لَهُ وَلَا أسمع صَوته وَلَكِنِّي إِن ذهب سَمْعِي فَإِن بَصرِي لم يذهب نادوا فِي النَّاس لَا يلبس أحد ثوبا أَحْمَر إِلَّا متظلم ثمَّ كَانَ يركب الْفِيل فِي نَهَاره حَتَّى يرى حمرَة بِبَاب المظلومين فَهَذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مُشْتَرك بِاللَّه تَعَالَى غلبت عَلَيْهِ رأفته وَرَحمته على الْمُشْركين وَأَنت مُؤمن بِاللَّه تَعَالَى من أهل بَيت نبيه ﷺ كَيفَ لَا تغلب رأفتك بِالْمُؤْمِنِينَ وَحكى أَيْضا أَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك قدم الْمَدِينَة وَهُوَ يُرِيد مَكَّة فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا فأرشد الى أبي حَازِم فَدَعَاهُ فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ سُلَيْمَان يَا أَبَا حام مَا لنا نكره الْمَوْت ونحب الْحَيَاة ﴿فَقَالَ﴾ لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم الدُّنْيَا فكرهتم أَن تَنقلُوا من الْعمرَان الى الخراب فَقَالَ يَا أَبَا حَازِم كَيفَ الْقدوم على الله تَعَالَى غَدا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما المحسن فكالغائب يقدم على أَهله واما الْمُسِيء فكالآبق يقدم على مَوْلَاهُ فَبكى سُلَيْمَان وَقَالَ لَيْت شعري مَا لي عِنْد الله غَدا قَالَ أَبُو حَازِم اعْرِض عَمَلك على كتاب الله تَعَالَى حَيْثُ يَقُول إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم قَالَ سُلَيْمَان فَأَيْنَ رَحْمَة الله قَالَ ﴿قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ ثمَّ قَالَ سُلَيْمَان يَا أَبَا حَازِم أَي عباد الله أكْرم قَالَ أهل الْمُرُوءَة والتقى قَالَ أَي الْأَعْمَال أفضل قَالَ أَدَاء الْفَرَائِض مَعَ اجْتِنَاب الْمَحَارِم قَالَ فَأَي الدُّعَاء اسْمَع قَالَ دُعَاء المحسن اليه للمحسنين قَالَ فَأَي الصَّدَقَة أزكى
[ ٢١٥ ]
قَالَ صَدَقَة على السَّائِل النَّاس وَجهد الْمقل لَيْسَ فِيهَا من وَلَا أَذَى قَالَ فَأَي القَوْل اعْدِلْ قَالَ قَول الْحق عِنْد من يخَاف ويرجو قَالَ فَأَي الْمُؤمنِينَ أَكيس قَالَ رجل عمل بِطَاعَة الله تَعَالَى وَذكر النَّاس عَلَيْهَا قَالَ فَأَي الْمُؤمنِينَ أفسق قَالَ رجل أَخطَأ فِي هوى أحبه وَهُوَ ظَالِم بَاعَ آخرته بدنيا غَيره قَالَ سُلَيْمَان فَمَا تَقول فِيمَا نَحن فِيهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَو تعفيني قَالَ لَا وَلَكِن نصيحة تلقيها إِلَيّ قَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ إِن آباءك قهروا النَّاس بِالسَّيْفِ وَأخذُوا هَذَا الْملك عنْوَة من غير مشورة من الْمُسلمين وَلَا رضَا أحد حَتَّى قتلوا وَقد قتلوا قتلة عَظِيمَة وَقد ارتحلوا فَلَو شَعرت مَا قَالُوا وَمَا قيل لَهُم فَقَالَ لَهُ رجل من جُلَسَائِهِ بئس مَا قلت قَالَ أَبُو حَازِم إِن الله تَعَالَى أَخذ الْمِيثَاق على الْعلمَاء ليبيننه للنَّاس وَلَا يكتمونه فَقَالَ كَيفَ لنا أَن نصلح هَذَا الْفساد فَقَالَ أَن تَأْخُذهُ من حلّه وتضعه فِي حَقه فَقَالَ ادْع لي قَالَ أَبُو حَازِم اللَّهُمَّ إِن كَانَ سُلَيْمَان وليك فيسره لخير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِن كَانَ عَدوك فَخذ بناصيته إِلَى مَا تحب وترضى فَقَالَ سُلَيْمَان أوصني قَالَ أوصيك وأوجز عظم رَبك ونزهه أَن يراك حَيْثُ نهاك أَو يفقدك حَيْثُ أَمرك وَقد حكى عَن أبي قلَابَة أَنه دخل على عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا قلَابَة عظني فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه لم يبْق من لدن آدم ﷺ إِلَى يَوْمنَا هَذَا خَليفَة غَيْرك قَالَ لَهُ زِدْنِي قَالَ أَنْت أول خَليفَة يَمُوت قَالَ زِدْنِي قَالَ إِذا كَانَ الله مَعَك فَمن تخَاف وَإِذا كَانَ عَلَيْك فَمن ترجو قَالَ حسبي
[ ٢١٦ ]
وَحكى عَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك أَنه تفكر يَوْمًا فَقَالَ كَيفَ تكون حَالي وَقد ترفهت فِي هَذِه الدُّنْيَا فَأرْسل إِلَى أبي حَازِم وَقَالَ تبْعَث إِلَى بذلك الَّذِي تفطر عَلَيْهِ بالعشاء فأنفذ إِلَيْهِ شَيْئا من النخالة المقلية قَالَ أبل هَذَا بِالْمَاءِ فَأفْطر بِهِ فَهُوَ طَعَامي فَبكى سُلَيْمَان وَعمل ذَلِك فِي قلبه وَصَامَ ثَلَاثَة أَيَّام مَا ذاق شَيْئا حَتَّى فرع بَطْنه من مأكولاته ثمَّ أفطر فِي الْيَوْم الثَّالِث بِتِلْكَ النخالة فَقضى أَن قَارب اهله تِلْكَ اللَّيْلَة فولد لَهُ عبد الْعَزِيز بن سُلَيْمَان وَمن عبد الْعَزِيز عمر فَهُوَ وَاحِد زَمَانه وَذَلِكَ من بركَة تِلْكَ النِّيَّة الصادقة وَحكي أَنه قيل لعمر بن عبد الْعَزِيز مَا كَانَ بَدْء توبتك قَالَ أردْت ضرب غُلَام فَقَالَ لي يَا عمر اذكر لَيْلَة صحبتهَا يَوْم الْقِيَامَة وَحكى أَن زاهدا كتب الى عمر ابْن عبد الْعَزِيز وَقَالَ فِي كِتَابه اعْتصمَ بِاللَّه يَا عمر اعتصام الغريق بِمَا ينجيه من الْغَرق وَليكن دعاؤك دُعَاء الْمُنْقَطع المشرف على الهلكة فانك قد أَصبَحت عَظِيم الْحَاجة شَدِيد الاشراف على المعاطب وَقد حُكيَ عَن هَارُون الرشيد أَنه قَالَ للفضيل عظني قَالَ بَلغنِي أَن عمر ابْن عبد الْعَزِيز شكى إِلَيْهِ بغض عماله فَكتب إِلَيْهِ يَا أخي اذكر سهر أهل النَّار فِي النَّار مَعَ خُلُود الْأَبَد بعد النَّعيم والظلال فَإِن ذَلِك يطرد بك إِلَى رَبك نَائِما ويقظان واياك أَن يتَصَرَّف بك من عِنْد الله فَتكون آخر الْعَهْد مُنْقَطع الرَّجَاء فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب قدم على عمر فَقَالَ لَهُ مَا أقدمك قَالَ خلع قلبِي كتابك لَا وليت ولَايَة حَتَّى ألْقى الله تَعَالَى وَقد حكى عَن إِبْرَاهِيم بن عبد الله
[ ٢١٧ ]
الْخُرَاسَانِي أَنه قَالَ حججْت مَعَ أبي سنة حج الرشيد فَإِذا نَحن بالرشيد وَهُوَ وَاقِف حاسر حاف على الْحَصْبَاء وَقد رفع يَدَيْهِ وَهُوَ يرتعد ويبكي وَيَقُول يَا رب أَنْت أَنْت وَأَنا أَنا أَنا العواد إِلَى الذَّنب وَأَنت العواد إِلَى الْمَغْفِرَة اغْفِر لي فَقَالَ لي يَا بني انْظُر إِلَى جَبَّار الأَرْض كَيفَ يتَضَرَّع إِلَى جَبَّار السَّمَاء وَحكى أَنه دخل رجل على عبد الْملك بن مَرْوَان وَكَانَ يُوصف بِحسن الْعقل وَالْأَدب فَقَالَ لَهُ عظني فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن للنَّاس فِي الْقِيَامَة جَوْلَة لَا ينجو من غصص مرارتها ومعاينة الردى فِيهَا إِلَّا من أرْضى الله بسخط نَفسه قَالَ فَبكى عبد الْملك ابْن مَرْوَان ثمَّ قَالَ لَا جرم لأجعلن هَذِه الْكَلِمَات مِثَالا نصب عَيْني مَا عِشْت أبدا وَحكى عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ لأبي حَازِم عظني قَالَ أضطجع ثمَّ اجْعَل الْمَوْت عِنْد راسك ثمَّ انْظُر مَا تحب أَن يكون فِيك تِلْكَ السَّاعَة فَخذ بِهِ الْآن وَمَا تكره أَن يكون فِيك تِلْكَ السَّاعَة فَدَعْهُ الْآن فَلَعَلَّ السَّاعَة قريبَة وَحكى أَن أَعْرَابِيًا دخل على سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَقَالَ لَهُ تكلم يَا أَعْرَابِي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي لمكلمك بِكَلَام فاحتمله وان كرهته
[ ٢١٨ ]
فَإِن وَرَاءه مَا تحب أَن قبلته فَقَالَ يَا أَعْرَابِي إِنَّا لنجود بسعة الِاحْتِمَال على من نرجو نصحه ونأمن غشه فَقَالَ الْأَعرَابِي إِنَّه قد تكنفك رجال أساءوا الِاخْتِيَار لأَنْفُسِهِمْ فابتاعوا دنياهم بدينهم ورضاك بسخط رَبهم خافوك فِي الله وَلم يخَافُوا الله فِيك حَرْب للاحرة سلم للدنيا فَلَا تَأْمَنهُمْ على مَا امتحنك الله عَلَيْهِ فَإِنَّهُم لن بألوا فِي الامانة تضييعا وَفِي الامة خسفا وعسفا وانت مسئول عَمَّا اجترحوا وَلَيْسوا بمسئولين عَمَّا اجترحت فَلَا تصلح دنياهم بِفساد آخرتك فَإِن أعظم النَّاس غبنا من بَاعَ آخرته بدنيا غَيره فَقَالَ سُلَيْمَان أما أَنَّك يَا عرابي قد سللت لسَانك وَهُوَ اقْطَعْ من سَيْفك قَالَ أجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَكِن عَلَيْك لَا لَك وَقد حكى أَن صَالح بن بشير دخل على الْمهْدي وَجلسَ مَعَه على الْفراش فَقَالَ لَهُ الْمهْدي عظني قَالَ أَلَيْسَ قد جلس هَذَا الْمجْلس أَبوك وعمك قبلك قَالَ نعم قَالَ فَكَانَت لَهُم أَعمال ترجولهم بهَا النجَاة من الله تَعَالَى قَالَ نعم قَالَ وأعمال تخَاف عَلَيْهِم بهَا الهلكة قَالَ نعم قَالَ فَانْظُر مَا رَجَوْت لَهُم فأته وَمَا خفت عَلَيْهِم فاجتنبه قَالَ قد أبلغت وأوجزت وَقد حُكيَ أَن أَبَا بكرَة دخل على
[ ٢١٩ ]
مُعَاوِيَة فَقَالَ اتَّقِ الله يَا مُعَاوِيَة وَاعْلَم أَنَّك فِي كل يَوْم يخرج عَنْك وَفِي كل لَيْلَة تَأتي عَلَيْك لَا تزداد من الدُّنْيَا إِلَّا بعدا وَمن الْآخِرَة الإ قربا وعَلى أثرك طَالب لَا تفوته وَقد نصب لَك علم لَا تجوزه فَمَا أسْرع مَا يبلغ الْعلم وَمَا أقرب مَا يلْحق بك الطَّالِب وَمَا نَحن فِيهِ زائل وَالَّذِي نَحن صائرون إِلَيْهِ بَاقٍ أَن خيرا فَخير وَإِن شرا فشر
وَمِنْهَا أَن تكون الْعَادة الْغَالِبَة على وَالِي الْأَمر الْعَفو والحلم وَحسن الْخلق وكظم الغيظ مَعَ الْقُدْرَة فقد حُكيَ أَنه حمل إِلَى أبي جَعْفَر رجل قد جنى جِنَايَة فَأمر بقتْله فَقَالَ الْمُبَارك بن فضَالة وَكَانَ حَاضرا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَلا أحَدثك حَدِيثا سمعته من الْحسن قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ سَمِعت الْحسن ﵀ يَقُول إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جمع النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد فَيقوم مُنَاد يُنَادي من لَهُ عِنْد الله يَد فَليقمْ فَلَا يقوم الا من عَفا فَقَالَ خلوا عَنهُ وَحكى عَن عِيسَى ابْن مَرْيَم ﷺ أَنه قَالَ ليحيى بن زَكَرِيَّا ﷺ إِذا قيل لَك مَا فِيك فأحدث لله شكرا وَإِذا قيل مَا لَيْسَ فِيك فأحدث لله شكرا أعظم مِنْهُ إِذْ تيسرت لَك حَسَنَة لم يكن لَك فِيهَا عمل وروى أَبُو هُرَيْرَة أَنه ﷺ قَالَ لَيْسَ الشَّديد بالصرعة إِنَّمَا الشَّديد الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب وَحكي أَن
[ ٢٢٠ ]
رجلا أَتَى إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن خادمي يسيء وَيظْلم أفأ ضربه قَالَ تَعْفُو عَنهُ كل يَوْم سبعين مرّة وروى عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ أَلا أدلك على خير أَخْلَاق الْأَوَّلين والآخرين قَالَ قلت بلَى يَا رَسُول الله قَالَ تُعْطِي من حَرمك وتعفوا عَمَّن ظلمك وَتصل من قَطعك وروى عَن عمر بن عبيد الله أَنه قَالَ ثَلَاث من كن فِيهِ اسْتكْمل الْإِيمَان اذا غضب لم يُخرجهُ غَضَبه إِلَى الْبَاطِل وَإِذا رضى لم يُخرجهُ رِضَاهُ عَن الْحق وَإِذا قدر لم يَأْخُذ مَا لَيْسَ لَهُ وَقد روى عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه قَالَ لَا يغرنك خلق امْرِئ حَتَّى يغْضب وَلَا دينه حَتَّى يطْمع فَانْظُر على أَي جَنْبَيْهِ يَقع وَقد روى عَن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵄ انه خرج من الْمَسْجِد فَلَقِيَهُ رجل فَسَبهُ فثارت إِلَيْهِ العبيد والموالي فَقَالَ عَليّ ابْن الْحُسَيْن مهلا عَن الرجل ثمَّ اقبل عَلَيْهِ وَقَالَ مَا ستر عَنْك من امرنا لكثير الك حَاجَة نعينك عَلَيْهَا فاستحيا الرجل وَرجع إِلَى نَفسه فَألْقى أليه خميصة كَانَت عَلَيْهِ وَأمر لَهُ بِأَلف دِرْهَم فَكَانَ الرجل بعد ذَلِك يَقُول أشهد انك من أَوْلَاد الرُّسُل وَقد روى عَنهُ ايضا انه دَعَا مَمْلُوكا لَهُ مرَّتَيْنِ فَلم يجبهُ ثمَّ اجابه فِي الثَّالِثَة فَقَالَ لَهُ اما سَمِعت صوتي قَالَ بلَى
[ ٢٢١ ]
قَالَ فَمَا بالك لم تجبني قَالَ أمنتك قَالَ الْحَمد لله الَّذِي جعل مملوكي بِحَيْثُ يأمنني وَقد حكى أَنه جَاءَ غُلَام لأبي ذَر بِشَاة لَهُ قد كسر رجلهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَر من كسر رجل هَذِه الشَّاة قَالَ أَنا قَالَ وَلم فعلت ذَلِك قَالَ عمدا لأغضبك فتضربني فتأثم قَالَ أَبُو ذَر لأغيظن من حضك على غيظي فَأعْتقهُ وروى عَنهُ أَنه شَتمه رجل فَقَالَ يَا هَذَا إِن بيني وَبَين الْجنَّة عقبَة فَإِن أَنا جزتها فوَاللَّه مَا أُبَالِي بِقَوْلِك وَإِن قصرت دونهَا فَأَنا أهل لأشر مِمَّا قلت وروى ابْن عَبَّاس عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ ثَلَاث من لم تكن فِيهِ وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَلَا يعتدن بِشَيْء من عمله من لم تكن فِيهِ تقوى تحجزه عَن معاصي الله أَو حلم يكفه عَن السَّفه أَو خلق يعِيش بِهِ فِي النَّاس وَثَلَاث من كَانَ فِيهِ وَاحِدَة مِنْهُنَّ زوج من الْحور الْعين رجل اؤتمن على أَمَانَة خُفْيَة شهية فأداها من مَخَافَة الله تَعَالَى وَرجل عَفا عَن قَاتله وَرجل قَرَأَ قل هُوَ الله أحد فِي دبر كل صَلَاة وَثَلَاثَة أَنا خصمهم يَوْم الْقِيَامَة وَمن أكن خَصمه أخصمه رجل أستأجر أَجِيرا فظلمه وَلم يوفه أجره وَرجل حلف بِي ثمَّ غدر وَرجل بَاعَ حرا وَأكل ثمنه وَمن كفل ثَلَاثَة أَيْتَام كَانَ كَالَّذي قَامَ ليله وَصَامَ نَهَاره وَعدا وَرَاح شاهرا سَيْفه فِي سَبِيل الله وَكنت أَنا وَهُوَ فِي الْجنَّة كهاتين وَأَشَارَ إِلَى السبابَة وَالْوُسْطَى وَقد روى عَن عَليّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الرجل الْمُسلم
[ ٢٢٢ ]
ليدرك بالحلم دَرَجَة الصَّائِم الْقَائِم وَإنَّهُ ليكتب حبارا وَمَا يهْلك إلآ أهل بَيته وروى ابْن عَبَّاس عَن عَليّ ﵄ أَنه قَالَ أَوْصَانِي رَسُول الله ﷺ حِين زَوجنِي فَاطِمَة ﵂ خُصُوصا دون غَيْرِي فَكَانَ مِمَّا أَوْصَانِي بِهِ أَن قَالَ يَا عَليّ لَا تغْضب وَإِذا غضِبت فَاقْعُدْ وَاذْكُر قدرَة الله تَعَالَى على الْعباد وحلمه عَنْهُم وَإِذا قيل لَك اتَّقِ الله فاترك غضبك عَنْك وأرجع بِحِلْمِك وَقد روى ابْن عَبَّاس عَنهُ ﷺ إِن لِجَهَنَّم بَابا لَا يدْخلهُ إِلَّا من شفى غيظه بِمَعْصِيَة الله وروى أَن إِبْلِيس اللعين ظهر لمُوسَى ﷺ فَقَالَ لَهُ يَا مُوسَى إِنَّك اللَّيْلَة تناجي رَبك ولى إِلَيْك حَاجَة فاقضها وَأَنا أعلمك خِصَالًا ثَلَاثًا فِيهِنَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَالَ لَهُ مُوسَى مَا هَذِه الْخِصَال قَالَ إياك والحدة فَانِي أَلعَب بِالرجلِ الْحَدِيد كَمَا تلعب الصّبيان بالكرة (يَا مُوسَى اياك وَالنِّسَاء فَانِي لم أنصب قطّ فخأ اثْبتْ فِي نَفسِي من فخ انصبه بِامْرَأَة) يَا مُوسَى اياك وَالشح فَإِنِّي أفسد على الشحيح الدُّنْيَا والاخرة وروى عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من كظم غيظا وَهُوَ يقدر على انفاذه ملأَهُ الله ايمانا وَأمنا وَمن وضع ثوب جمال تواضعا لله وَهُوَ يقدر عَلَيْهِ كَسَاه الله تَعَالَى حلَّة الْكَرَامَة وَحكي أَن ذَا القرنين لقى ملكا من الْمَلَائِكَة فَقَالَ لَهُ عَلمنِي عملا
[ ٢٢٣ ]
أزداد بِهِ إِيمَانًا ويقينا فَقَالَ لَا تغْضب فَإِن الشَّيْطَان أقدر مَا يكون على ابْن آدم إِذا غضب وَإِذا غضِبت فَرد الْغَضَب بالكظم وسكنه بالتؤدة وَإِيَّاك والعجلة فَإنَّك إِذا عجلت أَخْطَأت حظك وَكن سهلا لينًا للقريب والبعيد وَلَا تكن جبارا عنيدا وَقد روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الويل لمن يغْضب وينسى غضب الله تَعَالَى عباد الله إيَّاكُمْ وَالْغَضَب وَالظُّلم فَإِن عقوبتهما شَدِيدَة وَمن غضب فِي غير ذَات الله جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مغلولة يَدَاهُ إِلَى عُنُقه وروى أَبُو هُرَيْرَة أَيْضا أَن رجلا جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَقَالَ يَا رَسُول الله دلَّنِي على عمل يدخلني الْجنَّة قَالَ لَا تغْضب وَلَك الْجنَّة قَالَ زِدْنِي قَالَ اسْتغْفر الله تَعَالَى دبر صَلَاة الْعَصْر سبعين مرّة بغفر الله لَك ذَنْب سبعين سنة لَيْسَ لي ذنُوب سبعين سنة قَالَ فلآمك قَالَ وَلَا لأمي قَالَ فلأبيك قَالَ وَلَا لأبي قَالَ فلإخوانك وَقد روى عَن عبد الله بن مَسْعُود أَن رَسُول الله صلى الله وَسلم قسم قسما فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار هَذِه قسْمَة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله قَالَ ابْن مَسْعُود يَا عَدو الله لأخبرن رَسُول الله ﷺ
[ ٢٢٤ ]
قَالَ فَأَخْبَرته فأحمر وَجهه وَقَالَ رَحْمَة الله على مُوسَى قد أوذي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر
وَهَذَا الْقدر الَّذِي روى من الْآثَار وَالْأَخْبَار وسير الْخُلَفَاء وأئمة الْأَعْصَار كَاف للمتعظ بِهِ وللمصغي إِلَيْهِ فِي تَهْذِيب (الْأَخْلَاق وَمَعْرِفَة) وظائف الْخلَافَة فالعامل بِهِ مستغن عَن الْمَزِيد وَالله ولي التَّوْفِيق تمّ الْكتاب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيد الْأَوَّلين والآخرين وعَلى آله الطيبين الطاهرين وَقع الْفَرَاغ مِنْهُ يَوْم السبت لسبعة عشر يَوْمًا خلت من شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ وستماية
[ ٢٢٥ ]
نِهَايَة مخطوط ق نجز بِحَمْد الله تَعَالَى وقوته كتاب المستظهري فِي فضائح الباطنية على يَد الْفَقِير المذنب الراجي عَفْو ربه أَبُو الْحسن عَليّ بن سعيد بن مَسْعُود التملي اللَّهُمَّ أَغفر لَهُ ولوالديه ولعشيرته وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين يَوْم الْجُمُعَة الأول من ربيع الثَّانِي عَام وَاحِد وَثَمَانِينَ وتسعماية بِمَدِينَة فاس أدام الله خَيرهَا وعمرها بِالْإِسْلَامِ وَصلى الله على نَبينَا وشفيعنا غَدا مُحَمَّد ﷺ وَشرف وكرم وَعز وَعظم
[ ٢٢٦ ]