وَقد ألحقنا هَؤُلَاءِ بالمرتدين فِي سَائِر الْأَحْكَام وَقبُول التوبه من الْمُرْتَد لابد مِنْهُ بل الأول أَلا يُبَادر إِلَى قَتله إِلَّا بعد استتابته وَعرض الإسلامعليه وترغيبه فِيهِ وَأما تَوْبَة الباطنية وكل زنديق مستتر بالْكفْر يرى التقية دينا ويعتقد النِّفَاق واظهار خلاف المعتقد عِنْد استشعار الْخَوْف حَقًا فَفِي هَذَا خلاف بَين الْعلمَاء ذهب ذاهبون إِلَى قبُولهَا لقَوْله ﷺ امرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا اله الا الله فَإِذا قالوها عصموا منى دِمَاءَهُمْ واموالهم الا بِحَقِّهَا وَلِأَن الشَّرْع إِنَّمَا بنى الدّين على الظَّاهِر فَنحْن لَا نحكم إِلَّا بِالظَّاهِرِ وَالله يتَوَلَّى السرائر وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْمُكْره إِذا اسْلَمْ تَحت ظلال السيوف وَهُوَ خَائِف على روحه نعلم بِقَرِينَة حَاله انه مُضْمر غير مَا يظهره فنحكم بِإِسْلَامِهِ وَلَا نلتفت إِلَى الْمَعْلُوم بالقرائن من سَرِيرَته وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا ماروى أَن أُسَامَة قتل كَافِرًا فسل عَلَيْهِ السَّيْف بعد أنتلفظ بِكَلِمَة الْإِسْلَام فَاشْتَدَّ ذَلِك على رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أُسَامَة
[ ١٦٠ ]
إِنَّمَا فعل ذَلِك فرقا من السَّيْف فَقَالَ ﷺ هلا شققت عَن قلبه منبها بِهِ على أَن البواطن لَا تطلع عَلَيْهَا الْخَلَائق وَإِنَّمَا منَاط التَّكْلِيف الْأُمُور الظَّاهِرَة وَيدل عَلَيْهِ ايضا أَن هَذَا صنف من اصناف الْكفَّار وَسَائِر أَصْنَاف الْكفَّار لَا يسد عَلَيْهِم طَرِيق التَّوْبَة وَالرُّجُوع إِلَى الْحق فَكَذَلِك هَاهُنَا
وَذهب ذاهبون إِلَى انه لَا تقبل تَوْبَته وَزَعَمُوا أَن هَذَا الْبَاب لَو فتح لم يُمكن حسم مادتهم وقمع غائلتهم فَإِن من سر عقيدتهم التدين بالتقية والاستسرار بالْكفْر عِنْد استشعار الْخَوْف فَلَو سلكنا هَذَا المسلك لم يعْجزُوا عَن النُّطْق بِكَلِمَة الْحق واظهار التَّوْبَة عِنْد الظفر بهم فيلهجون بذلك مظهرين ويستهزئون بِأَهْل الْحق مضمرين وَأما الْخَبَر فانما ورد فِي اصناف من الْكفَّار دينهم انه لايجوز التَّصْرِيح بِمَا يُخَالِفهُ وَأَن من الْتِزَام الْإِسْلَام ظَاهرا صَار تَارِكًا للتهود والتنصر هَذَا معتقدهم وَلذَلِك تراهم يقطعون اربا اربا بِالسُّيُوفِ وهم مصرون على كفرهم وَلَا يسمحون فِي مُوَافقَة الْمُسلمين بِكَلِمَة فاما من كَانَ دينه أَن النُّطْق بِكَلِمَة الْإِسْلَام غير ترك لدينِهِ بل دينه أَن ذَلِك عين دينه فَكيف نعتقد بتوبته مِمَّا هُوَ عين دينه وَالتَّصْرِيح بِهِ وَفَاء لشرط دينه كَيفَ يكون تركا للدّين
هَذَا مَا ذكر من الْخلاف فِي قبُول تَوْبَتهمْ وَقد استقصينا ذَلِك فِي كتاب شِفَاء العليل فِي اصول الْفِقْه وَنحن الْآن نقتصر على ذكر مَا نختاره فِي هَذِه الْفرْقَة الَّتِي فيهم الْكَلَام فَنَقُول للنائب من هَذِه الضَّلَالَة أَحْوَال الْحَالة الاولى أَن يتسارع إِلَى اظهار التَّوْبَة وَاحِد مِنْهُم من غير قتال وَلَا ارهاق واضطرار وَلَكِن على سَبِيل الايثار
[ ١٦١ ]
وَالِاخْتِيَار مُتَبَرعا بِهِ ابْتِدَاء من غير خوف واستشعار هَذَا يَنْبَغِي أَن يقطع بِقبُول تَوْبَته فَإنَّا أَن نَظرنَا إِلَى ظَاهر كَلمته صدقناها مُوَافقَة لعين الْإِسْلَام وَأَن نَظرنَا إِلَى سَرِيرَته كَانَ الْغَالِب أَنَّهَا على مُطَابقَة اللِّسَان وموافقته فَإنَّا لم نَعْرِف الْآن لَهُ باعثا على التقية وَإِنَّمَا الْمُبَاح عِنْدهم إِظْهَار نقيض المعتقد تقية عِنْد تَحْقِيق الْخَوْف فَأَما فِي حَالَة الِاخْتِيَار فَهُوَ من أفحش الْكَبَائِر ويعضد ذَلِك بِأَمْر كلي وَهُوَ أَنه لَا سَبِيل إِلَى حسم بَاب الرشد عَلَيْهِم فكم من عَامي ينخدع بتخيل بَاطِل ويغتر بِرَأْي قَائِل ثمَّ ينتبه من نَفسه أَو ينبهه مُنَبّه لما هُوَ الْحق فيؤثر الرُّجُوع اليه والشروع فِيهِ بعد النُّزُوع عَنهُ فَلَا سَبِيل إِلَى حسم مَسْلَك الرشاد على ذَوي الضلال والعناد
الْحَالة الثَّانِيَة الَّذِي يسلم تَحت ظلال السيوف وَلكنه من جملَة عوامهم وجهالهم لَا من جملَة دعاتهم وضلالهم فَهَذَا أَيْضا تقبل تَوْبَته فَمن لم يكن مترشحا للدعوة فضرر كفره مَقْصُور عَلَيْهِ فِي نَفسه وَمهما أظهر الدّين احْتمل كَونه صَادِقا فِي إسراره وإظهاره ولعامي الْجَاهِل يظنّ أَن التلبيس بالأديان والعقائد مثل المواصلات والمعاقدات الاختبارية فيصلها مُدَّة بِحكم الْمصلحَة ويقطعها أُخْرَى وباطنه يُوَافق الظَّاهِر فِيمَا يتعاطاه من الْتِزَام وإعراض وَلذَلِك ترى من يسبي من العبيد وَالْإِمَاء من بِلَاد الْكفْر إِلَى دارالإسلام يدينون بدينهم معتقدين وشاكرين لله على مَا أتاح لَهُم من الرشد ورحض عَنْهُم من وضر الْكفْر والغي وَلَو سئلوا عَن السَّبَب فِي تَبْدِيل الدّين وإيثار الْحق الْمُبين على الْبَاطِل لم يعرفوا لَهُ سَببا إِلَّا مُوَافقَة السَّادة على وفْق مصلحَة الْحَال ثمَّ ذَلِك يُؤثر فِي بَاطِن عقائدهم كَمَا نرى ونشاهد فَإِذا عرف أَن الْعَاميّ سريع التقلب فنصدقه فِي انقلابه إِلَى الْحق كَمَا نصدقه فِي إضرابه عَنهُ إِذا ظهر من معتقده خلاف الْحق فَإنَّا بَين أَن نغضى عَن كَافِر مستسر وَلَا نَقْتُلهُ بل نتعامى عَنهُ
[ ١٦٢ ]
أَو نهجم على قتل مُسلم ظَاهرا أَو بَاطِنا أَن كَانَ مضمرا لما يظْهر وَلَيْسَ فِي التغاضي عَن كفر كَافِر لَيست لَهُ دَعوه تَنْتَشِر وَلَيْسَ فِيهِ شَرّ يتَعَدَّى كَبِير مَحْظُور فكم مننا على الْكفَّار وأغضينا عَنْهُم ببذل الدِّينَار فَلَيْسَ ذَلِك مُمْتَنعا أما اقتحام الْخطر فِي قتل من هُوَ مُسلم ظَاهرا وَيحْتَمل ان يكون مُسلما بَاطِنا احْتِمَالا قَوِيا فمحظور الحاله الثالثه أَن نَنْظُر بِوَاحِد من دعاتهم مِمَّن يعرف مِنْهُ أَنه يعْتَقد بطلَان مذْهبه وَلكنه يَنْتَحِلهُ غير مُعْتَقد لَهُ ليتوصل إِلَى استمالة الْخلق وَصرف وُجُوههم إِلَى نَفسه طلبا للرياسة وَطَمَعًا فِي حطام الدُّنْيَا هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَّقِي شَره وَالْأَمر فِيهِ مَنُوط بِرَأْي الإِمَام ليلاحظ قَرَائِن أَحْوَاله ويتفرس من ظَاهره فِي بَاطِنه ويستبين أَن مَا ذكره يكون إذعانا للحق واعترافا بِهِ بعد التحقق والكشف أَو هُوَ نفاق وتقية وَفِي قَرَائِن الْأَحْوَال مَا يدل عَلَيْهِ وَالْأولَى أَلا يُوجب على الإِمَام قَتله لَا محَالة وَلَا أنيحرم قَتله بل يُفَوض إِلَى اجْتِهَاده فَأن غلب على ظَنّه أَنه سالك مَنْهَج التقية فِيمَا أَدَّاهُ قَتله وَأَن غلب على ظَنّه أَنه تنبه للحق وَظهر لَهُ فَسَاد الْأَقَاوِيل المزخرفة الَّتِي كَانَ يَدْعُو اليها قبل توبنه وأغضى عَنهُ فِي الْحَال وَأَن بقيت بِهِ رِيبَة وكل بِهِ من يراقب أَحْوَاله ويتفقده فِي بواطن أمره وَيحكم فِيهِ بِمُوجب مَا يَتَّضِح لَهُ مِنْهُ فَهَذَا هُوَ المسلك الْقَصْد الْقَرِيب من الْإِنْصَاف والبعيد من التعصب والاعتساف
[ ١٦٣ ]