فَنَقُول لَهُم وبماذا عَرَفْتُمْ صِحَة كَونه مَعْصُوما وَوُجُود عصمته أبضرورة الْعقل اَوْ بنظره اَوْ سَماع خبر متواتر عَن رَسُول الله ﷺ يُورث الْعلم الضَّرُورِيّ وَلَا سَبِيل الى دَعْوَى الضَّرُورَة وَلَا إِلَى دَعْوَى الْخَبَر الْمُتَوَاتر الْمُفِيد للْعلم الضَّرُورِيّ لَان كَافَّة الْخلق تشترك فِي دركه وَكَيف يَدعِي ذَلِك وأصل وجود الْأَمَام لَا يعرف ضَرُورَة بل نَازع منازعون فِيهِ فَكيف تعلم عصمته ضَرُورَة وان ادعيتم ذَلِك بِنَظَر الْعقل فَنظر الْعقل عنْدكُمْ بَاطِل وان سَمِعْتُمْ من قَول إمامكم أَن الْعِصْمَة وَاجِبَة للْإِمَام فَلم صدقتموه قبل معرفَة عصمته بِدَلِيل آخر وَكَيف يجوز أَن تعرف إِمَامَته وعصمته بِمُجَرَّد قَوْله
على أَن نقُول أَي نظر عرفكم وجوب عصمَة الْأَمَام فَلَا بُد من الْكَشْف عَنهُ فَإِن قيل الدَّلِيل عَلَيْهِ وجوب الِاتِّفَاق على كَون النَّبِي ﷺ مَعْصُوما وَلم نحكم بِوُجُوب عصمته إِلَّا لأَنا بواسطته نَعْرِف الْحق وَمِنْه نتلقفه ونستفيده وَلَو جَوَّزنَا عَلَيْهِ الْخَطَأ وَالْمَعْصِيَة سَقَطت الثِّقَة بقوله فَمَا من قَول يصدر عَنهُ إِلَّا ونتصور أَن يُقَال لَعَلَّه أَخطَأ فِيهِ اَوْ تعتمد الْكَذِب فَإِن الْمعْصِيَة لَيست مستحلية عَلَيْهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا وَجه لَهُ فَكَذَلِك الإِمَام مِنْهُ نَلْتَقِي الْحق واليه نرْجِع فِي المشكلات كَمَا كُنَّا نرْجِع الى رَسُول الله ﷺ فانه خَلِيفَته وَبِه نستضئ فِي مشكلات التَّأْوِيل والتنزيل وأحوال الْقِيَامَة والحشر والنشر
[ ١٤٢ ]
فَإِن لم تثبت عصمته فَكيف يوثق بِهِ قُلْنَا مثار غلطكم ظنكم أَنا نحتاج الى الإِمَام لنستفيد مِنْهُ الْعُلُوم ونصدقه فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الْعُلُوم منقسمة الى عقلية وسمعية أما الْعَقْلِيَّة فتنقسم ألى قَطْعِيَّة وظنية وَلكُل وَاحِد من الْقطع وَالظَّن مَسْلَك يُفْضِي اليه وَيدل عَلَيْهِ وَتعلم ذَلِك مِمَّن يُعلمهُ وَلَو من افسق الْخلق مُمكن فانه لَا تَقْلِيد فِيهِ وانما المتبع وَجه الدَّلِيل وَأما السمعيات فمسندها سَماع اما متواتر وَإِمَّا آحَاد والمتواتر تشترك الكافة فِي دركه وَلَا فرق بَين الإِمَام وَبَين غَيره والآحاد لَا تفِيد إِلَّا ظنا سَوَاء كَانَ الْمبلغ إِلَيْهِ اَوْ الْمبلغ الإِمَام أَو غَيره وَالْعَمَل بِالظَّنِّ فِيمَا يتَعَلَّق بالعمليات وَاجِب شرعا والوصول الى الْعلم فِيهِ لَيْسَ بِشَرْط وَلذَلِك يجب عِنْدهم تَصْدِيق الدعاة المنتشرين فِي أقطار الأَرْض مَعَ أَنه لَا عصمَة لَهُم أصلا وَكَذَلِكَ كَانَ وُلَاة رَسُول الله ﷺ فِي زَمَانه فَإِذا لَا حَاجَة إِلَى عصمَة الإِمَام فَإِن الْعُلُوم يشْتَرك فِي تَحْصِيلهَا الْكل وَالْإِمَام لَا يُولد عَالما وَلَا يوحي اليه وَلكنه متعلم وَطَرِيق تعلم غَيره كتعلمه من غير فرق
فَإِن قيل فلماذا نحتاج إِلَى الإِمَام إِذْ كَانَ يسْتَغْنى عَنهُ فِي التَّعْلِيم قُلْنَا ولماذا يحْتَاج فِي كل بلد الى قَاض وَهل يدل الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ
[ ١٤٣ ]
على أَنه لَا بُد أَن يكون مَعْصُوما فَيَقُولُونَ انما نحتاج اليه لدفع الْخُصُومَات وَجمع شتات الْأُمُور وَجزم القَوْل فِي المجتهدات وَإِقَامَة حُدُود الله تَعَالَى وَاسْتِيفَاء حُقُوقه وصرفها الى مستحقيها إِذْ لَا سَبِيل الى تعطيلها وَلَا سَبِيل إِلَى تفويضها الى كَافَّة الْخلق فيتزاحمون عَلَيْهَا متقاتلين ويتكاسلون عَنْهَا متواكلين ومتخاذلين فتعطل الْأُمُور فجملة الدُّنْيَا فِي حق الإِمَام كبلدة وَاحِدَة فِي حق القَاضِي فَكَمَا يسْتَغْنى عَن عصمَة القَاضِي فِي الْبَلَد وَيحْتَاج الى قَضَائِهِ فَكَذَلِك يسْتَغْنى عَن عصمَة الامام وَيحْتَاج إِلَيْهِ كَمَا يحْتَاج الى الْقُضَاة ولأمور أخر كُلية سياسية من حراسة الْإِسْلَام والذب عَن بيضته والنضال دون حوزته وحشد العساكر والجنود الى اهل الطغيان والعناد وتطهير وَجه الأَرْض عَن الطغاة والبغاة والساعين فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ وملاحظة أَطْرَاف الْبِلَاد بِالْعينِ الكالئة حَتَّى إِذا ثارت فتْنَة بَادر إِلَى الْأَمر بتطفئتها وَإِذا نبغت نَابِغَة تقدم عى الْفَوْر بإزالتها قبل أَن تسحكم غائلتها وتستطير فِي الأَرْض نائرتها هَذَا وَمَا يجْرِي مجْرَاه هُوَ الَّذِي يُرَاد لاجله الإِمَام وَذَلِكَ يحْتَاج الى عَدَالَة وَعلم ونجدة وكفاية وصرامة وشرائط آخر سنذكرها فِي الْبَاب التَّاسِع
[ ١٤٤ ]
فَأَما الْعِصْمَة فيستغنى عَنْهَا كَمَا فِي حق الْقُضَاة والولاة فَإِن منعُوا وإدعوا الْعِصْمَة للقضاة والولاة وكل مترشح لإمر من الْأُمُور من جِهَة الإِمَام وَهَذَا مَا اعتقده الإمامية حَتَّى اورد عَلَيْهِم الحارس والمتعسس والبواب ويرتبط بِكُل وَاحِد مِنْهُم امْر فَأَجَابُوا بِأَن هَذِه الْأُمُور إِنَّا كَانَت امورا دينية شرطت الْعِصْمَة فِي المتكفلين بهَا والمنتصب لَهَا بِنصب الامام لَا يكون إِلَّا مَعْصُوما ونعوذ بِاللَّه من اعْتِقَاد مَذْهَب يضْطَر ناصره والذاب عَنهُ إِلَى ان يجاحد مَا يُشَاهِدهُ ويدركه على البديهة والضرورة فالظلم على طَبَقَات النَّاس مشَاهد من أَحْوَال المتصبين من جِهَة إمَامهمْ وَلَا يَنْفَكّ أورع متدين مِنْهُم عَن استحلال الْأَمْوَال الْمَغْصُوبَة باسم الْخراج والضريبة من اموال الْمُسلمين الْعلم بِتَحْرِيمِهِ وَمهما انْتهى كَلَام الْخصم الى مجاحدة الضَّرُورَة فَلَا وَجه الا الْكَفّ عَنهُ والاقتصار على تعزيته فِيمَا اصيب بِهِ من عقله