فَإِن قيل مَا جليتموه من العظائم لَا يتَصَوَّر ان يخفي على عَاقل وَقد رَأينَا خلقا كثيرا وجما غفيرا من النَّاس يتابعونهم فِي معتقدهم وتابعوهم فِي دينهم فلعلكم ظلمتموهم بِنَقْل هَذِه الْمذَاهب عَنْهُم فِي خلاف مَا يعتقدونه
وَهَذَا هُوَ الْقَرِيب الْمُمكن فانهم لَو أظهرُوا هَذِه الاسرار نفرت الْقُلُوب عَنْهُم واطلعت النُّفُوس على مَكْرهمْ وَمَا باحوا بهَا الا بعد العهود والمواثيق وصانوها إِلَّا عَن مُوَافق لَهُم فِي الِاعْتِقَاد فَمن ايْنَ وَقع لكم الِاطِّلَاع عَلَيْهَا وهم يسترون ديانتهم ويستنبطون بعقائدهم قلت أما الإطلاع على ذَلِك فانما عثرنا عَلَيْهِ من جِهَة خلق كثير تدينوا بدينهم واستجابوا لدعوتهم ثمَّ تنبهوا لضلالهم فَرَجَعُوا عَن غوايتهم الى الْحق الْمُبين فَذكرُوا مَا ألقوا اليهم من الْأَقَاوِيل واما سَبَب انقياد الْخلق اليهم فِي بعض أقطار الأَرْض فانهم لَا يفشون هَذَا الامر الا الى بعض المستجيبين لَهُم ويوصون الدَّاعِي وَيَقُولُونَ لَهُ إياك ان تسلك بِالْجَمِيعِ مسلكا وَاحِدًا فَلَيْسَ كل من يحْتَمل قبُول هَذِه الْمذَاهب يحْتَمل الْخلْع والسلخ وَلَا كل من يحْتَمل الْخلْع يحْتَمل السلخ فليخاطب الدَّاعِي النَّاس على قدر عُقُولهمْ
فَهَذَا هُوَ السَّبَب فِي تعلق هَذِه الْحِيَل ورواجها
فَإِن قيل هَذَا أَيْضا مَعَ الكتمان ظَاهر الْبطلَان فَكيف ينخدع بِمثلِهِ عَاقل قُلْنَا لَا ينخدع بِهِ الا المائلون عَن اعْتِدَال الْحَال واستقامة الرَّأْي فللعقلاء عوارض تعمى عَلَيْهِم طرق الصَّوَاب وتقضي عَلَيْهِم بالانخداع بلامع السراب وَهِي ثَمَانِيَة أَصْنَاف
الصِّنْف الاول طَائِفَة ضعفت عُقُولهمْ
[ ٣٣ ]
وَقلت بصائرهم وسخفت فِي امور الدّين آراؤهم لما جبلوا عَلَيْهِ من البله والبلادة مثل السوَاد وأفجاج الْعَرَب والأكراد وجفاة الأعاصم وسفهاء الْأَحْدَاث وَلَعَلَّ هَذَا الصِّنْف هم أكبر النَّاس عددا وَكَيف يستبعد قبولهم لذَلِك وَنحن نشاهد جمَاعَة فِي بعض الْمَدَائِن الْقَرِيبَة من الْبَصْرَة يعْبدُونَ أُنَاسًا يَزْعمُونَ أَنهم ورثوا الربوبيه من آبَائِهِم المعروفين بالشباسية وَقد اعتقدت طَائِفَة فِي عَليّ ﵁ انه إِلَه السَّمَوَات والارض رب الْعَالمين وهم خلق كثير لَا يحصرهم عدد وَلَا يحويهم بلد فَلَا يَنْبَغِي أَن يكثر التَّعَجُّب من جهل الْإِنْسَان إِذا استحوذ عَلَيْهِ الشَّيْطَان وَاسْتولى عَلَيْهِ الخذلان
الصِّنْف الثَّانِي طَائِفَة انْقَطَعت الدولة عَن أسلافهم بدولة الاسلام كأبناء الأكاسرة والدهاقين وَأَوْلَاد الْمَجُوس المستطيلين فَهَؤُلَاءِ موتورون قد استكن الحقد فِي صُدُورهمْ كالداء الدفين فَإِذا حركته تخاييل المبطلين اشتعلت نيرانه فِي صُدُورهمْ فأذعنوا لقبُول كل محَال تشوقا الى دَرك ثأرهم وتلافي امورهم
الصِّنْف الثَّالِث طَائِفَة لَهُم همم طامحة الى العلياء متطلعة الى التسلط والاستيلاء إِلَّا انه لَيْسَ يساعدهم الزَّمَان بل يقصر بهم عَن الأتراب والأقران طوارق الْحدثَان فهؤلاءإذا وعدوا بنيل امانيهم وسول لَهُم الظفر بأعاديهم سارعوا الى قبُول مَا يَظُنُّونَهُ مفضيا الى مآربهم وسالكا الى أوطارهم ومطالبهم فلطالما قيل حبك الشيئ يعمي ويصم ويشترك فِي هَذَا كل من دهاه من طبقَة الاسلام آمُر يلم بِهِ وَكَانَ لَا يتَوَصَّل الى الإنتصار
[ ٣٤ ]
ودرك الثأر الاب الِاسْتِظْهَار بهؤلاء الاغبياء الأغمار فتتوفر دواعيه على قبُول مَا يرى الأمنية فِيهِ
الصِّنْف الرَّابِع طَائِفَة جبلوا على حب التميز عَن الْعَامَّة والتخصص عَنْهُم ترفعا عَن مشابهتهم وتشرفا بالتحيز الى فِئَة خَاصَّة تزْعم انها مطلعة على الْحَقَائِق وان كَافَّة الْخلق فِي جهالتهم كالحمر المستنفرة والبهائم المسيبة وَهَذَا هُوَ الدَّاء العضال المستولي على الأذكياء فضلا عَن الْجُهَّال الاغبياء وكل ذَلِك حب للنادر الْغَرِيب ونفرة عَن الشَّائِع المستفيض وَهَذِه سجية لبَعض الْخلق على مَا شهِدت بِهِ التجربة وتدل عَلَيْهِ الْمُشَاهدَة
الصِّنْف الْخَامِس طَائِفَة سلكوا طرق النّظر وَلم يستكملوا فِيهِ رُتْبَة الِاسْتِقْلَال وان كَانُوا قد ترقوا عَن رُتْبَة الْجُهَّال فهم أبدا متشوقون الى التكاسل والتغافل وَإِظْهَار التفطن لدرك امور تتخيل العامه بعْدهَا وينفرون عَنْهَا لَا سِيمَا إِذا نسب الشئ الى مَشْهُور بِالْفَضْلِ فيغلب على الطَّبْع التشوق الى التَّشَبُّه بِهِ فكم من طوائف رَأَيْتهمْ اعتقدوا مَحْض الْكفْر تقليدا لافلاطن وأرسططاليس وَجَمَاعَة من الْحُكَمَاء قد اشتهروا بِالْفَضْلِ وداعيهم الى ذَلِك التَّقْلِيد وَحب التَّشَبُّه بالحكماء والتحيز الى غمارهم والتحيز عَمَّن يعْتَقد انه فِي الذكاء وَالْفضل دونهم فَهَؤُلَاءِ يستجرون الى هَذِه الْبِدْعَة بإضافتها الى من يحسن اعْتِقَاد المستجيب فِيهِ فيبادر الى قبُوله تشفعا بالتشبه بِالَّذِي ذكر انه من منتحليه
[ ٣٥ ]
الصِّنْف السَّادِس طَائِفَة اتّفق نشؤوهم بَين الشِّيعَة وَالرَّوَافِض واعتقدوا التدين بسب الصَّحَابَة وَرَأَوا هَذِه الْفرْقَة تساعدهم عَلَيْهَا فمالت نُفُوسهم الى المساعدة لَهُم والاستئناس بهم وانجرت مَعَهم الى مَا وَرَاء ذَلِك من خَصَائِص مَذْهَبهم
الصِّنْف السَّابِع طَائِفَة من ملحدة الفلاسفة والثنوية والمتحيرة فِي الدّين اعتقدوا أَن الشَّرَائِع نواميس مؤلفة وان المعجزات مخاريق مزخرفة فَإِذا رَأَوْا هَؤُلَاءِ يكرمون من ينتمي إِلَيْهِم ويفيضون ذخائر الْأَمْوَال عَلَيْهِم انتدبوا لمساعدتهم طلبا لحطام الدُّنْيَا واستحقارا لامر العقبى وَهَذِه الطَّائِفَة هم الَّذين لفقوا لَهُم الشّبَه وزينوا لَهُم بطرِيق التمويه الْحجَج وسووها على شُرُوط الجدل وحدود الْمنطق من حَيْثُ الظَّاهِر وغبوا مكامن التلبيس والمغالطة فِيهَا تَحت أَلْفَاظ مجملة وعبارات كُلية مُبْهمَة قَلما يَهْتَدِي النَّاظر الضَّعِيف الى فك تعقيدها وكشف الغطاء عَن مكمن تدليسها على مَا سنورد مَا لفقوه وننبه على المسلك الَّذِي سلكوه ونهجوه ونكشف عَن فَسَاده من عدَّة وُجُوه
الصِّنْف الثَّامِن طَائِفَة استولت عَلَيْهِم الشَّهَوَات فاستدرجتهم مُتَابعَة اللَّذَّات وَاشْتَدَّ عَلَيْهِم وَعِيد الشَّرْع وثقلت عَلَيْهِم تكاليفه فَلَيْسَ يتهنأ عيشهم إِذا قرفوا بِالْفِسْقِ والفجور وتوعدوا بِسوء الْعَاقِبَة فِي الدَّار الْآخِرَة فَإِذا صادفوا من يفتح لَهُم الْبَاب وَيرْفَع عَنْهُم الحجز والحجاب وَيحسن لَهُم مَا هم مستحسنون لَهُ بالطبع تسارعوا الى التَّصْدِيق بالرغبة والطوع وكل انسان مُصدق لما يُوَافق هَوَاهُ ويلائم غَرَضه ومناه فَهَؤُلَاءِ وَمن يجْرِي مجراهم هم الَّذين عدموا التَّوْفِيق فانخدعوا بِهَذِهِ المخاريق وزاغوا عَن سَوَاء الطَّرِيق وحدود التَّحْقِيق
[ ٣٦ ]