وَهَذِه هِيَ اعز الصِّفَات واجلها واولاها بالرعايات واجدرها وَهُوَ وصف ذاتي لَا يُمكن استعارته وَلَا الْوَصْل إِلَى تَحْصِيله من جِهَة الْغَيْر اما النجدة فتحصيلها من الْغَيْر لَا محَالة وَالْهِدَايَة وان اعتمدت على غزارة الْعقل ففوائدها يُمكن فِيهَا الِاسْتِعَارَة بطرِيق الْمُرَاجَعَة والاستشارة وَالْعلم ايضا يُمكنهُ تَحْصِيله بالاستفتاء واستطلاع رأى الْعلمَاء والورع هُوَ الاساس والاصل وَعَلِيهِ يَدُور الامر كُله وَلَا يُغني فِيهِ ورع الْغَيْر وَهُوَ رَأس المَال ومصدر جملَة الْخِصَال وَلَو اخْتَلَّ هَذَا وَالْعِيَاذ بِاللَّه لم يبْق معتصم فِي تَحْقِيق الامامة فَالْحَمْد لله الَّذِي زين احوال الامام الْحق الْمَنْصُور امامته بالورع وَالتَّقوى حَتَّى اوفي فِيهِ على الغية القصوى فتميز بمتانة الدّين وصفاء الْعقل وَالْيَقِين فِي جَمَاهِير الْخُلَفَاء حَتَّى ظهر
[ ١٨٧ ]
من أَحْوَاله مُنْذُ تجمل صدر الْخلَافَة بجماله من إفَاضَة الْخيرَات والعطف على الرعايا وذوى الْحَاجَات وَقطع العمارات الَّتِي كَانَت الْعَادة جَارِيَة بالمواظبة عَلَيْهَا كل ذَلِك اضرابا عَن عمَارَة الدُّنْيَا واكبابا على مَا ظهر من عمَارَة الدّين هَذَا مَعَ مَا ظهر من سيرته فِي خَاصَّة حَالَته من لبس الثِّيَاب الخشنة وَاجْتنَاب الترفه والدعة والمواظبة على الْعِبَادَات ومهاجرة الشَّهَوَات وَاللَّذَّات استحقارا لزخارف الدُّنْيَا وتوقيا من ورطات الْهوى والتفاتا الى حسن الماب فِي العقبى فَهُوَ على التَّحْقِيق الشَّاب الَّذِي نَشأ فِي عبَادَة الله هَذَا كُله فِي عنفوان السن وغرة من الشَّبَاب وبداية الامر يُنَبه الْعُقَلَاء لما سينتهي اليه الْحَال اذا قَارب سنّ الْكَمَال
إِن الْهلَال اذا رايت نموه ايقنت أَن سيصير بَدْرًا كَامِلا وَالله تَعَالَى يمده باطول الاعمار وينشر اعلامه فِي اقاصي الديار
فان قَالَ قَائِل كَيفَ تجاسرتم على دَعْوَى التَّقْوَى والورع وَمن شَرطه التجرد عَن الاموال حَتَّى لاياخذ قيراطا الا من حلّه وَلَا يَدعه الا فِي مَظَنَّة اسْتِحْقَاقه وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة وَلَيْسَ يتم الْوَرع بالمواظبة على الْفَرَائِض وَاجْتنَاب الموبقات والكبائر بل عماد هَذَا الامر الْعدْل وَاجْتنَاب الظُّلم فِي طرفِي الاعطاء والاخذ فان ادعيتم حُصُول هَذَا الشَّرْط نفرت الْقُلُوب عَن التَّصْدِيق وان اعترفتم باختلال الامر فِيهِ انخرم مَا ادعيتموه من حُصُول الْوَرع وَالتَّقوى قُلْنَا هَذَا السُّؤَال نكسر اولا سورته ثمَّ ننبه على سر هُوَ مُنْتَهى الانصاف فَنَقُول ان صدر الِاعْتِرَاض عَن باطني فَلَعَلَّهُ لَو رَاجع صَاحبه الَّذِي يواليه واستقرى مَا شَاهده من هَذِه الاحوال فِيهِ افتضح فِي دعاويه وَكَانَ الْحيَاء خيرا لَهُ مِمَّا يُورِدهُ ويبديه وان صدر السُّؤَال عَن اُحْدُ عُلَمَاء الْعَصْر الَّذين يَعْتَقِدُونَ خلو الزَّمَان عَن الامام لفقد شَرطه
[ ١٨٨ ]
فَيُقَال لَهُ هون على نَفسك فان دَعْوَى وجود هَذَا الشريط غير مستبعدة فان الاموال المنصبة إِلَى الخزائن المعمورة اربعة اصناف الصِّنْف الاول ارْتِفَاع المستغلات وهى ماخوذة من اموال موروثة لَهُ والصنف الثَّانِي اموال الْجِزْيَة وَهِي من اطيب مَا يُؤْخَذ والصنف الثَّالِث اموال التركات وَلم يعْهَد مِنْهُ قطّ الى الان الطمع فِي تَرِكَة تعين لاستحقاقها وَارِث وَمن لَا وَارِث لَهُ فمنصبه بَيت المَال الصِّنْف الرَّابِع اموال الْخراج الماخوذة من ارْض الْعرَاق وَمذهب الشَّافِعِي وَطَوَائِف من الْعلمَاء أَن أَرض الْعرَاق وقف وَهِي من عبادان الى الْموصل طولا وَمن الْقَادِسِيَّة الى حلوان عرضا انما وقفهخا عمر ﵁ على الْمُسلمين ليَكُون جَمِيع خراجها منصبا الى بَيت المَال ومصالح الْمُسلمين فَهَذِهِ هِيَ الاموال الماخوذة واخذها جَائِز وَيبقى النّظر فِي مصارفها وَهِي مَعَ اخْتِلَاف جهاتها ارْبَعْ جِهَات وفيهَا تَنْحَصِر مصَالح الاسلام وَالْمُسْلِمين الْجِهَة الاولى المرتزقة من جند الاسلام اذ لابد من كفايتهم واكثرهم فِي هَذَا الْعَصْر مكفيون بثروتهم واستظهارهم ومقتدرون على كِفَايَة غَيرهم وَمَعَ ذَلِك فقد امدهم الراى الشريف النَّبَوِيّ فِي هَذِه الايام مُدَّة مقَام الْعَسْكَر بِمَدِينَة السَّلَام باموال استفرغ فِيهَا الخزائن وافاض عَلَيْهِم من ضروب التشريفات والانعام مَا يخلد ذكره على مكر الايام والاعوام الْجِهَة الثَّانِيَة عُلَمَاء الدّين وفقهاء الْمُسلمين القائمون بعلوم الشَّرِيعَة فانهم حراس الدّين بِالدَّلِيلِ والبرهان كَمَا ان الْجنُود حراسه بِالسَّيْفِ والسنان وَمَا من وَاحِد مِنْهُم الا وَهُوَ مكفى من جِهَته برسم وادرار ومخصوص بانعام وايثار والمستحق لَهُم ايضا على بَيت المَال قدر الْكِفَايَة وَهُوَ مبذول لكل من يتشبه بَاهل الْعلم فضلا عَمَّن يتلحى بتحقيقه الْجِهَة الثَّالِثَة محاويج الْخلق الَّذين قصرت بهم ضَرُورَة الْحَال وطوارق الزَّمَان عَن اكْتِسَاب قدر الْكِفَايَة وَلَيْسَ ينتهى اليه الْخَبَر فِي حَاجَة الا سدها
[ ١٨٩ ]
وَلَا يرْتَفع اليه قصد ذِي فاقة الا تداركها ومواظبته على الصَّدقَات فِي نوب مُتَوَالِيَات فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة كَافِيَة جَمِيع الْحَاجَات
الْجِهَة الرَّابِعَة الْمصَالح الْعَامَّة من عمَارَة الرباطات والقناطر والمساجد والمدارس فَيصْرف لَا محَالة الى هَذِه الْجِهَة عِنْد الْحَاجة قدر من بَيت مَال الْمُسلمين فَلَا ترى هَذِه الْمَوَاضِع فِي أَيَّامه إِلَّا معمورة وملحوظة بالتعاهد من القوام بهَا والمتكفلين لَهَا وَهَذَا وَجه الدخل والخرج
ونختم الْكَلَام بِمَا يقطع مَادَّة الْخِصَام وَتبين فِيهِ غَايَة الانصاف فَنَقُول لَا يظنن ظان انا نشترط فِي الامامة الْعِصْمَة فان الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي حُصُولهَا للانبياء والاكثرون على انهم لم يعصموا من الصَّغَائِر وَلَو اعْتبرت الْعِصْمَة من كل زلَّة لتعذرت الولايات وانعزلت الْقُضَاة وَبَطلَت الامامة وَكَيف يحكم بِاشْتِرَاط التنقى من كل مَعْصِيّة والاستمرار على سمت التَّقْوَى من غير عدُول وَمَعْلُوم ان الجبلات متقاضية للذات والطباع محرضة على نيل الشَّهَوَات والتكاليف يتضمنها من العناء مَا يتقاعد عَن احتمالها الاقوياء ووساوس الشَّيْطَان وهواجس النَّفس مستحثة على حب العاجلة واستحقار الاجلة والجبلة الانسانية بالسوء امارة والتقى فِي ارجوحة الْهوى يغلب تَارَة ويعجز تَارَة والشيطان لَيْسَ يفتر عَن الوساوس والزلات تكَاد تجرى على الانفاس فَكيف يتَخَلَّص الْبشر عَن اقتحام مَحْظُور والتورط فِي مَحْظُور وَلذَلِك قَالَ الشَّافِعِي ﵁ فِي شَرط عَدَالَة الشَّهَادَة لايعرف اُحْدُ بمحض الطَّاعَة حَتَّى لَا يتضمخ بِمَعْصِيَة وَلَا أحد بمحض الْمعْصِيَة حَتَّى لَا يقدم على طَاعَة وَلَا يَنْفَكّ اُحْدُ عَن تَخْلِيط وَلَكِن من غلبت الطَّاعَات فِي حَقه الْمعاصِي وَكَانَت تسووه سيئته وتسره حسنته فَهُوَ مَقْبُول الشَّهَادَة ولسنا نشترط فِي عَدَالَة الْقَضَاء الا مَا نشترطه فِي الشَّهَادَة وَلَا نشترط فِي الامامة الا مَا نشترطه
[ ١٩٠ ]
فِي الْقَضَاء وَهَذَا ذَكرْنَاهُ اذا لج ملاح اَوْ الح ملح ولازم اللدد فِي تَصْوِير امْر من الامور لَا يُوَافق ظَاهر الشَّرْع وارادته الطعْن فِي الامامة والقدح فِيهَا عرف ان ذَلِك غير قَادِح فِي اصل الامامة بِحَال من الاحوال