فَإِن قَالَ قَائِل اتّفق راي الْعلمَاء على أَن الامامة لَا تَنْعَقِد الا لمن نَالَ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَالْفَتْوَى فِي عُلُوم الشَّرْع وَلَا يمكنكم دَعْوَى وجود هَذِه الشريطة وَلَو ادعيتم أَن ذَلِك لَا يشْتَرط كَانَ انسلالا عَن وفَاق الْعلمَاء قاطبة فَمَا رَأْيكُمْ فِي هَذِه الصّفة
قُلْنَا لَو ذهب ذَاهِب إِلَى أَن بُلُوغ دَرَجَة الِاجْتِهَاد لَا يشْتَرط فِي الامامة لم يكن فِي كَلَامه الا الاعزاب عَن الْعلمَاء الماضين والا فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالف مُقْتَضى الدَّلِيل وَسِيَاق النّظر فان الشُّرُوط الَّتِي تدعى للامامة شرعا لابد من دَلِيل يدل عَلَيْهَا وَالدَّلِيل اما نَص من صَاحب الشَّرْع واما النّظر فِي الْمصلحَة الَّتِي طلبت الامامة لَهَا وَلم يرد النَّص من شَرَائِط الامامة فِي شَيْء الا فِي النّسَب اذ قَالَ أَن الائمة من قُرَيْش فاما مَا عداهُ فانما اخذ من الضَّرُورَة وَالْحَاجة الماسة فِي مَقْصُود الامامة اليها فَهَذَا كَمَا شرطنا الْعقل وَالْحريَّة وسلامة الْحَواس وَالْهِدَايَة والنجدة والورع فان هَذِه الامور لَو قدر عدمهَا لم يَنْتَظِم امْر الامامة بِحَال من الاحوال وَلَيْسَت رُتْبَة الِاجْتِهَاد مِمَّا لَا بُد مِنْهُ فِي الامامة ضَرُورَة بل الْوَرع الدَّاعِي الى مُرَاجعَة اهل الْعلم فِيهِ كَاف فاذا كَانَ الْمَقْصُود تَرْتِيب الامامة على وفْق الشَّرْع فاى فرق بَين ان يعرف حكم الشَّرْع بنظره اَوْ يعرفهُ بِاتِّبَاع افضل اهل زَمَانه واذا جَازَ للمجتهد ان يعول على قَول وَاحِد ويروى لَهُ حَدِيثا فَيحكم بِهِ إِمَامًا كَانَ اَوْ قَاضِيا فَمَا الْمَانِع من ان يحكم بِمَا يتَّفق عَلَيْهِ الْعلمَاء فِي كل وَاقعَة وان اخْتلف
[ ١٩١ ]
فَيتبع فِيهِ قَوْله الافضل الاعلم وَلم لَا يكون مكملا بَافضل اهل الزَّمَان مَقْصُود الْعلم كَمَا كمل باقوى اهل الزَّمَان مَقْصُود الشَّوْكَة وبادهى اهل الزَّمَان وأكفاهم رَأيا ونظرا مَقْصُود الْكِفَايَة فَلَا تزَال دولته محفوفة بِملك من الْمُلُوك قوى يمده بشوكته وكاف من كفاة الزَّمَان يتَصَدَّى لوزارته فيمده برايه وهدايته وعالم مقدم فِي الْعُلُوم يفِيض مَا يلوح من قضايا الشَّرْع فِي كل وَاقعَة إِلَى حَضرته هَذَا لَو قَالَ بِهِ قَائِل لَكَانَ مستمدا من قواطع الادلة والبراهين الَّتِى يجوز اسْتِعْمَالهَا فِي مظان الْقطع وَالْيَقِين فَكيف فِي مواقع الظَّن والتخمين واكثر مسَائِل الامامة واحكامها مسَائِل فقهية ظنية يحكم فِيهَا بِمُوجب الراى الاغلب وَمَا ذكرته مَسْلَك وَاضح فِيهِ ولكنى لَا اوثر الاعزاب عَن الماضين وَلَا الانحراف عَن جادة الائمة المنقرضين فان الِانْفِرَاد بالراى والانسلال عَن مُوَافقَة الجماهير لَا يَنْفَكّ عَن اثارة نفرة الْقُلُوب لكني استميح مسلكا مقتبسا من كَلَام الائمة الْمَذْكُورين واقول اخْتلف النَّاس فِي ان اهل الِاخْتِيَار لَو عقدوا عقد الْبيعَة للمفضول واعرضوا عَن الافضل هَل تَنْعَقِد الامامة مَعَ الِاتِّفَاق على ان تَقْدِيم الافضل عِنْد الْقُدْرَة وَاجِب مُتَعَيّن ثمَّ ذهب الاكثرون إِلَى انها اذا عقدت للمفضول مَعَ حُضُور الافضل انْعَقَدت وَلم يجز خلعه لسَبَب الافضل وانا من هَذَا انشئ واقول أَن رددناها فِي مبدا التَّوْلِيَة بَين مُجْتَهد فِي عُلُوم الشَّرْع وَبَين متقاصر عَنْهَا فَيتَعَيَّن تَقْدِيم الْمُجْتَهد لَان اتِّبَاع النَّاظر علم نَفسه لَهُ مزية رُتْبَة على اتِّبَاع علم غَيره بالتقليد والمزايا لَا سَبِيل إِلَى إهمالها مَعَ الْقُدْرَة على مراعاتها أما إِذا انْعَقَدت الْإِمَامَة بالبيعة أوتولية الْعَهْد لمنفك عَن رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَقَامَت لَهُ شَوْكَة واذعنت لَهُ الرّقاب ومالت اليه الْقُلُوب فان خلا الزَّمَان عَن قرشي مُجْتَهد يستجمع
[ ١٩٢ ]
جَمِيع الشُّرُوط وَجب الِاسْتِمْرَار على الامامة المعقودة ان قَامَت لَهُ الشَّوْكَة وَهَذَا حكم زَمَاننَا وان قدر ضربا للمثل حُضُور قرشي مُجْتَهد مستجمع للورع والكفاية وَجَمِيع شَرَائِط الامامة وَاحْتَاجَ الْمُسلمُونَ فِي خلع الاول إِلَى تعرض لاثارة فتن واضطراب امور لم يجز لَهُم خلعه والاستبدال بِهِ بل تجب عَلَيْهِم الطَّاعَة لَهُ وَالْحكم بنفوذ ولَايَته وَصِحَّة إِمَامَته لأَنا نعلم بِأَن الْعلم مزية روعيت فِي الْإِمَامَة تحسينا لِلْأَمْرِ وتحصيلا لمزيد الْمصلحَة فِي الِاسْتِقْلَال بِالنّظرِ والاستغناء عَن التَّقْلِيد وان الثَّمَرَة الْمَطْلُوبَة من الْإِمَامَة تطفئة الْفِتَن الثائرة فِي تفرق الآراء المتنافرة فَكيف يستجيز الْعَاقِل تَحْرِيك الْفِتْنَة وتشويش نظام الْأُمُور وتفويت أصل الْمصلحَة فِي الْحَال تشوفا إِلَى مزِيد دقيقة فِي الْفرق بَين النّظر والتقليد وَعند هَذَا يَنْبَغِي أَن يقيس الانسان مَا ينَال الْخلق بِسَبَب عدُول الإِمَام عَن النّظر إِلَى تَقْلِيد الْأَئِمَّة بِمَا ينالهم لَو تعرضوا لِخَلْعِهِ واستبداله أَو حكمُوا إِمَامَته غير منعقدة وَإِذا أحسن إِيرَاد هَذِه الْمقَالة علم أَن التَّفَاوُت بَين اتِّبَاع الشَّرْع نظرا واتباعه تقليدا قريب هَين وانه لَا يجوز أَن تخرم بِسَبَبِهِ قَوَاعِد الْإِمَامَة وَهَذَا تَقْدِير تسامحنا بِهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا تَقْدِير قرشي مُجْتَهد مستجمع الصِّفَات متصد لطلب الْإِمَامَة وَهَذَا لَا وجود لَهُ فِي عصرنا وَالثَّانِي تَقْدِير اقتدارالخلق على الِاسْتِبْدَال بِالْإِمَامِ وَالتَّصَرُّف فِيهِ بِالْخلْعِ والانتقال وَهَذَا محَال فِي زَمَاننَا إِذْ لَو أجمع أهل الدَّهْر وتألبوا على أَن يصرفوا الْوُجُوه والقلوب عَن الحضرة المقدسة المستظهرية لم يَجدوا اليها سَبِيلا فَيتَعَيَّن على كَافَّة عُلَمَاء الْعَصْر الْفَتْوَى بِصِحَّة هَذِه الْإِمَامَة وانعقادها بِالشَّرْعِ وَلَكِن بعد هَذَا شَرْطَانِ أَحدهمَا أَن لَا يمْضِي كل قَضِيَّة مشكلة إِلَّا بعد استنتاج قرائح الْعلمَاء والاستظهار بهم وَأَن يخْتَار لتقليده عِنْد التباس الْأَمر وَاخْتِلَاف الْكَلِمَة أفضل أهل الزَّمَان واغزرهم علما وقلما تنفك مَدِينَة السَّلَام عَن شخص يعْتَرف لَهُ بالتقدم فِي علم الشَّرْع فَلَا بُد من تعرف الشَّرْع فِي الوقائع مِنْهُ لينوب ذَلِك عَن
[ ١٩٣ ]
الِاجْتِهَاد وَالثَّانِي أَن يسْعَى لتَحْصِيل الْعلم وحيازة رُتْبَة الِاسْتِقْلَال بعلوم الشَّرْع فَإِن الْإِمَامَة وان كَانَت صَحِيحَة منعقدة فِي الْحَال فخطاب الله تَعَالَى قَائِم بايجاب الْعلم وافتراض تَحْصِيله وَإِذا ساعدت الْقُدْرَة عَلَيْهِ لم يكن للتواني فِيهِ عذر لَا سِيمَا وَالسّن سنّ التَّحْصِيل وريعان الشَّبَاب معِين على الْغَرَض وَالْقدر الْوَاجِب تَحْصِيله شرعا إِذا صرف إِلَيْهِ الهمة الشَّرِيفَة حصل فِي قدر يسير من الزَّمَان وَلَا يَلِيق تطلب غايات الْكَمَال إِلَّا بالحضرة المقدسة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة المحقوقة بالعز والجلال
وَإِذا اتَّضَح فِي هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ الْبَرَاهِين اللائحة أَن مُقْتَضى أَمر الله أَن الإِمَام الْحق المستظهر بِاللَّه هُوَ الْمُتَعَيّن لخلافة الله فَمَا أَجْدَر هَذِه النِّعْمَة أَن تقَابل بالشكر وَإِنَّمَا الشُّكْر بِالْعلمِ وبالعمل وبالمواظبة على مَا أودعته فِي الْبَاب الآخر من الْكتاب وعَلى الْجُمْلَة فَشكر هَذِه النِّعْمَة أَلا يُرْضِي أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يكون لله على وَجه الأَرْض عبد أعبد وأشكر مِنْهُ كَمَا أَن الله تَعَالَى لم يرض أَن يكون لَهُ على وَجه الأَرْض عبد أعز واكرم من أَمِير الْمُؤمنِينَ فَهَذَا هُوَ الشُّكْر الموازي لهَذِهِ النِّعْمَة وَالله ولي التَّوْفِيق نمنه ولطفه
[ ١٩٤ ]