وسبيلنا أَن نتكلم على كل مُقَدّمَة من مقدماتهم الثماني الَّتِي نظمناها فَنَقُول
الْمُقدمَة الاولى وَهِي قَوْلكُم إِن كل شىء يتَكَلَّم فِيهِ بِنَفْي واثبات فَفِيهِ حق وباطل وَالْحق وَاحِد وَالْبَاطِل مَا يُقَابله فَهَذِهِ مُقَدّمَة صَادِقَة لَا نعتقد نزاعا فِيهَا وَلَكِن لَا يَصح مِنْكُم اسْتِعْمَالهَا فانا نقُول من النَّاس من انكر حقائق الاشياء وَزعم انه لَا حق وَلَا بَاطِل وان الاشياء تَابِعَة للإعتقادات فَمَا يعْتَقد فِيهِ الْوُجُود فَهُوَ مَوْجُود فِي حق ذَلِك المعتقد وَمَا يعْتَقد فِيهِ الْعَدَم فَهُوَ مَعْدُوم فِي حق المعتقد وَهَذِه مقَالَة فرقة من فرق السوفسطائية وَرُبمَا يَقُولُونَ الاشياء لَا حَقِيقَة لَهَا فَنَقُول هَل هَذِه الْمُقدمَة مُقَدّمَة يقطعون بهَا وَأَنْتُم ترونها فِي الْمَنَام وَلَا حَقِيقَة لَهَا فبماذا أمنتم الْغَلَط فِيهَا وَكم رَأَيْتُمْ انفسكم فِي الْمَنَام قاطعين بِأَمْر لَا حَقِيقَة لَهُ وَمَا الَّذِي آمنكم من اصابة خصومكم وخطئكم وَلَا نزال نورد عَلَيْهِم مَا يوردونه على اهل النّظر للتشكيك فِيهِ فَلَا يَجدونَ فصلا فان زَعَمُوا أَنا نَعْرِف ضَرُورَة خطأ من يخالفنا من
[ ٩٠ ]
السوفسطائية ونعلم ضَرُورَة صدق هَذِه الْمُقدمَة قيل لَهُم فَبِمَ تنكرون على اهل النّظر إِذا ادعو ذَلِك فِي مَذْهَبهم وَفِي تفريقهم بَين مَا غالطوا فِيهِ وَبَين مالم يغالطوا فِيهِ وفرقهم بَين انفسهم ومخالفيهم فَإِن زَعَمُوا ان ذَلِك يفْتَقر فِيهِ الى تَأمل وَمَا نَحن فِيهِ بديهي فَنَقُول والحسابيات يحْتَاج فِيهَا الى أدق تَأمل فَإِن غلط فِي مسئلة عرفتموها من الْحساب رجل قصر نظره أَو ضعف ذكاؤه فَهَل يشكككم ذَلِك فِي أَن الْعُلُوم الحسابية صَادِقَة فَإِن قُلْتُمْ لَا قيل فَهَكَذَا حَال النظار الْمُحَقِّقين إِذا خالفهم المخالفون وَهَذَا يَنْبَغِي ان يكون عَلَيْهِم فِي كل مقَام لَان تبجحهم الاكثر باخْتلَاف النظار وان ذَلِك يَنْبَغِي ان يسْقط الامان وخلافنا لَهُم لم يسْقط امانهم عَن مقدماتهم الَّتِي نظموها ثمَّ طمعوا مَعَ ذَلِك ان يسْقط اماننا عَن النظريات بِخِلَاف الْمُخَالف فِيهَا وَهَذَا من الطمع الْبَارِد وَالظَّن الركيك الَّذِي لَا ينخدع بِمثلِهِ عَاقل
أما الْمُقدمَة الثَّانِيَة وَهِي قَوْلهم إِذا ثَبت فِي كل وَاقعَة حق وباطل فلابد من معرفَة الْحق فِيهِ فَهَذِهِ مُقَدّمَة كَاذِبَة إِذْ تسلموها جملَة وفيهَا تَفْصِيل وَهَذِه عَادَتهم فِي التلبيس فَلَا يغفلن عَنْهَا المحصل فَنَقُول قَول الْقَائِل الْحق لَا بُد من مَعْرفَته كَقَوْل الْقَائِل المسئلة لَا بُد من مَعْرفَتهَا اَوْ الْمسَائِل لَا بُد من مَعْرفَتهَا فَيُقَال هَذَا خطأ بل المسئلة اسْم جنس يتَنَاوَل مَا لَا بُد من مَعْرفَته وَمَا عَن مَعْرفَته بُد فلابد من تَفْصِيل وَكَذَلِكَ
[ ٩١ ]
الْحق بِنَا غنية عَن مَعْرفَته فِي أَكثر الامور فَإِن جملَة التواريخ والاخبار الَّتِي كَانَت وستكون الى منقرض الْعَالم اَوْ هِيَ كائنة وَاقعَة الْيَوْم فِي الْعَالم يتَكَلَّم فِيهَا بِنَصّ واثبات وَالْحق وَاحِد وَلَا حَاجَة بِنَا الى مَعْرفَته وَهَذَا كَقَوْل الْقَائِل ملك الرّوم الان قَائِم ام لَا وَالْحق احدهما لَا محَالة مَا تَحت قدمي من الارض بعد مُجَاوزَة خَمْسَة اذرع حجر اَوْ تُرَاب وَفِيه دود ام لَا وَالْحق احدهما لَا محَالة وَمِقْدَار كرة الشَّمْس اَوْ زحل ومسافتهما مائَة فَرسَخ ام لَا وَالْحق احدهما وَهَكَذَا مساحات الْجبَال والبلاد وَعدد الْحَيَوَانَات فِي الْبر وَالْبَحْر وَعدد الرمل فَهَذِهِ كلهَا فِيهَا حق وباطل وَلَا حَاجَة الى مَعْرفَتهَا بل الْعُلُوم الْمَشْهُورَة من النَّحْو وَالشعر والطب والفلسفة وَالْكَلَام وَغَيرهَا فَمِنْهَا حق وباطل وَلَا حَاجَة بِنَا الى أَكثر مَا قيل فِيهَا بل الَّذِي نسلم انه لَا بُد من مَعْرفَته مَسْأَلَتَانِ وجود الصَّانِع تَعَالَى وَصدق الرَّسُول ﷺ وَهَذَا لَا بُد مِنْهُ ثمَّ إِذا اثْبتْ صدق الرَّسُول فالباقي يتَعَلَّق بِهِ تقليدا اَوْ علما بِخَبَر الْمُتَوَاتر اَوْ ظنا بِخَبَر الْوَاحِد وَذَلِكَ من الْعُلُوم كَاف فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمَا عداهُ مُسْتَغْنى عَنهُ أما وجود الصَّانِع وَصدق الرَّسُول فطريق مَعْرفَته النّظر فِي الْخلق حَتَّى يسْتَدلّ بِهِ على الْخَالِق وَفِي المعجزة حَتَّى يسْتَدلّ بهَا على صدق الرَّسُول وَهَذَانِ لَا حَاجَة فيهمَا الى معلم مَعْصُوم فان النَّاس فِيهِ قِسْمَانِ قسم اعتقدوا ذَلِك تقليدا وسماعا من ابويهم وصمموا عَلَيْهِ العقد قاطعين بِهِ وناطقين بقَوْلهمْ لَا اله إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ من غيربحث عَن الطّرق البرهانية وَهَؤُلَاء هم الْمُسلمُونَ حَقًا وَذَلِكَ الِاعْتِقَاد يكفيهم وَلَيْسَ عَلَيْهِم
[ ٩٢ ]
طلب طرق الْبَرَاهِين وعرفنا ذَلِك قطعا من صَاحب الشَّرْع فانه كَانَ يَقْصِدهُ اجلاف الْعَرَب واغمار اهل السوَاد وَالْجُمْلَة طَائِفَة لَو قطعُوا ارابا لم يدركوا شَيْئا من الْبَرَاهِين الْعَقْلِيَّة بل لَا يبين تمييزهم عَن الْبَهَائِم الا بالنطق وَكَانَ يعرض عَلَيْهِم كلمة الشَّهَادَتَيْنِ ثمَّ يحكم لَهُم بالايمان ويقنع مِنْهُم بِهِ وامرهم بالعبادات فَعلم قطعا ان الِاعْتِقَاد المصمم كَاف وان لم يكن عَن برهَان بل كَانَ عَن تَقْلِيد وَرُبمَا كَانَ يتَقَدَّم اليه الاعرابي فيحلفه انه رَسُول الله وانه صَادِق فِيمَا يَقُول فَيحلف لَهُ ويصدقه فَيحكم بِإِسْلَامِهِ فَهَؤُلَاءِ اعني المقلدين يستغنون عَن الإِمَام الْمَعْصُوم
الْقسم الثَّانِي من اضْطربَ عَلَيْهِ تَقْلِيده إِمَّا بتفكر وَإِمَّا بتشكيك غَيره إِيَّاه أَو بتأمله بِأَن الْخَطَأ جَائِز على آرائه فَهَذَا لَا ينجيه الا الْبُرْهَان الْقَاطِع الدَّال على وجود الصَّانِع وَهُوَ النّظر فِي الصنع وعَلى صدق الرَّسُول وَهُوَ النّظر فِي المعجزة وليت شعري مَاذَا يُغني عَنْهُم إمَامهمْ الْمَعْصُوم أيقول لَهُ اعْتقد ان للْعَالم صانعا وان مُحَمَّدًا ﷺ صَادِق تقليدا لي من غير دَلِيل فَانِي الامام الْمَعْصُوم اَوْ يذكر لَهُ الدَّلِيل فينبهه على وَجه دلَالَته فان كَانَ سومه التَّقْلِيد فَمن أَي وَجه يصدقهُ بل من ايْنَ يعرف عصمته وَهُوَ لَيْسَ يعرف عصمَة صَاحبه الَّذِي يزْعم انه خَلِيفَته بعد دَرَجَات كَبِيرَة وان ذكر الدَّلِيل افْتقر المسترشد الى ان ينظر فِي الدَّلِيل ويتأمل فِي ترتيبه وَوجه دلَالَته ام لَا فان لم يتَأَمَّل فَكيف يدْرك دون النّظر والتأمل وَهَذِه الْعُلُوم لَيست ضَرُورِيَّة وان تَأمل وادرك نتاج الْمُقدمَات الضرورية المنتجة الْمَطْلُوبَة بتأمله وَخرج بِهِ عَن حد التَّقْلِيد هـ فَمَا الْفرق بَين ان يكون المنبه لَهُ على وَجه الدّلَالَة ونظم الْمُقدمَات
[ ٩٣ ]
هُوَ هَذَا الْمشَار اليه الْمَعْصُوم اَوْ دَاعِيَة اَوْ عَالم آخر من عُلَمَاء الزَّمَان فان كل وَاحِد لَيْسَ يَدعُوهُ الى تَقْلِيده وانما يَقُودهُ الى مُقْتَضى الدَّلِيل وَلَا يدْرك مُقْتَضى الدَّلِيل الا بِالتَّأَمُّلِ فاذا تَأمل وادرك لم يكن مُقَلدًا لمعلمه بل كَانَ كمتعلم للأدلة الحسابية وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين أفسق الْخلق وَبَين اورعهم كمعلم الْحساب فَلَا يحْتَاج فِيهِ الى الْوَرع فضلا عَن الْعِصْمَة لانه لَيْسَ مُقَلدًا وانما الدَّلِيل هُوَ المتبع فَإِذا لَا يعدو الْخلق هذَيْن الْقسمَيْنِ فالاول مستغن عَن الْمَعْصُوم وَالثَّانِي لَا يُغني عَنهُ الْمَعْصُوم شَيْئا فقد بطلت مقدمتان إِحْدَاهمَا أَن كل حق فَلَا بُد من مَعْرفَته والاخرى انه لَا يعرف الْحق الا من مَعْصُوم
فَإِن قيل لَا تَكْفِي معرفَة الله وَرَسُوله بل لَا بُد من معرفَة صِفَات الله وَمَعْرِفَة الاحكام الشَّرْعِيَّة قُلْنَا أما صِفَات الله تَعَالَى فقسمان قسم لَا يُمكن معرفَة صدق الرَّسُول وبعثته الا بعد مَعْرفَته كَكَوْنِهِ عَالما وقادرا على الارسال فَهَذَا يعرف عندنَا بالأدلة الْعَقْلِيَّة كَمَا ذَكرْنَاهُ والمعصوم لَا يُغني لَان المعتقد لَهُ تقليدا اَوْ سَمَاعا من ابويه مستغن عَن الْمعلم كَمَا سبق والمتردد فِيهِ مَاذَا يُغني عَنهُ الْمَعْصُوم أفيقول لَهُ قلدني فِي انه تَعَالَى قَادر عَالم فَيَقُول لَهُ كَيفَ أقلدك وَلم تسمح نَفسِي بتليقد مُحَمَّد بن عبد الله ﷺ وَهُوَ صَاحب المعجزة وَإِن ذكر لَهُ وَجه الدَّلِيل اعاد القَوْل فِيهِ الى مَا مضى فِي اصل وجود الصَّانِع وَصدق الرَّسُول من غير فرق واما الاحكام الشَّرْعِيَّة فَلَا بُد لكل وَاحِد من معرفَة مَا يحْتَاج اليه فِي واجباته وَهِي قِسْمَانِ
الْقسم الأول مَا يُمكن مَعْرفَته قطعا وَهُوَ الَّذِي اشْتَمَل عَلَيْهِ نَص الْقُرْآن وتواتر عَنهُ الْخَبَر
[ ٩٤ ]
من صَاحب الشَّرْع كعدد رَكْعَات الصَّلَوَات الْخمس ومقادير النصب فِي الزكوات وقوانين الْعِبَادَات وأركان الْحَج اَوْ مَا اجمعت عَلَيْهِ الامة فَهَذَا الْقسم لَا حَاجَة فِيهِ الى امام مَعْصُوم أصلا
الْقسم الثَّانِي مَالا يُمكن مَعْرفَته قطعا بل يتَطَرَّق الظَّن اليه كَمَا كَانَ يجب على الْخلق فِي زمَان رَسُول الله ﷺ فِي سَائِر الاقطار واما صُورَة لَا نَص فِيهَا فَيحْتَاج الى تشبيهها بالنصوص عَلَيْهِ وتقريبها مِنْهُ بِالِاجْتِهَادِ وَهُوَ الَّذِي قَالَ معَاذ فِيهِ أجتهد رَأْيِي وَكَون هَذَا مظنونا ضَرُورِيّ فِي الطَّرفَيْنِ جَمِيعًا إِذْ لَا يُمكن شَرط التَّوَاتُر فِي الْكل وَلَا يُمكن اسْتِيعَاب جَمِيع الصُّور بِالنَّصِّ فَلَا يُغني الْمَعْصُوم فِي هَذَا شَيْئا فانه لَا يقدر على ان يَجْعَل مَا نَقله الْوَاحِد متواترا بل لَو تيقنه لم يقدر على مشافهة كَافَّة الْخلق بِهِ وَلَا تكليفهم السماع عَنهُ تواترا فيقلد اشياعه دعاة الْمَعْصُوم وهم غير معصومين بل يجوز عَلَيْهِم الْخَطَأ وَالْكذب فَنحْن نقلد عُلَمَاء الشَّرْع وَهُوَ دعاة مُحَمَّد ﷺ الْمُؤَيد بالمعجزات الباهرة فَأَي حَاجَة الى الْمَعْصُوم فِيهِ وَأما الصُّورَة الَّتِي لَيست منصوصة فيجتهد فِيهَا الرَّأْي إِذْ الْمَعْصُوم لَا يُغني عَنْهَا شَيْئا فَإِنَّهُ بَين ان يعْتَرف بانه أَيْضا ظان وَالْخَطَأ جَائِز فِي كل ذِي ظن وَلَا يخْتَلف ذَلِك بالاشخاص فَمَا الَّذِي يُمَيّز ظَنّه من ظن غَيره وَهُوَ مجوز للخطأعلى نَفسه وَإِن ادّعى الْمعرفَة فِيهِ أيدعيها عَن وَحي اَوْ عَن سَماع نَص فِيهِ اَوْ عَن دَلِيل عَقْلِي فَإِن ادّعى تَوَاتر الْوَحْي إِلَيْهِ
[ ٩٥ ]
فِي كل وَاقعَة فاذا هُوَ مُدع للنبوة فيفتقر الى معْجزَة كَيفَ وَلَا يتَصَوَّر تَقْدِير المعجزة إِذْ بَان لنا أَن مُحَمَّدًا ﷺ خَاتم الانبياء فَإِن جَوَّزنَا الْكَذِب على مُحَمَّد فِي قَوْله أَنا خَاتم الانبياءمع إِقَامَة المعجزة فَكيف نَأْمَن الْكَذِب هَذَا الْمَعْصُوم وَإِن أَقَامَ المعجزة وان ادّعى مَعْرفَته عَن نَص بلغه فَكيف لَا يستحي من دَعْوَى نَص صَاحب الشَّرْع على وقائع لايتصور حصرها وعدها بل لَو عمر الانسان عمر نوح وَلم يشْتَغل الا بعد الصُّور والنصوص عَلَيْهَا لم يستوعب عشر عشرهَا فَفِي أَي عمر استوعب الرَّسُول ﷺ جَمِيع الصُّور بِالنَّصِّ فان ادّعى الْمعرفَة بِدَلِيل عَقْلِي فَمَا اجهله بالفقهيات والعقليات جَمِيعًا إِذْ الشرعيات أُمُور وضعية اصطلاحية تخْتَلف بأوضاع الانبياء والاعصار والامم كَمَا نرى الشَّرَائِع مُخْتَلفَة فَكيف تجوز فِيهَا الادلة الْعَقْلِيَّة القاطعة وان ادَّعَاهَا عَن دَلِيل عَقْلِي مُفِيد للنَّظَر فالفقهاء كلهم لَهُم هَذِه الرُّتْبَة
فاستبان أَن مَا ذَكرُوهُ تلبيس بعيد عَن التَّحْقِيق وان الْعَاميّ المنخدع بِهِ فِي غَايَة الْحمق لانهم يلبسُونَ على الْعَوام بَان يتبعوا الظَّن وان الظَّن لَا يُغني عَن الْحق شَيْئا والفقهيات لَا بُد فِيهَا من اتِّبَاع الظَّن فَهُوَ ضَرُورِيّ كَمَا فِي التِّجَارَات والسياسات وَفصل الْخُصُومَات للْمصَالح فان كل الامور المصلحية تبنى على الظَّن والمعصوم كَيفَ يُغني عَن هَذَا الظَّن وَصَاحب الشَّرِيعَة لم يغن عَنهُ وَلم يقدر عَلَيْهِ بل أذن فِي الِاجْتِهَاد وَفِي الِاعْتِمَاد على قَول آحَاد الروَاة عَنهُ وَفِي التَّمَسُّك بعمومات الْأَلْفَاظ وكل ذَلِك ظن عمل بِهِ فِي عصره مَعَ وجوده فَكيف يستقبح ذَلِك بعد وَفَاته
[ ٩٦ ]
فان قيل فَإِذا اخْتلف المجتهدون لاخْتِلَاف مسالك الظنون فَمَاذَا ترَوْنَ وَإِن قُلْتُمْ كل مُجْتَهد مُصِيب تنَاقض كلامكم فان خصومكم مهما أَصَابُوا فِي اعْتِقَادهم يَقُولُونَ إِنَّكُم اخطأتم أفلستم مصيبين إِذا فَكيف وَفِي الْفرق من يستبيح سفك دمائكم فَإِن كَانُوا مصيبين أَيْضا فَنحْن فِي سفك دمائكم وَنهب اموالكم مصيبون فَلم تنكرون علينا وان قُلْتُمْ ان الْمُصِيب وَاحِد فَبِمَ نميز الْمُصِيب من الْمُخطئ وَكَيف نتخلص من خطر الْخَطَأ وَالظَّن قُلْنَا فِيهِ رأيان فان قُلْنَا كل مُجْتَهد مُصِيب لم نتناقض إِذْ نُرِيد بِهِ أَنه مُصِيب حكم الله فِي حق نَفسه ومقلديه إِذْ حكم الله عَلَيْهِ ان يتبع غَالب ظَنّه فِي كل وَاقعَة وَقد اتبع وَهَذَا حكم الله على خَصمه وَقَوْلهمْ انه مُصِيب إِذا فِي سفك الدَّم فَهُوَ كَلَام جَاهِل بالفقهيات فان مَا افترق فِيهِ الْفرق مِمَّا ير ٤ ى فِيهِ سفك الدِّمَاء مسَائِل قَطْعِيَّة عقلية الْمُصِيب فِيهَا وَاحِد والمسائل الظنية الْفِقْهِيَّة الْمُخْتَلف فِيهَا بَين الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَمَالك لَا تفضى إِلَى التقاتل وَسَفك الدِّمَاء بل كل فريق يعْتَقد احترام الْفَرِيق الاخر حَتَّى يحكم بانه لَا ينْقض حكمه إِذا قضى بِهِ وانه
[ ٩٧ ]
يجب على الْمُخَالف الِاتِّبَاع نعم اخْتلفُوا فِي انه هَل يُطلق اسْم الْخَطَأ على الْفرْقَة الْأُخْرَى فِي غير انكار وَاعْتِرَاض ام لَا وَقَوْلهمْ ان خصمك يَقُول انت مُخطئ فَإِن كَانَ هُوَ مصيبا فَإِذا انت مُخطئ قُلْنَا ان قَالَ خصمي انت مُخطئ أَي أَظن خطأك فَهُوَ صَادِق وَأَنا ايضا صَادِق فِي قولي اني مُصِيب وَلَا تنَاقض وان قَالَ اقْطَعْ بانك مُخطئ فَلَيْسَ مصيبا فِي هَذَا القَوْل بل بطلَان قَول من يقطع بالْخَطَأ فِي المجتهدات لَيْسَ مظنونا بل هُوَ مَقْطُوع بِهِ فِي جملَة الْمسَائِل القطعية الْأُصُولِيَّة فَالْقَوْل ان الْمُصِيب من الْمُجْتَهدين كِلَاهُمَا أَو أَحدهمَا مَسْأَلَة اصولية قَطْعِيَّة لَا ظنية وَقد التبست عَلَيْهِم الاصوليات بالفقهيات الظنية وَمهما كشف الغطاء لم يتناقض الْكَلَام فان قيل فَإِذا رَأَيْتُمْ كل وَاحِد مصيبا فليجز للمجتهد ان يَأْخُذ بقول خَصمه وَيعْمل بِهِ لانه مُصِيب وليجز للمقلد ان يتبع من شَاءَ من الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين قُلْنَا أما اتِّبَاع الْمُجْتَهد لغيره فخطأ فَإِن حكم الله عَلَيْهِ ان يتبع ظن نَفسه وَهَذَا مَقْطُوع بِهِ فَإِذا اتبع ظن غَيره فقد أَخطَأ فِي مسئلة قطعيه اصولية وَعرف ذَلِك بالاجماع الْقَاطِع وَأما بِخَبَر المقلدين الْأَئِمَّة فقد قَالَ بِهِ قَائِلُونَ وَلَكِن الْمُخْتَار عندنَا انه يجب ان يُقَلّد من يعْتَقد انه افضل الْقَوْم واعرفهم ومستند اعْتِقَاده إِمَّا تَقْلِيد سَمَاعي من الْأَبَوَيْنِ وَإِمَّا بحث عَامي عَن أَحْوَاله وَإِمَّا تسامع عَن أَلْسِنَة الْفُقَهَاء وَبِالْجُمْلَةِ يحصل
[ ٩٨ ]
لَهُ ظن غَالب من هَذِه المستندات فَعَلَيهِ اتِّبَاع ظن نَفسه كَمَا على الْمُجْتَهد اتِّبَاع ظن نَفسه وَهَذَا لَيْسَ بكلي فِي الشَّرْع لَان الشَّرْع يشْتَمل على مصلحَة جزئية فِي كل مَسْأَلَة وعَلى مصلحَة كُلية فِي الْجُمْلَة أما الْجُزْئِيَّة فَمَا يعرف عَنْهَا دَلِيل كل حكم وحكمته اما الْمصلحَة الْكُلية فَهِيَ ان يكون كل مُكَلّف تَحت قانون معِين من تكاليف الشَّرْع فِي جَمِيع حركاته وأقواله وإعتقاداته فَلَا يكون كالبهيمة المسيبة تعْمل بهواها حَتَّى يرتاض بلجام التَّقْوَى وتأديب الشَّرْع وتقسيمه الى مَا يُطلقهُ والى مَا يحْجر عَلَيْهِ فِيهِ فَيقدم حَتَّى يُطلق الشَّرْع وَيمْتَنع حَيْثُ يمْنَع وَلَا يتَّخذ إلهه هَوَاهُ وَيتبع فِيهِ مناه وَمهما خبرنَا المقدين فِي مَذَاهِب الْأَئِمَّة ليستمد مِنْهَا أطيبها عِنْده اضْطِرَاب الْقَائِلُونَ فِي حَقه فَلَا يبْقى لَهُ مرجع الا شَهْوَته فِي الِاخْتِيَار وَهُوَ مُنَاقض للغرض الْكُلِّي فَرَأَيْنَا أَن نحصره فِي قالب وان نضبطه بضابط وَهُوَ رَأْي شخص وَاحِد لهَذَا المعنة وَلِهَذَا اخْتلفت قوانين الْأَنْبِيَاء فِي الاعصار بِالْإِضَافَة الى التَّفْصِيل وَلم تخْتَلف فِي اصل التَّكْلِيف ودعوة الْخلق عَن اتِّبَاع الْهوى الى طَاعَة قانون الشَّرْع فَهَذَا مَا نرَاهُ مُخْتَارًا فِي حق آحَاد المقلدين هَذَا اُحْدُ الرأيين وهوان كل مُجْتَهد مُصِيب وَمن رأى أَن الْمُصِيب وَاحِد فَلَا تنَاقض أَيْضا فِي كَلَامه وَقَوله بِمَ يَأْمَن من إِمْكَان الْخَطَأ قُلْنَا اولا تعارضهم فَمن كَانَ مَسْكَنه بَعيدا عَن رَسُول الله ﷺ وَكَانَ يعول على قَول الْوَاحِد وَكَذَا من مَسْكَنه بعيد عَن معصومكم بَينه وَبَينه الْبحار الحاجزة والمهامة الْمهْلكَة بِمَ يَأْمَن الْخَطَأ على الْمبلغ وَهُوَ غير مَعْصُوم فسيقولون يحكم بِالظَّنِّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ
[ ٩٩ ]
أَكثر من ذَلِك فَهَذَا جَوَابنَا فَإِن قُلْتُمْ إِن لَهُ طَرِيقا إِلَى الْخَلَاص من الظَّن وَهُوَ أَن يقْصد النَّبِي ﷺ فان التَّوَجُّه اليه من الممكنات فَكَذَا يقْصد للْإِمَام الْمَعْصُوم فِي كل زمَان قُلْنَا وَهل يجب قصد ذَلِك مهما جوز الْخَطَأ فَإِن قُلْتُمْ لَا فَأَي فَائِدَة فِي امكانه وَقد جَازَ لَهُ اقتحام متن الْخطر فِيمَا جوز فِيهِ الْخَطَأ فَإِذا جَازَ ذَلِك فَلَا بَأْس بِفَوَات الامكان كَيفَ وَلَا يقدر كل زمن مُدبر لَا مَال لَهُ على أَن يقطع الف فَرسَخ ليسأل عَن مَسْأَلَة فقهية وَاقعَة كَيفَ وَلَو قطعهَا فَكيف يَزُول ظَنّه بإمامكم الْمَعْصُوم وان شافهه بِهِ إِذْ لَا معْجزَة لَهُ على صدقه فَبِأَي وَجه يَثِق بقوله وَكَيف يَزُول ظَنّه بِهِ ثمَّ يَقُول لَا خلاص لَهُ عَن احْتِمَال الْخَطَأ وَلَكِن لَا ضَرَر عَلَيْهِ وَغَايَة مَا فِي هَذَا الْبَاب ان يكون فِي دَرك الصَّوَاب مزية فَضِيلَة والانسان فِي جَمِيع مَصَالِحه الدُّنْيَوِيَّة من التِّجَارَة وَالْحَرب مَعَ الْعَدو والزراعة يَقُول على ظنون فَلَا يقدر على الْخَلَاص من إِمْكَان الْخَطَأ فِيهِ وَلَا ضَرَر عَلَيْهِ بل لَو أَخطَأ صَرِيحًا فِي مَسْأَلَة شَرْعِيَّة فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَرَر بل الْخَطَأ فِي تفاصيل الفقهيات مَعْفُو عَنهُ شرعا بقوله ﷺ من اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَمن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ اجْرِ وَاحِد فَمَا هولوا من خطر الْخَطَأ مستحقر فِي نَفسه عِنْد المحصلين من أهل الدّين وانما يعظم بِهِ الامر على الْعَوام الغافلين عَن أسرار الشَّرْع فَلَيْسَ الْخَطَأ فِي الفقهيات
[ ١٠٠ ]
من المهلكات فِي الاخرة بل لَيْسَ ارْتِكَاب كَبِيرَة مُوجبا لتخليد الْعقَاب وَلَا للزومه على وَجه لَا يقبل الْعَفو أما المجتهدات فَلَا مأثم على من يُخطئ فِيهَا والحنفي يَقُول يُصَلِّي الْمُسَافِر رَكْعَتَيْنِ وَالشَّافِعِيّ يَقُول يُصَلِّي اربعا وكيفما فعل فِي فالتفاوت قريب وَلَو قدر فِيهِ خطأ فَهُوَ مَعْفُو عَنهُ فَإِنَّمَا الْعِبَادَات مجاهدات ورياضات تكسب النُّفُوس صفاء وتبلغ فِي الْآخِرَة مقَاما مَحْمُودًا كَمَا أَن تكْرَار المنفعه لما يتعلمه يَجعله فَقِيه النَّفس ويبلغه رُتْبَة الْعلمَاء ومصلحته تخْتَلف بِكَثْرَة التّكْرَار وقلته وَرَفعه صَوته فِيهِ وخفضه فَإِن اخطأ فِي الِاقْتِصَار على التّكْرَار لدرس وَاحِد مرَّتَيْنِ وَكَانَت الثَّلَاث اكثر تَأْثِيرا فِي نَفسه فِي علم الله تَعَالَى اَوْ أَخطَأ فِي الثَّلَاث وَكَانَ الِاقْتِصَار على الِاثْنَيْنِ أَكثر تَأْثِيرا فِي صيانته على التبرم المبلد اَوْ أَخطَأ فِي خفض الصَّوْت وَكَانَ الْجَهْر اوفق لطبعه وللتأثير فِي تَنْبِيه نَفسه اَوْ كَانَ الْخَفْض أدعى لَهُ إِلَى التَّأَمُّل فِي كنه مَعْنَاهُ لم يكن الْخَطَأ فِي شئ من ذَلِك فِي لَيْلَة اَوْ لَيَال مؤيسا عَن رُتْبَة الْإِمَامَة ونيل فقه النَّفس وَهُوَ فِي جَمِيع مَا يخمن ويرتب فِي مقادير التّكْرَار من حَيْثُ الكمية والكيفية وَالْوَقْت مُجْتَهد فِيهِ وظان وسالك الى طَرِيق الْفَوْز بمقصوده مَا دَامَ مواظبا على الأَصْل وان كَانَ قد تَيَقّن لَهُ الْخَطَأ احيانا فِي التفاصيل وانما الْخطر فِي التغليط والاعتراض والاغترار بالفطنة الفطرية ظنا بَان فِيهَا غنية عَن الِاجْتِهَاد كَمَا ظن فريق من الباطنية ان نُفُوسهم زكية مرتاضة مستغنية عَن الرياضات بالعبادات الشَّرْعِيَّة فاهملوها وتعرضوا بِسَبَبِهَا للعقاب الاليم فِي دَار الْآخِرَة فليعتقد المسترشد ان إفضاء المجاهدات الشَّرْعِيَّة الى المقامات المحمودة السّنيَّة فِي دَار الْآخِرَة كإفضاء الِاجْتِهَاد فِي ضبط الْعُلُوم والمواظبة عَلَيْهَا إِلَى مقَام الْأَئِمَّة وَعند هَذَا نستحقر مَا عظم الباطنية الْأَمر فِيهِ
[ ١٠١ ]
من خطر الْخَطَأ على الْمُجْتَهدين فِي الْجَهْر بالبسملة وتثنية الْإِقَامَة وأمثالها فالتفاوت فِيهِ بعد الْمُوَاظبَة على الْأُصُول الْمَشْهُورَة كالتفاوت فِي الْجَهْر بالتكراراو الْخَفْض بِهِ من غيرفرق وَكَيف وَقد نبه الشَّرْع على تمهيد عذر الْمُخطئ فِيهِ كَمَا تَوَاتر ذَلِك من صَاحب الشَّرْع هَذَا تَمام الْكَلَام على الْمُقدمَة الثَّانِيَة
وَأما الْمُقدمَة الثَّالِثَة وَهِي قَوْلهم إِذا ثَبت وجوب معرفَة الْحق فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يعرفهُ الانسان من نَفسه اَوْ من غَيره فَهَذِهِ مُقَدّمَة صَادِقَة لَا نزاع فِيهَا نعم المجادلة عَلَيْهَا بِمَا يفحم الباطنية ويمنعهم من اسْتِعْمَالهَا كَمَا ذكرنَا فِي الْمُقدمَة الاولى وَهِي جَارِيَة فِي كل مُقَدّمَة صَادِقَة
وَأما الْمُقدمَة الرَّابِعَة وَهِي قَوْلهم إِذا بطلت مَعْرفَته من نَفسه بطرِيق النّظر ثَبت وجوب التَّعَلُّم من غَيره فَهَذِهِ صَادِقَة على تَقْدِير بطلَان النّظر وَتَسْلِيم معرفَة الْحق وَلَكنَّا لَا نسلم بطلَان النّظر كَمَا سبق وكما سنذكر فِي إِفْسَاد شبههم المزخرفة لإبطال النّظر وَلَا نسلم وجوب معرفَة الْحق لِأَن من جملَته مَا بِنَا مندوحة عَنهُ والمحتاج اليه معرفَة الصَّانِع وَصدق الرَّسُول وَالنَّاس قد اعتقدوها سَمَاعا وتقليدا لابويهم وَفِي ذَلِك مَا يغنيهم فَلَا حَاجَة بهم إِلَى اسْتِئْنَاف تعلم من معلم مَعْصُوم فَإِن قنعوا بالتعليم من الْأَبَوَيْنِ فَنحْن نسلم حَاجَة الصّبيان فِي مبدأ النشوء الى ذَلِك وَلَا ننكره وَلَا مستروح لَهُم فِي هَذَا التَّسْلِيم وَمن هَذِه الْمُقدمَة قَوْلهم اذا ثبتَتْ الْحَاجة الى الْمعلم فَلْيَكُن الْمعلم مَعْصُوما وَهَذَا
[ ١٠٢ ]
متنازع فِيهِ فَإِن الْمعلم ان كَانَ يعلم وَيذكر مَعَه الدَّلِيل الْعقلِيّ وينبه على وَجه الدّلَالَة ليتأمل المتعلم فِيهِ بمبلغ عقله وَيجوز لَهُ الثِّقَة بِمُقْتَضى عقله بعد تَنْبِيه الْمعلم فَلْيَكُن الْمعلم لَو أفسق الخليقة فَلم يحْتَاج الى عصمته وَلَيْسَ يتلقف المتعلم مِنْهُ تَقْلِيد مَا يتلقفه بل هُوَ كالحساب لَا بُد من معرفَة الْحق فِيهِ لمصَالح الْمُعَامَلَات وَلَا يعرفهُ الانسان من نَفسه ويفتقر الى معلم وَلَا يحْتَاج الى عصمته لانه لَيْسَ علما تقليدا بل هُوَ برهاني وان زعمتم أَن المتعلم لَيْسَ يتَعَلَّم بالبرهان وَالدَّلِيل لِأَن ذَلِك يُدْرِكهُ بِنَظَر عقله وَلَا ثِقَة بعقله مَعَ ضعف عقول الْخلق وتفاوتها فَلذَلِك يحْتَاج الى مَعْصُوم فَهَذَا الْآن حَمَاقَة لانه إِمَّا ان يعرف عصمته ضَرُورَة اَوْ تقليدا وَلَا سَبِيل الى دَعْوَى شئ مِنْهُ فَلَا بُد ان يعرفهُ نظرا إِذْ لَا شخص فِي الْعَالم يعرف عصمته ضَرُورَة اَوْ يوثق بقوله مهما قَالَ أَنا مَعْصُوم وَإِذا لم يعرف عصمته كَيفَ يقلده وَإِذا لم يَثِق بنظره كَيفَ يعرف عصمته فان كَانَ الامر كَمَا ذكرتموه فقد وَقع النَّاس عَن تعلم الْحق وَصَارَ ذَلِك من المستحيلات فَإِذا قَالُوا لَا بُد من تعلم الْحق لَا بطرِيق النّظر كَانَ كمن يَقُول لَا بُد من الْجمع بَين الْبيَاض والسواد لانه ان تعلم من غَيره بتأمل دَلِيل الْمَسْأَلَة الَّتِي يتعلمها كَانَ نَاظرا مُقْتَحِمًا خطر الْخَطَأ وَإِن قَلّدهُ لكَونه مَعْصُوما كَانَ مدْركا عصمته بِالنّظرِ فِي دَلِيل الْعِصْمَة وان لم يعْتَقد الْعِصْمَة وَيعلم مِمَّن كَانَ فقد رَجَعَ الامر بِالآخِرَة الى مَا استبعدوه وَهُوَ التَّعَلُّم مِمَّن لم تعرف عصمته وَفِيهِمْ كَثْرَة واقوالهم متعارضة كَمَا ذَكرُوهُ وَهَذَا لَا مخلص عَنهُ أَبَد الدَّهْر
وَأما الْمُقدمَة الْخَامِسَة وَهِي قَوْلهم إِن الْعَالم لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يشْتَمل على ذَلِك الْمَعْصُوم الْمُضْطَر اليه اَوْ يَخْلُو عَنهُ وَلَا وَجه لتقدير خلو الْعَالم
[ ١٠٣ ]
عَنهُ فان ذَلِك يُؤَدِّي الى تَغْطِيَة الْحق وَذَلِكَ ظلم لَا يَلِيق بالحكمة فَهُوَ أَيْضا مُقَدّمَة فَاسِدَة لانا إِن سلمنَا سَائِر الْمُقدمَات وَسلمنَا ضَرُورَة الْخلق الى معلم مَعْصُوم فَنَقُول لَا يَسْتَحِيل خلو الْعَالم عَنهُ بل عندنَا يجوز خلو الْعَالم عَن النَّبِي أبدا بل يجوز لله ان يعذب جَمِيع خلقه وان يضطرهم الى النَّار فانه بِجَمِيعِ ذَلِك متصرف فِي ملكه بِحَسب إِرَادَته وَلَا معترض على الْمَالِك من حَيْثُ الْعقل فِي تَصَرُّفَاته وانما الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَالتَّصَرُّف فِي غير مَا يسْتَحقّهُ الْمُتَصَرف وَهَذَا لَا يتَصَوَّر من الله فَلَعَلَّ الْعَالم خَال عَنهُ على معنى ان الله لم يخلقه
فَإِن قيل مهما قدر الله على ارشاد الْخلق الى سَبِيل النجَاة ونيل السعادات بعثة الرُّسُل وَنصب الْأَئِمَّة وَلم يفعل ذَلِك كَانَ إضرارابالخلق مَعَ انْتِفَاء الْمَنْفَعَة عَن الله تَعَالَى فِي هَذَا الْإِضْرَار وَهُوَ فِي غَايَة الْقبْح المناقض لأوصاف الْكَمَال من حكمته وعدله وَلَا يَلِيق ذَلِك بِالصِّفَاتِ الإلهية قُلْنَا هَذَا الْكَلَام مختل وغطاء ينخدع بِهِ الْعَاميّ ويستحقره الغواص فِي الْعُلُوم وَقد انخدع بِهِ طوائف من الْمُعْتَزلَة واستقصاء وَجه الرَّد عَلَيْهِم فِي فن الْكَلَام وانا الْآن مقتصر على مِثَال وَاحِد يبين قطعا أَن الله تَعَالَى لَيْسَ يلْزمه فِي نعوت كَمَاله ان يرْعَى مصلحَة خلقه وَهُوَ أَنا نفرض ثَلَاثَة من الاطفال مَاتَ احدهم طفْلا وَبلغ احدهم مُسلما ثمَّ مَاتَ وَبلغ الآخر وَكفر ثمَّ مَاتَ فيجازي الله كل اُحْدُ بِمَا يسْتَحقّهُ فَيكون مُقيما للعدل فَينزل الَّذِي بلغ وَكفر فِي دركات لظى وَالَّذِي بلغ واسلم فِي دَرَجَات الْعلَا
[ ١٠٤ ]
وَالَّذِي مَاتَ طفْلا من غير اسلام ومقاساة عبَادَة بعد الْبلُوغ فِي دَرَجَة دون دَرَجَة الَّذِي بلغ واسلم فَيَقُول الَّذِي مَاتَ طفْلا يَا رب لم اخرتني عَن اخي الْمُسلم الَّذِي بلغ وَمَات وَلَا يَلِيق بكرمك الا الْعدْل وَقد منعتني من مزايا تِلْكَ الرُّتْبَة وَلَو انعمت عَليّ بهَا لانتفعت بهَا وَلم تَضُرك فَكيف يَلِيق بِالْعَدْلِ ذَلِك فَيَقُول لَهُ بزعم من يَدعِي الْحِكْمَة انه بلغ واسلم وتعب وقاسى شَدَائِد الْعِبَادَات فَكيف يَقْتَضِي الْعدْل التَّسْوِيَة بَيْنك وَبَينه فَيَقُول الطِّفْل يَا رب انت الَّذِي احييته وامتنى وَكَانَ يَنْبَغِي ان تمد حَياتِي وتبلغني الى رُتْبَة الِاسْتِقْلَال وتوفقني للآسلام كَمَا وفقته فَكَانَ التَّأْخِير عَنهُ فِي الْحَيَاة هُوَ الْميل عَن الْعدْل فَيَقُول لَهُ بزعم من يَدعِي الْحِكْمَة كَانَت مصلحتك فِي إماتتك فِي صباك فَإنَّك لَو بلغت لكفرت واستوجبت النَّار فَعِنْدَ ذَلِك يُنَادى الْكَافِر الَّذِي مَاتَ بعد بُلُوغه من دركات لظى فَيَقُول يَا رب قد عرفت مني أَنِّي إِذا بلغت كفرت فَهَلا امتني فِي صباي فَإِنِّي قَانِع بالدرجة النَّازِلَة الَّتِي انزلت فِيهَا الصَّبِي المتشوق الى دَرَجَات الْعلَا وَعند هَذَا لَا يبْقى لمن يَدعِي الْحِكْمَة فِي التَّسْوِيَة الا الاننقطاع عَن الْجَواب والاجتراء
وَبِهَذَا التَّفَاوُت يستبين أَن الْأَمر أجل مِمَّا يظنون فان صِفَات الربوبيه لَا توزن بموازين الظنون وان الله يفعل مَا يَشَاء وَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون
[ ١٠٥ ]
وَبِهَذَا يستبين انه لَا يجب بعث نَبِي وَلَا نصب امام فقد بَطل قَوْلهم انه لَا بُد أَن يشْتَمل الْعَالم عَلَيْهِ
وَأما الْمُقدمَة السَّادِسَة وَهِي قَوْلهم إِذا ثَبت ان الْمَعْصُوم مَوْجُود فِي الْعَالم فَلَا يَخْلُو إِمَّا ان يُصَرح بِالدَّعْوَى وَيَدعِي الْعِصْمَة اَوْ يخفيه وباطل اخفاؤه لِأَن ذَلِك وَاجِب عَلَيْهِ والكتمان مَعْصِيّة تنَاقض الْعِصْمَة فَلَا بُد أَن يُصَرح بهَا فَهَذِهِ مُقَدّمَة فَاسِدَة لانه لَا يبعد الا يُصَرح بِهِ لكَونه محفوفا بالأعداء مستششعرا فِي نَفسه خَائفًا على روحه فيخفي ذَلِك تقية وَذَلِكَ مِمَّا اتَّفقُوا على جَوَازه واليه ذهبت الإمامية باجمعهم وَزَعَمُوا ان الإِمَام حَيّ قَائِم مَوْجُود والعصمة حَاصِلَة لَهُ وَلكنه يتربص تصرم دولة الْبَاطِل وانقراض شَوْكَة الاعداء
وَإِنَّمَا هُوَ الْآن متحصن بجلباب الخفاء حارس نَفسه عَن الْهَلَاك لصيانة السِّرّ عَن الإفشاء الى ان يحضر أَوَانه وينقرض امام الْبَاطِل وزمانه فَمَا جَوَاب هَؤُلَاءِ الباطنية عَن مَذْهَب الإمامية وَمَا الَّذِي يمْنَع احْتِمَال ذَلِك فانهم ساعدوهم على جَمِيع مقدماتهم الا على هَذِه الْمُقدمَة وَذَلِكَ لما شاهدوا من اختلال حَال من وسمه هَؤُلَاءِ بالعصمة وتحققوا من الاسباب المناقضة للورع والصيانة فاستحيوا من دَعْوَى الْعِصْمَة لمن يشاهدون من احواله نقيضها فزعموا ان الْمَعْصُوم مختف وانا نَنْتَظِر ظُهُوره فِي اوانه
[ ١٠٦ ]
وَعند هَذَا نقُول بِمَ عرفت الباطنية بطلَان مَذْهَب الإمامية فِي هَذِه الْقَضِيَّة فان عرفوها ضَرُورَة فَكيف قَامَ الْخلاف فِي الضروريات وان عرفوها نظرا فَمَا الَّذِي اوجب صِحَة نظرهم دون نظر خصومهم وتزكية عُقُولهمْ دون عُقُولهمْ أيعرف ذَلِك بطول اللحى اَوْ ببياض الْوَجْه وهلم جرا الى عين المسلك الَّذِي نهجوه وَهَذَا لَا محيص عَنهُ بِحَال من الْأَحْوَال
وَأما الْمُقدمَة السَّابِعَة وَهِي قَوْلهم إِذا ثَبت ان الْمَعْصُوم لَا بُد أَن يُصَرح فَإِذا لم يكن فِي الْعَالم الا مُصَرح وَاحِد كَانَ هُوَ ذَلِك الْمَعْصُوم لانه لَا خصم لَهُ وَلَا ثَانِي لَهُ فِي الدَّعْوَى حَتَّى يعسر التَّمْيِيز فَهَذِهِ فَاسِدَة من وَجْهَيْن احدهما انهم بِمَاذَا عرفُوا انه لَا مدعي للعصمة وَلَا مُصَرح بهَا فِي اقطار الْعَالم سوى شخص وَاحِد فَلَعَلَّ فِي اقصى الصين اَوْ فِي أَطْرَاف الْمغرب من يَدعِي شَيْئا من ذَلِك وَانْتِفَاء ذَلِك مِمَّا لَا يعرف ضَرُورَة وَلَا نظرا فان قيل يعرف ذَلِك ضَرُورَة إِذْ لَو كَانَ لانتشر لَان مثل هَذَا تتوافر الدَّوَاعِي على نَقله قُلْنَا يحْتَمل انه كَانَ وَلم ينتشر الى بِلَادنَا مَعَ بعد الْمسَافَة لَان الْمُدَّعِي لَهُ لَيْسَ يتَمَكَّن من ذكره الا مَعَ سوسه وَصَاحب سره وَحَوله جمَاعَة من اعدائه فَيفزع من إِظْهَار السِّرّ وإفشائه وَيرى الْمصلحَة فِي اخفائه أَو هُوَ مفش لَهُ وَلَكِن المستمعين لَهُ ممنوعون عَن الانتشار فِي الْبِلَاد واخبار الْعباد بِهِ لانهم محاصرون من جِهَة الاعداء مضطرون الى مُلَازمَة الوطن خوفًا من نكاية المستولين عَلَيْهِم فَمَا الَّذِي يبطل هَذَا الِاحْتِمَال وَهُوَ امْر قدر قَرِيبا اَوْ بَعيدا فَهُوَ مُمكن لَيْسَ من قبيل المحالات وانتم تدعون الْقطع فِيمَا توردون فَكيف يصفو الْقطع مَعَ هَذَا الِاحْتِمَال
الْوَجْه الثَّانِي فِي إِفْسَاد هَذِه الْمُقدمَة هُوَ أَنكُمْ ظننتم أَنه لَا يدعى
[ ١٠٧ ]
الْعِصْمَة فِي الْعَالم سوى شخص وَاحِد وَهُوَ خطأ فَإنَّا بالتواتر نتسامع بمدعيين احدهما فِي جيلان فانها لَا تنفك قطّ عَن رجل يلقب نَفسه بناصر الْحق ويدعى لنَفسِهِ الْعِصْمَة وانه نَازل منزلَة الرَّسُول ويستعبد الحمقى من سكان ذَلِك الْقطر الى حد يقطعهم جَوَانِب الْجنَّة مُقَدرا بالمساحة ويضايق فِي بَعضهم الى حد لَا يَبِيع دراعا من الْجنَّة لَا بِمِائَة دِينَار وهم يحملون إِلَيْهِ ذخائر الْأَمْوَال ويشترون مِنْهُ مسَاكِن فِي الْجنَّة فَهَذَا اُحْدُ الدعاة فَبِمَ عَرَفْتُمْ انه مُبْطل وَإِذ قد تعدد الْمُدَّعِي وَلَا مُرَجّح إِذْ لَا معْجزَة فَلَا تظنوا ان الحماقة مَقْصُورَة عَلَيْكُم وان هَذِه الْكَلِمَة لَا ينْطق بهَا لِسَان غَيْركُمْ بل التَّعَجُّب من ظنكم ان هَذِه الحماقة مَقْصُورَة عَلَيْكُم فِي الْحَال اكثر من الْعجب فِي أصل هَذِه الحماقة
فَأَما الْمُدَّعِي الثَّانِي فَرجل فِي جزائر الْبَصْرَة يَدعِي الربوبيه وَقد شرع دِينَار ورتب قُرْآنًا وَنصب رجلا يُقَال لَهُ على بن كحلا وَزعم انه بِمَنْزِلَة مُحَمَّد ﷺ وانه رَسُوله الى الْخلق وَقد احدق بِهِ طَائِفَة من الحمقى زهاء عشرَة الاف نفس وَلَعَلَّه يزِيد عَددهمْ على عددكم وَهُوَ يدعى لنَفسِهِ الْعِصْمَة وَمَا فَوْقهَا فَمَا جوابكم عَن رجل من الشاباسية يَسُوق هَذِه الْمُقدمَات الى هَذِه الْمُقدمَة ثمَّ
[ ١٠٨ ]
يَقُول اذا لم يكن بُد من معلم مَعْصُوم وَلَا معْجزَة للمعصوم وانما يعرف بِالدَّعْوَى وَصَاحب الباطنية لَا يَدعِي الربوبيه كَيفَ وَصَاحب الشاباسية يَدعِي الربوبيه فأتباعه اولى فان قُلْتُمْ من يَدعِي الربوبيه يعرف بطلَان قَوْله ضَرُورَة فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه إِنَّمَا يدعى ذَلِك بطرِيق الْحُلُول وَيَزْعُم ان ذَلِك توارث فِي نسبهم وَقد اسْتمرّ ذَلِك فِي بَيتهمْ عصرا طَويلا وَالْمُدَّعِي الْآن كَانَ جده مُدعيًا لذَلِك
والحلول قد ذهب اليه طوائف كَثِيرَة فَلَيْسَ بطلَان مَذْهَب الحلولية ضَرُورِيًّا فَكيف يكون ضَرُورِيًّا وَفِيه من الْخلاف الْمَشْهُور مَا لَا يكَاد يخفى حَتَّى مَال الى ذَلِك طَائِفَة كَبِيرَة من محققي الصوفيه وَجَمَاعَة من الفلاسفة واليه اشار الْحُسَيْن بن مَنْصُور الحلاج الَّذِي صلب بِبَغْدَاد حَيْثُ كَانَ يَقُول أَنا الْحق أَنا احق وَكَانَ يقْرَأ فِي وَقت الصلب وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم واليه أَشَارَ أبوزيد البسطامي بقوله سبحاني سبحاني مَا أعظم شأني وَقد سَمِعت انا شَيخا من مَشَايِخ الصُّوفِيَّة تعقد عَلَيْهِ الخناصر ويشار اليه بالأصابع فِي متانة دين وغزارة علم حكى لي عَن شَيْخه المرموق فِي الدّين والورع انه قَالَ مَا تسمعه من أَسمَاء الله الْحسنى الَّتِي هِيَ تِسْعَة وَتسْعُونَ كلهَا يصير وَصفا للصوفي السالك بطريقه الى الله وَهُوَ
[ ١٠٩ ]
يعد من جملَة السائرين الى الله لَا من زمرة الواصلين وَكَيف يُنكر هَذَا وَعَلِيهِ مَذْهَب النَّصَارَى فِي اتِّحَاد اللاهوت بناسوت عِيسَى ﵇ حَتَّى سَمَّاهُ بَعضهم إِلَهًا وَبَعْضهمْ ابْن الْإِلَه وَبَعْضهمْ قَالُوا هُوَ نصف الْإِلَه وَاتَّفَقُوا على انه لما قتل انما قتل مِنْهُ الناسوت دون اللاهوت كَيفَ وَقد تخيل جمَاعَة من الروافض ذَلِك فِي عَليّ ﵁ وَزَعَمُوا أَنه الْإِلَه وَكَانَ ذَلِك فِي زَمَانه حَتَّى امْر باحراقهم بالنَّار فَلم يرجِعوا وَقَالُوا بِهَذَا يبين صدقنا فِي قَوْلنَا أَنه الْإِلَه لِأَن رَسُول الله صلى الله عيه وَسلم قَالَ لَا يعذب بالنَّار إِلَّا رَبهَا فَبِهَذَا يبين ان بطلَان هَذَا الْمَذْهَب لَيْسَ بضروري وَلكنه ضرب من الحماقة وَيعرف بُطْلَانه بِالنّظرِ الْعقلِيّ كَمَا يعرف بطلَان مَذْهَبهم فَإِذا قد بَطل قَوْلهم لَا مدعي للعصمة سوى صاحبنا بل قد ظهر من يَدعِي الْعِصْمَة وَزِيَادَة
الْوَجْه الثَّانِي فِي الْجَواب عَن قَوْلهم ان بطلَان مَذْهَبهم مَعْلُوم ضَرُورَة وَلَا فرق بَين مَا يعرف بُطْلَانه ضَرُورَة وَبَين مَا يعرف بُطْلَانه
[ ١١٠ ]
مُشَاهدَة اَوْ تواترا وَعدم الْعِصْمَة فِيمَن ادعيتم عصمته مَعْلُوم بمشاهدة مَا يُنَاقض الشَّرْع من وُجُوه اولها جمع الاموال واخذ الضرائب والمواصير واستئداء الخراجات الْبَاطِلَة وَهُوَ الامر الْمُتَوَاتر فِي جَمِيع الاقطار ثمَّ الترفه فِي الْعَيْش والإستكثار من أَسبَاب الزِّينَة والإسراف فِي وُجُوه التجمل وَاسْتِعْمَال الثِّيَاب الفاخرة من الإبريسم وَغَيرهَا وعدالة الشَّهَادَة فَتحرم بِعشر عشر ذَلِك فَكيف الْعِصْمَة فان انكروا هَذِه الاحوال انكروا مَا شَاهده خلق كثير من تِلْكَ الاقطار وتواتر على سانهم الى سَائِر الْأَمْصَار وَلذَلِك لَا ترى لَاحَدَّ من أهل تِلْكَ الْبِلَاد اغْتِرَارًا وانخداعا بِهَذِهِ التلبيسات لمشاهدتهم مَا يناقضها وَمن وُجُوه حيلهم أَنهم لَا يبثون الدعْوَة الا فِي بِلَاد نائية يحْتَاج المستجيب الى قطع مَسَافَة شاسعة لَو اعترضت لَهُ رِيبَة فِيهَا حَتَّى تَدْفَعهُ الْعَوَائِق عَن النهضه والرحلة فَإِنَّهُم لَو شاهدوا لانكشف لَهُم عوار تِلْكَ التلبيسات المزخرفة والحيل الملفقة
أما الْمُقدمَة الثَّانِيَة وَهِي قَوْلهم إِذا بَان ان الْمُدعى للعصمة مهما كَانَ وَاحِدًا وَقع الِاسْتِغْنَاء عَن الِاسْتِدْلَال على كَونه مَعْصُوما فصاحبنا اذا هُوَ الْمُدعى للعصمة وَحده فَإِذا هُوَ الإِمَام الْمَعْصُوم فَهَذِهِ مُقَدّمَة نكذبهم فِيهَا وَلَا نسلم ان صَاحبهمْ يدعى لنَفسِهِ الْعِصْمَة فانا لم نَسْمَعهُ البته وَلم يتواتر الينا من لِسَان من سَمعه مِنْهُ بل انما سمع ذَلِك من آحَاد دعاتهم وَلَيْسوا معصومين ولاهم بالغون حد التَّوَاتُر وَلَو انهم بلغُوا حد التَّوَاتُر فَلَا يحصل الْعلم بقَوْلهمْ وخبرهم لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا ان المشافهين لهَذِهِ الدعْوَة من جِهَة صَاحبهمْ قَلِيل فانه محتجب لَا يظْهر إِلَّا
[ ١١١ ]
للخواص ثمَّ لَا يشافه بِالْخِطَابِ الا خَواص الْخَواص ثمَّ لَا يفشي هَذِه الدعْوَة الا مَعَ خَاص من جملَة خَواص الْخَواص فَالَّذِينَ يسمعُونَ عَنهُ لَا يبلغون عدد التَّوَاتُر وان بلغُوا فكلهم إِن انتشروا لم يكن فِي بَلْدَة مِنْهُم الا وَاحِد وَأكْثر الْبِلَاد أَيْضا يَخْلُو عَن آحادهم
الْوَجْه الثَّانِي أَنهم وَإِن بلغُوا حد التَّوَاتُر فقد فقد شَرط التَّوَاتُر فِي خبرهم إِذْ شَرط ذَلِك الْخَبَر الا يتَعَلَّق بواقعة ينتشر التواطؤ فِيهَا من طَائِفَة كَبِيرَة لمصْلحَة جَامِعَة لَهُم كَمَا يتَعَلَّق بالسياسات فان اهل معسكر وَاحِد قد يجمعهُمْ غَرَض وَاحِد فيحدثون على التطابق بشئ وَاحِد وَلَا يُورث ذَلِك الْعلم وَرب وَاحِد اَوْ اثْنَيْنِ يخبر عَن امْر فَيعلم أَنه لَا يجمعهما غَرَض فَيحصل لَهُ الْعلم وَهَؤُلَاء الدعاة لَعَلَّهُم قد تواطئوا على هَذَا الاختراع ليتوصلوا بِهِ الى استتباع الْعَوام واستباحة اموالهم فيتوصلون بهَا الى أمالهم وعَلى الْجُمْلَة فَحسن الظَّن بِصَاحِبِهِمْ يَقْتَضِي تكذيبهم فَإِنَّهُم لَو حدثوا بذلك عَن مَرِيض فِي دَار المرضى لاعتقدنا كذبه الا ان يعْتَقد الْجُنُون فِي ذَلِك الْمَرِيض إِذْ لَا يَدعِي عَاقل الْعِصْمَة عَن الْمُحرمَات وَتَنَاول الْمَحْظُورَات مَعَ مُشَاهدَة اهل الْعلم تنَاوله لَهَا ومباشرته لَهَا فاقل آثَار الْعقل الْحيَاء عَن فضيحة الاجتراء وَمن تحلى بِغَيْر مَا هُوَ فِيهِ وَكَانَ ذَلِك جليا ظَاهرا لمن يتَأَمَّل فِيهِ اسْتدلَّ بِهِ على اختلال عقله فَإِذا لَيْسَ يبين لنا صدقهم فِي نسبتهم هَذِه الدعْوَة الى صَاحبهمْ وَهِي مقدمتهم الاخيرة
فَإِن قيل لَو أنكر النَّاس فِي أَطْرَاف الْعَالم فِي عصر رَسُول الله ﷺ صدق الدعاة من رَسُول الله وَقَالُوا لانصدقكم فِي قَوْلكُم إِن مُحَمَّدًا يَدعِي الرسَالَة بل لَا يظنّ بعقله ذَلِك مَاذَا كَانَ يُقَال لَهُم قُلْنَا بئس مَا شبهتم الْمَلَائِكَة بالحدادين إِذْ لامساواة فَإِنَّهُ صلى
[ ١١٢ ]
الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ظَاهرا بِنَفسِهِ وأشياعه مبرزا لِلْقِتَالِ مترددا فِي الأقطار مظْهرا للدعوة على مَلأ من النَّاس غير محتجب وَلَا متسستر ثمَّ كَانَ يظْهر المعجزات الخارقة للْعَادَة فانتشرت دَعوته لانتشار خُرُوجه ومقاتلته وانتتشار وجوده وَلَيْسَ الْآن فِي صَاحبكُم كَذَلِك نعم تَوَاتر وجوده وترشحه مَعَ آبَائِهِ للخلافة ودواعهم انهم اولى بهَا من غَيرهم اما دَعْوَاهُ وَدَعوى من سبق من آبَائِهِ الْعِصْمَة على الْمعاصِي وَعَن الْخَطَأ والزلل والسهو وَمَعْرِفَة الْحق فِي جَمِيع اسرار العقليات والشرعيات فَلم يظْهر ذَلِك لنا بل لم تظهر دَعْوَاهُ الْعلم اصلا بفن من الْفُنُون كالفقه اَوْ الْكَلَام اَوْ الفلسفة على الْوَجْه الَّذِي يَدعِيهِ آحَاد الْعلمَاء فِي الْبِلَاد فَكيف ظَهرت دَعْوَاهُ معرفَة اسرار النُّبُوَّة والاطلاع على عُلُوم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهَذَا مَا تواطأ على اختراعه توصلا الى اسْتِدْرَاج المستجيب وخداعه
هَذَا تَمام الرَّد عَلَيْهِم فيالمقدمات تَفْصِيلًا مَعَ أَن فِي الْمنْهَج الأول المنطوي على الرَّد عيهم جملَة كَافِيَة ومقنعا وَلم يبْق الا القَوْل فِي إِفْسَاد أدلتهم الْمَذْكُورَة لابطال النّظر ٢
أما الدّلَالَة الأولى وَهِي قَوْلهم من صدق عقله فقد كذبه اذ صدق عقل خصم ٢ هـ وخصمه يُصَرح بتكذيبه فَنَقُول هَذَا تخييل بَاطِل من وُجُوه الاول الْمُعَارضَة بمثال وَهُوَ أَنا نقُول نَحن صدقنا الْعُقُول فِي نظرياتها وانتم صدقتموها فِي ضرورياتها وخصومكم من السوفسطائية يكذبونكم فِيهَا فَإِن إقتضى ذَلِك لُزُوم الِاعْتِرَاف بكذب الْعُلُوم الضرورية لزمنا من خلافكم الِاعْتِرَاف بكذب الْعُلُوم النظرية فان الْعقل إِن صدق
[ ١١٣ ]
فِي الضروريات فَمَا بَال عقل السوفسطائية كذب وَمَا الْفرق بَين عقلكم وعقلهم أفتقولون ان ذَلِك مِنْهُم حَمَاقَة وَسُوء مزاج قُلْنَا وَكَذَلِكَ حالكم فِي انكار النظريات وَهُوَ كمن يُنكر الحسابيات من الْعُلُوم فانه لَا يشككنا فِي الْبَرَاهِين الحسابية وان كَانَ البليد لَا يفهم ومنكر النّظر اصلا يجحده وَلَكِن طريقنا مَعَه أَن نورد عَلَيْهِ الْمُقدمَات وَهِي ضَرُورِيَّة فَإِذا أدْركهَا اِدَّرَكَ النتيجة فَكَذَلِك خصمنا إِذا كذبنَا فِي مَسْأَلَة من الْمسَائِل كإنكار ثُبُوت وَاجِب الْوُجُود عرضنَا عَلَيْهِ مُقَدمَات الْقيَاس الدَّالَّة عَلَيْهِ وَقُلْنَا أتماري فِي قَوْلنَا لَا شكّ فِي أصل الْوُجُود اَوْ فِي قَوْلنَا ان كل مَوْجُود إِمَّا جَائِز واما وَاجِب ام فِي قَوْلنَا ان كَانَ وَاجِبا فقد ثَبت وَاجِب الْوُجُود ام فِي قَوْلنَا إِن كَانَ جَائِزا فَكل جَائِز مُسْتَند الى وَاجِب الْوُجُود فِي آخر الْأَمر لَا محَالة وَإِذا لم يُمكنهُ التشكك فِي الْمُقدمَات لم يُمكنهُ التشكك فِي النتيجة وانما يخْتَلف النَّاس فِيهَا لَان الْفطْرَة غير كَافِيَة فِي تَعْرِيف التَّرْتِيب لهَذِهِ الْمُقدمَات بل لَا بُد من تعلمهَا من الافاضل وَذَلِكَ الْفَاضِل لَا بُد ان يكون تعلم أَكْثَرهَا اَوْ إستأثر باستنباط بَعْضهَا وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِي الامر الى معلم مَعْصُوم هُوَ نَبِي موحى ايه من جِهَة الله تَعَالَى هَكَذَا تكون الْعُلُوم كلهَا فان زَعَمُوا أَنكُمْ اعترفتم بِالْحَاجةِ الى الْمعلم وَمن لم يعْتَرف فَهُوَ معاند للمشاهدة فالافتقار اليه معترف بِهِ وَلكنه كالافتقار اليه فِي علم الْحساب فانه لَا يحْتَاج فِيهِ الى مَعْصُوم اذ لَا تَقْلِيد فِيهِ وَلَكِن يحْتَاج الى حاسب يُنَبه على طَرِيق النّظر فَإِذا تننبه الْمعلم سَاوَى الْمعلم فِي الْعلم الضَّرُورِيّ الْمُسْتَفَاد من الْمُقدمَات بَعْضهَا على بعض وَلَا شكّ فِي أَن معلم الْحساب أَيْضا يعلم أَكثر مِمَّا يعلم وان اسْتَقل باستنباط تَرْتِيب الْبَعْض وَكَذَا القَوْل فِي معلم الْمعلم الى ان يَنْتَهِي مبدأ الْعلم الحسابي الى نَبِي من الانبياء مؤيد بِالْوَحْي والمعجزة وَلَكِن بعد إفَاضَة الله علم الْحساب فِيمَا بَين الْخلق اسْتغنى فِي تعلمه عَن معلم مَعْصُوم فَكَذَلِك الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة النظرية وَلَا فرق
[ ١١٤ ]
الِاعْتِرَاض الثَّانِي ان يُقَال لَهُم انكرتم من خصومكم تَصْدِيق الْعقل فِي نظره واخترتم تَكْذِيبه فبماذا تعرفُون الْحق وتميزون بَينه وَبَين الْبَاطِل أبضرورة الْعقل وَلَا سَبِيل الى دَعْوَاهَا اَوْ بنظره فتضطرون الى الرُّجُوع الى النّظر فقد صدقتموه إِذا بعد تَكْذِيبه فتناقض كلامكم فان قُلْتُمْ نَحن نَأْخُذهُ من الامام الْمَعْصُوم قُلْنَا وَبِمَ تعرفُون صدقه فان قُلْتُمْ لانه مَعْصُوم قُلْنَا وَبِمَ تعرفُون عصمته فان قُلْتُمْ بضرورة الْعقل لم يخف عَلَيْكُم خزيكم وعرفتم فِي الْبَاطِن من انفسكم خلاف مَا أظهرتم فان عصمَة رَسُول الله ﷺ مَعَ معجزته لم تعرف بضرورة الْعقل حَتَّى انكر رسَالَته طوائف بل انكر بعثة الرُّسُل جَمِيع البراهمة وانكر الاكثرون من الْمُسلمين عصمَة الانبياء وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَعصى آدم ربه فغوى﴾ إِلَى غير ذَلِك مِمَّا اشْتَمَل الْقُرْآن على حكايته من أَحْوَال الانبياء فاذا لم تعرف عصمَة صَاحب المعجزة ضَرُورَة فَكيف تعرف عصمَة صَاحبكُم ضَرُورَة فان قيل نَحن نعرفه بِالنّظرِ وَلَكِن النّظر تعلم مِنْهُ وَالنَّظَر يَنْقَسِم الى صَحِيح وفاسد وتمييز صَحِيحه على فاسده مُمْتَنع عَن كَافَّة الْخلق الا على الامام الْحق فَهَذَا الْمِيزَان الموضح للفرقان بَين الشبهه والبرهان فقد عرفنَا صِحَة النّظر الَّذِي استفدنا مِنْهُ فاطمأنت نفوسنا اليه بتزكيته وتعليمه قُلْنَا وَالنَّظَر الَّذِي علمكموه هَل افتقرتم فِي فهمه ألى تَأمل ام هُوَ مدرك على البديهة فان ادعيتم البديهة فَمَا أَشد جهلكم إِذْ يرجع حَاصله الى أَن معرفَة عصمته عرفت بالبديهة وَهُوَ كذب صَرِيح وان افتقرتم الى التَّأَمُّل فَذَلِك التَّأَمُّل يعرف بِالْعقلِ ام لَا وَلَا بُد أَن يُقَال إِنَّه بِالْعقلِ فَنَقُول وَالْعقل إِذا قضى عِنْد التَّأَمُّل بقضية فَهُوَ صَادِق ام لَا فان قَالُوا لَا فَلم صدقوه وان قَالُوا نعم هُوَ صَادِق فقد ابطلوا اصل مَذْهَبهم وَهُوَ قَوْلهم ان الْعُقُول لَا سَبِيل الى تصديقها فان قيل
[ ١١٥ ]
الإِمَام يعرف من بواطن أسرار الله امورا اذا ذكرهَا حصل للمتعلم عِنْد سماعهَا علم بديهي ضَرُورِيّ بِصَدقَة ويستغنى بِهِ عَن تدقيق النّظر والتأمل فَنَقُول وَرَسُول الله ﷺ هَل عرف ذَلِك ام لَا فان قُلْتُمْ لَا فقد فضلْتُمْ الْخَلِيفَة على الاصل وان قُلْتُمْ نعم فَلم اخفاها وهلا اظهرها وافشاها حَتَّى كَانَت الْعُقُول تضطر على البديهة الى ذكرهَا وَكَانَت تتسارع الى التَّصْدِيق لَهُ فِي دعاويه وَلم ترك طوائف الْخلق مضطربين فِي مغاصات الشّبَه متعثرين فِي أذيال الضلالات مجاهدين باموالهم وانفسهم فِي نصْرَة الخيالات الْبَاطِلَة كَيفَ وانتم إِذا تعلمتم من إمامكم ذَلِك وقدرتم على ذكره حَتَّى يعرف بالبديهة صدقه فَتلك الدقيقة لماذا اخفيت ولأي يَوْم أجلت وكتمان الدّين من أكبر الْكَبَائِر ثمَّ كَيفَ انقسم المستمعون فنون ضلالكم الى قَائِل مستمع وراد ومنخدع ومنتبهه وهلا اسلك الْكل فِي ربقة التَّصْدِيق والانقياد وعَلى الْجُمْلَة فدعوى مثل هَذَا الْكَلَام لَا تدل الا على الوقاحة وَقلة الْحيَاء والا فَنحْن بِالضَّرُورَةِ نعلم انكم على البديهة لم تدركوا صدق امامكم وعصمته وَلَكِنَّكُمْ رُبمَا تضطرون فِي تمشية التلبيس الى خلع جِلْبَاب الْحيَاء وَكَذَلِكَ يفعل الله بذوي الضلال والامراء فنعوذ بِاللَّه من سقطة الأغبياء فَمَا هَذِه الكذبة الصادرة مِنْكُم قولة تتقال اَوْ عَثْرَة تقال اَوْ خدعة يسْبق اليها الْجُهَّال فضلا عَن أفاضل الرِّجَال
الِاعْتِرَاض الثَّالِث وَهُوَ ان نقُول للمسترشد مثلا إِذا شكّ فِي صِحَة النّظر وَاسْتدلَّ بالإختلاف الْمُجْمل يَنْبَغِي ان تعين الْمَسْأَلَة الَّتِي تشك فِيهَا فان الْمسَائِل منقسمة الى مَا لَا يُمكن ان يعلم بِنَظَر الْعقل والى مَا يُمكن ان يعلم علما ظنيا والى مَا يعلم علما يقينيا وَلَا معنى لقبُول السُّؤَال
[ ١١٦ ]
الْمُجْمل بل لَا بُد من تعْيين الْمَسْأَلَة الَّتِي فِيهَا الاشكال حَتَّى يكْشف الغطاء عَنْهَا وينبه السَّائِل على ان الْمُخَالف فِيهَا جهل وَجه تَرْتِيب الْمُقدمَات المنتجة لَهُ وَنحن لَا ندعي الان الْمعرفَة الا فِي مسئلتين احداهما وجودالصانع الْوَاجِب الْوُجُود المستغني عَن الصَّانِع وَالْمُدبر وَالثَّانيَِة صدق الرَّسُول وَيَكْفِينَا فِي بَاقِي الْمسَائِل ان نتلقاها تقليدا من الرَّسُول ﷺ فَهَذَا الْقدر الَّذِي لَا بُد مِنْهُ فِي الدّين وَبَاقِي الْعُلُوم لَا يتَعَيَّن تحصليها بل الْخلق مستغنون عَنْهَا وان كَانَ ذَلِك مُمكنا كالعلوم الحسابية والطبية والنجومية والفلسفية وَهَاتَانِ المسألتان نعرفهما يَقِينا اما ثُبُوت وَاجِب الْوُجُود فبالمقدمات الَّتِي عرفناها واما صدق الرَّسُول فبمقدمات تماثلها وَمن احاط بهَا لم يشك فِيهَا وَعلم غلط الْمُخَالف مِنْهَا كَمَا يعلم غلط المحاسب فِي الْحساب وخصومنا أَيْضا مضطرون أى معرفَة هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ بِالنّظرِ والا فَقَوْل النَّبِي لَا يُغني فيهمَا فيكف يُغني فيهمَا قَول الْمَعْصُوم فَإِن قيل معرفَة صِفَات الله وَمَعْرِفَة الشَّرَائِع وَمَعْرِفَة الْحَشْر والنشر كل ذَلِك لَا بُد مِنْهُ فَمن ايْنَ يعرف قُلْنَا يتَعَلَّم من النَّبِي ﷺ الْمَعْصُوم الْمُؤَيد بالمعجزة ونصدقه فِيمَا يخبر عَنهُ كَمَا تقلدون انتم صَاحبكُم الَّذِي لَا عصمَة لَهُ وَلَا معْجزَة فان قيل وَبِمَ تفهمون كَلَامه قُلْنَا بِمَا نفهم بِهِ كلامكم هَذَا فِي اسئلتكم وتفهمون كلامنا فِي اجوبتنا وَهُوَ معرفَة اللُّغَة وموضوع الالفاظ كَمَا تفهمون انتم من الْمَعْصُوم عنْدكُمْ فان قيل فَفِي كَلَام الرَّسُول وَفِي الْقُرْآن المشكلات والمجملات كحروف أَوَائِل السُّور والمتشابه كأمر الْقِيَامَة فَمن يطلعكم على تَأْوِيله وَالْعقل لَا يدل عَلَيْهِ قُلْنَا للآلفاظ الشَّرْعِيَّة ثَلَاثَة اقسام أَلْفَاظ صَرِيحَة لَا يتَطَرَّق اليها الِاحْتِمَال فَلَا حَاجَة فِيهَا إِلَى معلم بل نفهمها كَمَا تفهمون أَنْتُم كَلَام الْمعلم الْمَعْصُوم إِذْ لَو إقتصر صَرِيح كَلَام الشَّارِع أى معلم ومؤول لاقتصر
[ ١١٧ ]
صَرِيح كَلَام الْمعلم الْمَعْصُوم ألى مؤول ومعلم آخر ولتسلسل الى غير نِهَايَة
الثَّانِي أَلْفَاظ مجملة ومتشابهة كحرووف اوائل السُّور فمعانيها لَا يُمكن ان تدْرك بِالْعقلِ إِذْ اللُّغَات تعرف بالاصطلاح وَلم يسْبق اصْطِلَاح من الْخلق على حُرُوف التهجي وان الر وحم عسق عبارَة عماذا فالمعصوم ايضا لايفهمه وانما يفهم ذَلِك من الله تَعَالَى اذا بَين المُرَاد بِهِ على لِسَان رَسُوله فيفهم ذَلِك سَمَاعا وَذَلِكَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن لم يذكرهُ الرَّسُول لانه لَا حَاجَة ألى مَعْرفَته وَلم يُكَلف الْخلق بِهِ فالمعصوم شريك فِي انه لَا يعرفهُ إِذْ لم يسمعهُ من الرَّسُول وان عرفه وَذكره فقد ذكر مَا بالخلق مندوحة عَن مَعْرفَته فانهم لن يكلفوه وان ذكره الرَّسُول فقد اشْترك فِي مَعْرفَته من بلغه الْخَبَر متواترا كَانَ اَوْ آحادا وَفِيه عَن ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة من الْمُفَسّرين نقل فَإِن كَانَ متواترا افاد علما وَإِلَّا افاد ظنا وَالظَّن فِيهِ كَاف بل لَا حَاجَة الى مَعْرفَته فانه لَا تَكْلِيف فِيهِ واما وَقت الْقِيَامَة فَلم يذكرهُ الله تَعَالَى وَلَا ذكره رسلوه ﵇ وانما يجب التَّصْدِيق بِأَصْل الْقِيَامَة وولا يجب معرفَة وَقتهَا بل مصلحَة الْخلق فِي إخفائها عَنْهُم وَلذَلِك طوى مِنْهُم فالمعصوم من أَيْن عرف ذَلِك الْكَلَام وَلم يذكرهُ الله وَلَا رَسُوله وَلَا مجَال لضَرُورَة الْعقل وَلَا لنظره فِي تعْيين الْوَقْت ثمَّ لنقدر انه عرف ذَلِك وَزعم انه ﷺ ذكره سرا مَعَ عَليّ بن ابي طَالب ﵁ وَذكره كل امام مَعَ سوسه فَأَي فَائِدَة لِلْخلقِ فِيهِ وَهُوَ سر لَا يجوز ان يذكر الا مَعَ الْأَئِمَّة فَإِن ذكره معصومكم وَأفْشى هَذَا السِّرّ الَّذِي امْر الله تَعَالَى بكتمانه إِذْ قَالَ تَعَالَى أكاد اخفيها كَانَ معاندا لله وَرَسُوله وان كَانَ لَا يفشيه فَكيف يتَعَلَّم مِنْهُ مَا لَا يجوز تَعْلِيمه فَدلَّ على ان الامور الْعَقْلِيَّة محتاجة الى التَّعْلِيم وَلَكِن الْمعلم ان كَانَ يُنَبه على طَرِيق النّظر فِيهِ فَلَا يشْتَرط عصمته وان كَانَ يُقَلّد من غير دَلِيل فَلَا بُد أَن تعرف بالمعجزة عصمته وَهُوَ النَّبِي وناهيك بِهِ معلما فَلَا حَاجَة الى غَيره
[ ١١٨ ]
الْقسم الثَّالِث الالفاظ الَّتِي لَيست مجملة وَلَا صَرِيحَة وَلكنهَا ظَاهِرَة فانها تثير ظنا ويكتفى بِالظَّنِّ فِي ذَلِك الْقَبِيل والفن وَسَوَاء كَانَ ذَلِك فِي الفقهيات وَأُمُور الْآخِرَة أَو صِفَات الله فَلَيْسَ يجب على الْخلق إِلَّا أَن يعتقدوا التَّوْحِيد والألفاظ فِيهِ صَرِيحَة وَأَن يعتقدوا أَنه قَادر عليم سميع بَصِير لَيْسَ كمثله شَيْء وكل ذَلِك اشْتَمَل الْقُرْآن عَلَيْهِ وَهُوَ مُصَرح بِهِ أما النّظر فِي كَيْفيَّة هَذِه الصِّفَات وحقيقتها وَأَنَّهَا تَسَاوِي قدرتنا وَعلمنَا وبصرنا أم لَا فَقَوله لَيْسَ كمثله شَيْء دَال على نفي الْمُمَاثلَة لسَائِر الموجودات وَهَذَا قد اكْتفى من الْخلق بِهِ فَلَا حَاجَة بهم إِلَى مَعْصُوم نعم النَّاظر فِيهِ والمستدل عَلَيْهِ بالأدلة الْعَقْلِيَّة قد يتَوَصَّل إِلَى الْيَقِين فِي بعض مَا ينظر فِيهِ وَإِلَى الظَّن فِي بعضه وَيخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف الذكاء والفطنة وَاخْتِلَاف الْعَوَائِق والبواعث ومساعدة التَّوْفِيق فِي النّظر والعارف يَذُوق الْيَقِين وَإِذا تَيَقّن لم يتمار فِيهِ وَلم يشككه قُصُور غَيره عَن الدَّرك وَرُبمَا تضعف نَفسه ويشككه خلاف غَيره ز كل ذَلِك لَا مضرَّة لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَأْمُورا بِهِ والمعصوم لَا يغنى عَنهُ شَيْئا لَو تَابعه فَإِن مَحْض التَّقْلِيد لَا يَكْفِيهِ وَإِن ذكر وَجه الدَّلِيل فَذَلِك لَا يخْتَلف صدوره عَن مَعْصُوم أَو غَيره كَمَا سبق وَأما الدّلَالَة الثَّانِيَة وَهِي قو لَهُم إِذا جَاءَكُم مسترشد متحير وسألكم عَن الْعُلُوم الدِّينِيَّة أفتحيلونه على عقله ليستقل بِالنّظرِ وَهُوَ عَاجز
[ ١١٩ ]
أَو تأمرونه باتباعكم فِي مذهبكم وينازعكم المعتزلى والفلسفي وَكَذَا سَائِر الْفرق فبماذا يتَمَيَّز مَذْهَب عَن مَذْهَب وَفرْقَة عَن فرقة فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن الأول هُوَ أَنا نقُول لَهُم لَو جَاءَكُم متحير فِي أصل وجود الصَّانِع وَصدق الْأَنْبِيَاء انْقَلب عَلَيْكُم هَذَا الْإِشْكَال فَمَاذَا تَقولُونَ إِن ذكرْتُمْ دَلِيلا عقليا لم نثق بنظره وَإِن رددتموه إِلَى عقله فكمثل فعساكم تشفون غليله بالحوالة على الْمَعْصُوم فَمَا أبرد هَذَا الشِّفَاء فَإِنَّهُ يَقُول قدروني قد جِئْت مسترشدا فِي زمَان مُحَمَّد بن عبد الله وَمَعَهُ معجزته فمعصومكم لَا يقدر على معْجزَة أَو قدرُوا إِنِّي شاهدت معصومكم قلب الْعَصَا ثعبانا أَو أَحْيَا الْمَوْتَى أَو أَبْرَأ الأكمة والأبرص وَأَنا أشاهده فَلَا يبين لي صدقه بضرورة الْعقل وَلَا أَثِق بِالنّظرِ وَكم من أَصْنَاف الْخَلَائق شاهدوا ذَلِك وأنكروه فَحَمله بَعضهم على السحر والمخرقة وَبَعْضهمْ على غَيره فلعلكم تشبعون غصته بَان تَقولُوا لَهُ قلد الامام الْمَعْصُوم وَلَا تسْأَل عَن السَّبَب فَيَقُول وَلم لَا اقلد الْمُخَالفين لكم فِي إِنْكَار النُّبُوَّة والعصمة وَهل بَينهمَا فرق من طول لحية اَوْ بَيَاض وَجه الى غير ذَلِك مِمَّا هذوا بِهِ وَهَذَا قلب لَو اجْتمع اولهم مَعَ آخِرهم على الْخَلَاص مِنْهُ دون الامر بالتفكر وَالنَّظَر فِي الدَّلِيل لم يَجدوا اليه سَبِيلا
الْجَواب الثَّانِي وَهُوَ التَّحْقِيق هُوَ أَنا نقُول للمسترشد مَاذَا تطلب فَإِن كنت تطلب الْعُلُوم كلهَا فَمَا اشد فضولك واعظم خَطبك وأطول أملك فاشتغل من الْعُلُوم مَا يهمك وان قَالَ اريد مَا يهمني قُلْنَا وَلَا مُهِمّ الا معرفَة الله وَرَسُوله وَهَذَا معنى قَوْله لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فهاتان مَسْأَلَتَانِ يسهل علينا تعليمك اياهما وَعند ذَلِك
[ ١٢٠ ]
ذكر لَهُ الْمُقدمَات الضرورية الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي إِثْبَات وَاجِب الْوُجُود ثمَّ مثلهَا فِي دلَالَة المعجزة على صدق الرَّسُول فَإِن زعم أَن خلاف الْمُخَالفين هُوَ الَّذِي يشككني فِي هَذِه الْمعرفَة أفأتبعكم أَو أتبع مخالفيكم فَنَقُول لَهُ لَا تتبعنا وَلَا تتبع مخالفينا فان تعلم طَرِيق التَّقْلِيد مُبَاح والتقليد فِي النتيجة غير موثوق بِهِ فشكك فِي أَي مُقَدّمَة من مقدماتنا أَفِي قَوْلنَا إِن أصل الْوُجُود معترف بِهِ فان كَانَ كَذَلِك فعلاجك فِي دَار المرضى فَإِن هَذَا من سوء المزاج فان من شكّ فِي أصل الْوُجُود فقد شكّ اولا فِي وجود نَفسه وَإِن قلت لَا أَشك فِي هَذَا بِخِلَاف السوفسطائية قُلْنَا فقد تيقنت مُقَدّمَة وَاحِدَة فَهَل تشك فِي الثَّانِيَة وَهِي قَوْلنَا ان كَانَ هَذَا الْوُجُود وَاجِبا فقد ثَبت وَاجِب الْوُجُود فَنَقُول هَذَا ايضا ضَرُورِيّ قُلْنَا فَهَل تشك فِي قَوْلنَا إِن كَانَ جَائِزا فَلَا يتخصص أحد طرفِي الْجَوَاز من الطّرف المماثل لَهُ إِلَّا بمخصص فَهَذِهِ أَيْضا مُقَدّمَة ضَرُورِيَّة عِنْد من يدْرك معنى اللَّفْظ وَإِن كَانَ فِيهِ توقف فالتوقف فِي دَرك مُرَاد الْمُتَكَلّم من لَفظه فان قَالَ نعم لَا شكّ فِيهِ قُلْنَا فَذَلِك الْمُخَصّص المفتقر اليه إِن كَانَ جَائِزا فَالْقَوْل فِي ذَلِك لَا كالقول فِيهِ فيفتقر الى مُخَصص غير جَائِز وَهُوَ المُرَاد بِوَاجِب الْوُجُود ففيماذا تتشكك فَإِن قَالَ قد بَقِي لي شكّ عرف بِهِ بلادته وَسُوء فهمه وَقطع الطمع عَن رشده وَلَيْسَ هَذَا بِأول بليد لَا يدْرك الْحَقَائِق فنخليه وَهُوَ كمن يطْلب علم الْحساب فَذَكرنَا لَهُ الغوامض من مُقَدمَات الْحساب من الشكل (القطاع)
[ ١٢١ ]
الَّذِي هُوَ فِي آخر كتاب إقليدس فَلم يفهمهُ لبلادته بل فِي الشكل الأول الَّذِي مضمونه إِقَامَة الْبَرَاهِين على مثلث متساوي الأضلاع فَلم يُدْرِكهُ عرفنَا ان مزاجه لَيْسَ يحْتَمل هَذَا الْعلم الدَّقِيق فَلَيْسَ كل خلقه يحْتَمل الْعُلُوم بل الصناعات والحرف فَهَذَا لَا يدل على فَسَاد هَذَا الأَصْل فَإِن قَالَ المسترشد لست أَشك فِي هَذِه الْمُقدمَات وَلَا فِي النتيجة وَلَكِن لم يخالفكم من يخالفكم قُلْنَا لجهله تَرْتِيب هَذِه الْمُقدمَات اَوْ لعناده أولبلادته وينكشف الغطاء بِأَن نشافه وَاحِدًا مِنْهُم يمِيل إِلَى الْإِنْصَاف ونراجعه فِي هَذِه الْمُقدمَات حَتَّى يتَبَيَّن لَك أَنه بَين أَن يفهم ويصف ويعترف اَوْ لَا يفهم لبلادته أَو يمنعهُ التعصب والتقليد عَن حسن الإصغاء إِلَيْهِ فَلَا يُدْرِكهُ وَعند ذَلِك يطلع على خطئه وَكَذَلِكَ يصنع بِهِ فِي كل مَسْأَلَة وَينظر فِيهِ إِلَى مَا تحتمله حَاله ويقبله ذكاؤه وفطنته وَلَا يحملهُ مَالا يطيقه بل رُبمَا يقنعه بِمَا يُورث لَهُ إعتقادا فِي الْحق مصمما فَإِن أَكثر عوام الْخلق قنع مِنْهُم الشَّرْع بذلك وَلَا يكْشف لَهُ عَن وَجه الْبَرَاهِين فَرُبمَا لَا يفهمها
وَأما الدّلَالَة الثَّالِثَة وَهِي قَوْلهم الْوحدَة دَلِيل الْحق وَالْكَثْرَة دَلِيل الْبَاطِل وَمذهب التَّعْلِيم تلْزمهُ الْوحدَة ومذهبكم تلْزمهُ الْكَثْرَة إِذْ لَا تزَال الْفرْقَة الْمُخَالفَة للتعليم يكثر اخْتلَافهمْ وَلَا تزَال الْفرْقَة الْقَابِلَة للتعليم يتحد طريقهم
فَالْجَوَاب من وُجُوه أَحدهَا المعارضه والاخر الْإِبْطَال وَالثَّالِث التَّحْقِيق أما الْمُعَارضَة فَتَقول والصائرون إِلَى الافتقار إِلَى معلم مَعْصُوم اخْتلفُوا فِي ذَلِك الْمَعْصُوم فَقَالَت الإمامية إِنَّه لَيْسَ بِظَاهِر وَلَيْسَ يعرف عينه وَلَكِن أخْفى نَفسه تقية وَقَالَ آخَرُونَ لَيْسَ مَوْجُودا وَلكنه منتظر الْوُجُود وسيوجد إِذا احْتمل الزَّمَان إِظْهَار الْحق وَلَو
[ ١٢٢ ]
كَانَ يحْتَمل الزَّمَان إِظْهَاره لوجد فانه لَا فَائِدَة فِي كَونه مَوْجُودا مَعَ تعذر الْإِظْهَار للتقية وَقَالَ آخَرُونَ فِي بعض الْخُلَفَاء الَّذين مضوا لسبيلهم إِنَّهُم أَحيَاء وسيظهرون فِي أَوَانه وَاخْتلفُوا فِي تَعْيِينه حَتَّى اعْتقد فريق ان الملقب بالحاكم هُوَ حَيّ بعد وَقَالَ آخَرُونَ ذَلِك فِي غَيره الى نوع من الْخبط طَوِيل فان قيل هَؤُلَاءِ جمَاعَة من الحمقى غير معدودين فِي زمرتنا فَإِذا ضممتموهم الينا وجمعتم بَيْننَا وَبينهمْ تطرقت الْكَثْرَة الينا فَلم تجمعون الينا من يخالفنا كَمَا يخالفكم بل الْإِنْصَاف أَن تنظروا الينا وحدنا وَنحن لَا تخْتَلف كلمتنا اصلا قُلْنَا وَنحن أَيْضا إِذا إعتبرنا وحدنا فَنحْن لَا نخالف انفسنا وَقد يرد هَذَا الِاعْتِرَاض لَا محَالة من يعْتَقد مذهبا فِي جَمِيع الْمسَائِل لَا يُخَالف نَفسه وَمَعَهُ جمَاعَة من الْخلق يوافقونه فِي معتقده فِي الْجَمِيع فَإِذا اعتبرتموه مَعَ فرقته وَلم تجمعُوا اليهم من يخالفهم فبالحماقة والبلادة وقصور النّظر ألفيت كلمتهم متحده فَلَا يدل على أَن الْحق فيهم فَإِن قُلْتُمْ وَبِمَ عَرَفْتُمْ حَمَاقَة مخالفيكم انْقَلب ذَلِك عَلَيْكُم من مخالفتكم الْقَائِلين بِوُجُوب التَّعْلِيم من الْمَعْصُوم وَإِن زعمتم ان الْقَائِلين بِأَن النّظر صَحِيح فرقة وَاحِدَة وَإِن اخْتلفُوا فِي تفاصيل الْمَذْهَب قُلْنَا والقائلون بِأَن الامام الْمَعْصُوم لَا بُد مِنْهُ فرقة وَاحِدَة وَإِن اخْتلفُوا فِي التَّفْصِيل هَذَا وَلَا محيص عَنهُ أَبَد الدَّهْر الْجَواب الثَّانِي وَهُوَ أَنا نقُول قَوْلكُم الْوحدَة أَمارَة الْحق وَالْكَثْرَة أَمارَة الْبَاطِل بَاطِل فِي الطَّرفَيْنِ فَرب وَاحِد بَاطِل وَرب كثير
[ ١٢٣ ]
لَا يَنْفَكّ عَن الْحق فإناإذا قُلْنَا الْعَالم حَادث أَو قديم فالحادث وَاحِد وَالْقَدِيم وَاحِد فقد اشْتَركَا فِي لُزُوم الْوحدَة وانقسما فِي الْحق وَالْبَاطِل وَإِذا قُلْنَا الْخَمْسَة والخمسة عشرَة ام لَا فقولنا لَا نفي وَاحِد كَقَوْلِنَا عشرَة إِثْبَات وَاحِد ثمَّ اخْتلفَا فَكَانَ احدهما حَقًا وَالْآخر بَاطِلا فَإِن قُلْتُمْ إِن قَوْلكُم عشرَة لَا يمكنكم ان تقسم وتفصل الا بِوَاحِد وقولكم لَا يفصل بالتسعة والسبعة وَسَائِر الاعداد فَفِيهِ الْكَثْرَة قُلْنَا وَلُزُوم الْكَثْرَة فِي مثل هَذَا التَّفْصِيل لَا يدل على الْبطلَان فَإنَّا إِذا عمدنا الى جسمين متقاربين قُلْنَا إنَّهُمَا متساويان ام لَا فقولنا متساويان وَاحِد وَهُوَ بَاطِل وَلَا يُمكن ان يفصل الا بِوَاحِد وَقَوْلنَا لَا إِذْ قُلْنَا متفاوتان حق وَهُوَ وَاحِد وَيقبل التَّفْصِيل بِمَا يَنْقَسِم الى الْحق وَالْبَاطِل إِذْ يُقَال هَذَا الْجِسْم مفاوت لذَلِك الْجِسْم أَي هُوَ أكبر اَوْ يُفَسر بِأَنَّهُ أَصْغَر وَالْحق أَحدهمَا وَالْبَاطِل يُقَابله فِي كَونه وَاحِدًا وَفِي مشاركته فِي الاندراج تَحت لفظ وَاحِد هُوَ حق يدل على أَن مَا ذَكرُوهُ تلبيس
الْجَواب الثَّالِث عَن قَوْلهم إِن الْكَثْرَة أَمارَة الْبَاطِل فمذهبنا وَاحِد لَا كَثْرَة فِيهِ وانما الْكَثْرَة فِي الاشخاص الَّذين اجْتَمعُوا على مَسْأَلَة ثمَّ افْتَرَقُوا فِي مسَائِل فَلم قابلوا هَذَا بِكَثْرَة فِي جَوَاب الْمَسْأَلَة وَهُوَ فِي قَوْلنَا كم الْخَمْسَة والخمسة بل ورأيه فِي الْمَذْهَب أَن يُفْتِي فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة بفتاوي كَثِيرَة متناقضة فَعِنْدَ ذَلِك يُقَال الْكَثْرَة دَلِيل الْبَاطِل ولسنا نفتي فِي كل مَسْأَلَة الا بِوَاحِد فَإنَّا نقُول الله وَاحِد وَمُحَمّد ﷺ رَسُوله وَهُوَ صَادِق ومؤيد بالمعجزة فَهَذِهِ فَتْوَى وَاحِدَة فلتكن حَقًا وان كَانَ بَاطِلا فَهُوَ مُوَافق لمذهبهم وَقَوْلنَا ان نظر الْعقل طَرِيق يُوصل الى دَرك مَا لَا يدْرك اضطرارا مَذْهَب وَاحِد لَا كَثْرَة فِيهِ فَلْيَكُن حَقًا كَمَا أَن قَوْلنَا الْعُلُوم الحسابية عُلُوم صَادِقَة قَول وَاحِد وَكَانَ حَقًا وليتعجب من ابعادهم فِي التلبيس إِذْ أخذُوا لَفْظَة الْكَثْرَة وَهِي لَفْظَة
[ ١٢٤ ]
مُضَافَة مُشْتَركَة تَارَة يُرَاد بهَا الْكَثْرَة فِي الْأَجْوِبَة عَن مَسْأَلَة وَاحِدَة كالجواب عَن الْخَمْسَة والخمسة والسبعة والستة وَغَيرهَا وَتارَة تطلق وَيُرَاد كَثْرَة الْأَشْخَاص المتفقين فِي مَذْهَب والمختلفين فِيهِ فَرَأَوْا مُفَارقَة الْبَاطِل للكثرة المضافة الى عدد الاجوبة فِي مَسْأَلَة واجدة فاستدلوا بِهِ على بطلَان قَول وَاحِد فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة اجْتمع عَلَيْهَا جمَاعَة كَثِيرَة اخْتلفت كلمتهم فِي مسَائِل سوى تِلْكَ المشكلة لَكِن هَذَا وان كَانَ تلبيسا بَعيدا عَن المحصل فمقصود وَاضعه التلبيس على الْعَوام وَذَلِكَ مِمَّا يتَوَقَّع رواجه فَالْحِيلَةُ على الْعَوام فِي استدراجهم لَيست ممتنعة على جمَاعَة من الحمقى قد ادعوا الربوبيه فَكيف تتعسر عَن غَيرهَا واما قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فَهُوَ من هَذَا الطّراز فِي التلبيس فَإِن المُرَاد بِهِ تنَاقض الْكَلِمَات فِي الْمُتَكَلّم الْوَاحِد إِذا تنَاقض كَلَامه فسد وَنحن لم يتناقض كَلَام الْوَاحِد منا فِي مَسْأَلَة بل اجْتمع طَائِفَة على مَسْأَلَة وَهِي اثبات النّظر كَمَا اجْتمع طَائِفَة على التَّعْلِيم واثباته ثمَّ اخْتلفُوا فِي مسَائِل اخرى فَأَيْنَ هَذَا من اخْتِلَاف الْكَلَام الْوَاحِد
فَإِن قيل المتعلمون إِذا اجْمَعُوا على التَّعْلِيم وعَلى معلم وَاحِد وأصغوا بأجمعهم إِلَيْهِ لم يكن بَينهم خلاف وَإِن كَانُوا ألف ألف قُلْنَا والناظرون إِن اجْمَعُوا على النّظر فِي الدَّلِيل وعَلى تعْيين دَلِيل وَاحِد فِي كل مَسْأَلَة ووقفوا عَلَيْهَا لم يتَصَوَّر بَينهم خلاف فَإِن قُلْتُمْ فكم من نَاظر فِي ذَلِك الدَّلِيل بِعَيْنِه قد خَالف قُلْنَا وَكم من مصغ الى معلمكم وَقد خَالف فان قُلْتُمْ لانه لم يصدقهُ فِي كَونه مَعْصُوما قُلْنَا وَلِأَن النَّاظر لم يعرف هَذَا وَجه دلَالَة الدَّلِيل فان قُلْتُمْ رُبمَا يعرف وَجه الدّلَالَة ثمَّ يُنكر قُلْنَا هَذَا لَا يتَصَوَّر إِلَّا عنادا كَمَا يعْتَقد وَاحِد كَون الامام الْمَعْصُوم حَقًا ثمَّ يُخَالِفهُ فَلَا يكون ذَلِك الا عَن عناد وَلَا فرق بَين المسلكين
وَأما الدّلَالَة الرابعه وَهِي قَوْلهم ان كَانَ لَا يدْرك النَّاظر المساواه
[ ١٢٥ ]
بَينه وَبَين خَصمه فِي الِاعْتِقَاد فَلم يدْرك المساواه بَين حالتيه وَكم من مَسْأَلَة اعتقدها نظرا ثمَّ تغير اعْتِقَاده فيمَ يعرف ان الثَّانِي لَيْسَ كَالْأولِ قُلْنَا يعرف ذَلِك معرفَة ضَرُورِيَّة لايتمارى فِيهَا وَهَذَا معتقدكم أَيْضا فِي مثالين وَلَا كَلَام أقوى من الْقلب والمعارضه فِي مثل هَذِه المقالات فان عَادَتهم مد يَد الِاعْتِصَام الى إشكالات لَا تخْتَص بِمذهب فريق فيحيرون عقول الْعَوام بِهِ ويخيلون انه من خَاصَّة مَذْهَب مخالفيهم والعامي الْمِسْكِين مَتى ينتبه لانقلاب ذَلِك عَلَيْهِ فِي مذْهبه فَنَقُول هَذَا الْقَائِل اعْتقد مَذْهَب التَّعْلِيم وَإِبْطَال النّظر تتقليدا سَمَاعا من أَبَوَيْهِ اَوْ سمع من الْأَبَوَيْنِ مذهبا ثمَّ تنبه بعد ذَلِك لبطلانه فَإِن قَالَ اعتقدته سَمَاعا من الْأَبَوَيْنِ قُلْنَا وَأَوْلَاد النَّصَارَى وَالْيَهُود الْمَجُوس وَأَوْلَاد مخالفيكم فِي مَسْأَلَة النّظر وَقع نشوؤهم على خلاف معتقدكم فبماذا تفرقون بِهِ بَين انفسكم وَبينهمْ أبطول اللحى اَوْ سَواد الْوُجُوه أم بِسَبَب غَيره والتقليد شَامِل وَإِن قُلْتُمْ لَا بل اعتقدنا مذهبكم ثمَّ تركنَا التَّقْلِيد وتنبهنا لصِحَّة مَذْهَب التَّعْلِيم قُلْنَا تنبهتم لبُطْلَان مَذْهَبنَا على البديهة اَوْ بِنَظَر الْعقل فَإِن كَانَ على البديهة فَكيف خَفِي عَلَيْكُم البديهي فِي اول امركم وعَلى أبائكم وعلينا وَنحن الْعُقَلَاء وَقد طبقنا وَجه الارض ذَات الطول وَالْعرض وان عَرَفْتُمْ ذَلِك بنظركم فَلم وثقتم بِالنّظرِ وَلَعَلَّ حالكم اللاحقة كالحال السَّابِقَة
فَمَا الْفَارِق فَإِن قُلْتُمْ عرفنَا من الْمعلم قُلْنَا إِن كَانَ تقليدا فَمَا الْفرق بَين التَّقْلِيد للأخير والتقليد للْأولِ وَبَين تقليدكم وتقليد طوائف الْمُخَالفين من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالْمُسْلِمين وان فهمتم بِالنّظرِ فَمَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين سَائِر النظار وَهَذَا مِمَّا لَا جَوَاب عَنهُ إِلَّا أَن يُقَال بِالضَّرُورَةِ ندرك التَّفْرِقَة بَين ماعلم يَقِينا لَا يُمكن فِيهِ الْخَطَأ وَبَين مَا يُمكن فَهَكَذَا جَوَابنَا
الْمِثَال الثَّانِي إِن من غلط فِي مَسْأَلَة حسابية ثمَّ تنبه لَهَا هَل يتَصَوَّر ان يَزُول شكه بعد التَّنْبِيه نجيب يعلم انه لَيْسَ مخطئا وَأَن الْخَطَأ غير جَائِز
[ ١٢٦ ]
عَلَيْهِ وانما كَانَ الْخَطَأ فِيمَا تقدم لمقدمة شذت عَنهُ فَإِن قُلْتُمْ لَا فقد أنكرتم الْمُشَاهدَة وَإِن قُلْتُمْ نعم فبماذا تدْرك التَّفْرِقَة إِلَّا بِالضَّرُورَةِ وَقد انْقَلب الْإِشْكَال بِعَيْنِه وَكَيف تنكر ذَلِك وَقد رَأَيْت من يَدعِي الذكاء والفطنه فِي علم الْحساب حكم بِأَن التَّيَامُن فِي الْقبْلَة وَاجِب بِبَلَد نيسابور وَأَنه لَا بُد من الْميل عَن مِحْرَابهَا الْمُتَّفق عَلَيْهِ الى الْيَمين وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بمقدمة مسلمة وَهِي ان الشَّمْس تقف وسط السَّمَاء على سمت الرَّأْس بِمَكَّة فِي اطول النَّهَار وَقت الزَّوَال ثمَّ قَالَ ترى الشَّمْس فِي اطول النَّهَار وَقت الزَّوَال بنيسابور مائلة قَلِيلا الى يَمِين الْمُسْتَقْبل فِي محاربها فَيعلم انه على سمت رَأس الْوَاقِف بِمَكَّة وان مَكَّة مائلة الى الْيَمين فتابعه على ذَلِك جمَاعَة من الْحساب واعتقدوا ان ذَلِك هُوَ الْوَاجِب بِحكم هَذَا الدَّلِيل حَتَّى تنبهوا على مَحل الْغَلَط فِيهِ وإحلالهم بمقدمة اخرى وَهِي أَن ذَلِك انما يلْزمه لَو كَانَ وَقت الزَّوَال بنيسابور هُوَ وَقت الزَّوَال بِمَكَّة وَلَيْسَ كَذَلِك بل يَقع بعد سَاعَة وَتَكون الشَّمْس قد أخذت الى صوب الْمغرب فِي جَانب الْيمن عرضا فَيرى وَقت الزَّوَال مائلا عَن قبْلَة نيسابور لانه لَيْسَ وَقت الزَّوَال والغروب فِي جَمِيع الْمَوَاضِع مُتَّفقا وَيعرف ذَلِك باخْتلَاف ارْتِفَاع القطبين وانخفاضهما بل باستتارهما وانكشافهما فِي الْبِقَاع الْمُخْتَلفَة فَهَذَا الْغَلَط وامثاله فِي الْحساب أفيدل ذَلِك على أَن النّظر فِي الْحساب لَيْسَ طَرِيقا موصلا الى معرفَة الْحق أَو يتشكك المتنبه بعْدهَا فَيَقُول لَعَلَّه شذت
[ ١٢٧ ]
عني مُقَدّمَة أُخْرَى وَأَنا غافل عَنْهَا كَمَا فِي الأول هَذَا لَو فتح بَابه فَهُوَ السفسطة الْمَحْضَة وندعو ذَلِك ألى بطلَان الْعُلُوم والاعتقادات كلهَا فَكيف يبْقى مَعَه وجوب التَّعَلُّم وَمَعْرِفَة الْعِصْمَة وَمَعْرِفَة إبِْطَال النّظر أما الدّلَالَة الْخَامِسَة وَهِي قَوْلهم ان صَاحب الشَّرْع ﷺ قَالَ النَّاجِي من الْفرق وَاحِدَة وهم اهل السّنة وَالْجَمَاعَة ثمَّ قَالَ مَا أَنا الْآن عَلَيْهِ وأصحابي فَهَذَا من عَجِيب الاستدلالات فانهم انكروا النّظر فِي الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة لاحْتِمَال الْخَطَأ فِيهِ وَأخذُوا يتمسكون بأخبار الْآحَاد والزيادات الشاذة فِيهَا فَأصل الْخَبَر من قبيل الْآحَاد وَهَذِه الزِّيَادَة شَاذَّة فَهُوَ ظن على ظن ثمَّ هُوَ لفظ مُحْتَمل من وُجُوه التَّأْوِيل مَالا حصر لَهُ فَإِن مَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابه إِن اشْترط جَمِيعه فِي الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال والحركات والصناعات كَانَ محالا وَإِن أَخذ بعضه فَذَلِك الْبَعْض من يُعينهُ ويقدره وَكَيف يدْرك ضَبطه وَهل يتَصَوَّر ذَلِك إِلَّا بِظَنّ ضَعِيف وَرُبمَا لَا يرتضى مثله فِي الفقهيات مَعَ خفَّة امرها فَكيف يسْتَدلّ على القطعيات بِمِثْلِهَا على أَنا نقُول هم كَانُوا على اتِّبَاع نَبِي مؤيد بالمعجزة فلستم إِذن من الْفرْقَة النَّاجِية فَإِنَّكُم اتبعتم من لَيْسَ هُوَ نَبيا وَلَا مؤيدا بالمعجزة فسيقولون لَيْسَ تجب مساواته من كل وَجه قُلْنَا فَنحْن على مساواتهم من كل وَجه فَإنَّا نأمر بِاتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وَالِاجْتِهَاد عِنْد الْعَجز عَن التَّمَسُّك بهما كَمَا أَمر معذا بِهِ وكما اسْتمرّ عَلَيْهِ الصَّحَابَة بعد وَفَاته من الْمُشَاورَة وَالِاجْتِهَاد فِي الْأُمُور فَالْحَدِيث قَاض لنا بالنجاة وَلكم بِالْهَلَاكِ فَإِنَّكُم إنحرفتم عَن اتِّبَاع النَّبِي الْمَعْصُوم الى غَيره فان قيل ومعاني الْكتاب وَالسّنة
[ ١٢٨ ]
كَيفَ تفهمونها قُلْنَا قد بَينا أَنَّهَا ثَلَاثَة اقسام صَرِيحَة وظاهرة ومجملة وَبينا لِأَن معرفتنا لَهَا كمعرفة سَائِر الصَّحَابَة وكمعرفة من تدعون لَهُ الْعِصْمَة من غير فرق فان قيل وانتم تدعون الى نظر الْعقل وَمَا كَانَ هَذَا من دأب الصَّحَابَة قُلْنَا هَيْهَات فَإنَّا نَدْعُو إِلَى الِاتِّبَاع وَإِلَى تَصْدِيق رَسُول الله ﷺ فِي قَول لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فَمن صدق بذلك سبقا إِلَيْهِ من غير مُنَازعَة ومجادلة قنعنا مِنْهُ كَمَا يقنع رَسُول الله ﷺ بِهِ من أجلاف الْعَرَب وَالنَّاس على ثَلَاثَة أَقسَام قسم هم الْعَوام المقلدون نشئوا على اعْتِقَاد الْحق سَمَاعا من آبَائِهِم فهم مقرون عَلَيْهِ بِصِحَّة اسلامهم
الثَّانِي الْكفَّار الَّذين نشئوا على ضد الْحق سَمَاعا عَن آبَائِهِم وتقليدا فهم مدعوون عندنَا إِلَى تَقْلِيد النَّبِي الْمَعْصُوم الْمُؤَيد بالمعجزة وَاتِّبَاع سنته وَكتابه وَأَنْتُم تَدعُونَهُ إِلَى معصومكم فليت شعري أَيّنَا أشبه بصحابة رَسُول الله ﷺ أَمن يَدْعُو إِلَى النَّبِي الْمُؤَيد بالمعجزة أم من يَدْعُو إِلَى من يدعى الْعِصْمَة بشهوته من غير معْجزَة الْقسم الثَّالِث من فَارق حيّز المقلدين وَعرف ان فِي التَّقْلِيد خطر الْخَطَأ فَصَارَ لَا يقنع بِهِ فَنحْن نَدْعُوهُ الى النّظر فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليعرف بِهِ الصَّانِع والى التفكر فِي معجزات النَّبِي ﷺ ليعرف بِهِ صَدَقَة وانتم تَدعُونَهُ الى تَقْلِيد الْمَعْصُوم وتكذبون نظر الْعقل وتزخرفونه فليت شعري أَي الدعوتين اوفق لدَعْوَة اصحاب رَسُول الله ﷺ فَمَتَى قَالُوا للمسترشد المتشكك إياك وَنظر الْعقل وتأمله فَإِن فِيهِ خطر الْخَطَأ وَلذَلِك اخْتلف الناظرون
[ ١٢٩ ]
بل عَلَيْك ان تقلد مَا تسمعه منا من غير بَصِيرَة وَتَأمل هَذَا لَو صدر من مَجْنُون لضحك مِنْهُ ولقيل لَهُ لم نقلدك وَلَا نقلد من يكذبك فَإِذا طوى بِسَاط الدَّلِيل المفرق بطرِيق النّظر بَيْنك وَبَين خصمك وَلم يُمكن دَرك التَّفْرِقَة بِالضَّرُورَةِ فَبِمَ تميز عَن مخالفك المكذب فليت شعري من فتح بَاب النّظر الَّذِي يَسُوق الى معرفَة الْحق مُتبعا فِيهِ مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْقُرْآن من الْحَث على التدبر والتفكر فِي الايات وَفِي الْقُرْآن وَعجز الْخلق عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ واستدلاله بِهِ هُوَ أقرب إِلَى مُوَافقَة الصَّحَابَة وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة اَوْ من يؤيس الْخلق عَن النّظر فِي الْأَدِلَّة بالتكذيب حَتَّى لَا يبْقى للدّين عِصَام يتَمَسَّك بنه إِلَّا الدعاوي المتعارضه وَهل هَذَا الا صنع من يُرِيد ان يُطْفِئ نور الله ويغطي شرع رَسُول الله صلى اللهس عَلَيْهِ وَسلم بسد طَرِيقه المفضى اليه فان قيل فنراكم تميلون تَارَة الى الِاتِّبَاع وَتارَة الى النّظر قلت هَكَذَا تعتقده وَلكنه فِي حق شَخْصَيْنِ فَالَّذِينَ سعدوا بِالْولادَةِ بَين الْمُسلمين فَأخذُوا الْحق تقليدا مستغنون عَن النّظر وَكَذَا الْكفَّار إِذا تيَسّر لَهُم تَصْدِيق رَسُول الله ﷺ تقليدا كَمَا كَانَ يَتَيَسَّر لاجلاف الْعَرَب وَالَّذِي يتشكك وَيعرف غرر التَّقْلِيد فَلَا بُد لَهُ من معرفَة صدقنا فِي قَوْلنَا لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ثمَّ بعد هَذَا قدر على اتِّبَاع رَسُول الله ﷺ وَلنْ يعرف التَّوْحِيد والنبوة إِلَّا بِالنّظرِ فِي دَلِيله الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الصَّحَابَة ودعا الرَّسُول الْخلق بِهِ فانه مَا دعاهم بالتحكم الْمَحْض والقهر الْمُجَرّد بل بكشف سبل الْأَدِلَّة ٤ فَهَذَا صُورَة القَوْل مَعَ كل متشكك وَإِلَّا فليبرز الباطني معتقده فِي حَقه وانه كَيفَ ينجو عَن شكه إِذا حسم عَلَيْهِ بَاب التَّأَمُّل وَالنَّظَر
[ ١٣٠ ]
فَهَذَا حل هَذِه الشُّبُهَات وَهِي أرك عِنْد المحصل من أَن يفْتَقر فِي حلهَا الى كل هَذَا الاطناب وَلَكِن اغترار بعض الْخلق بِهِ وَظُهُور التلبيس فِي هَذَا الزَّمَان يتقاضى هَذَا الْكَشْف والإيضاح وَالله تَعَالَى يوفقنا للْعلم وَالْعَمَل والرشد والإرشاد بمنه ولطفه
[ ١٣١ ]