القولُ الصحيحُ في المرادِ بآل بيت النَّبِيِّ ﷺ هم مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ، وهم أزواجُه وذريَّتُه، وكلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ من نَسْل عبد المطلب، وهم بنُو هاشِم بن عبد مَناف؛ قال ابن حزم في جمهرة أنساب العرب (ص:١٤): " وُلِد لهاشم بن عبد مناف: شيبةُ، وهو عبد المطلب، وفيه العمود والشَّرف، ولَم يبْقَ لهاشم عَقِبٌ إلاَّ مِن عبد المطلب فقط ".
وانظر عَقِبَ عبد المطلب في: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (ص:١٤ ١٥)، والتبيين في أنساب القرشيِّين لابن قدامة (ص:٧٦)، ومنهاج السنة لابن تيمية (٧/٣٠٤ ٣٠٥)، وفتح الباري لابن حجر (٧/٧٨ ٧٩) .
ويدلُّ لدخول بنِي أعمامه في أهل بيته ما أخرجه مسلم في صحيحه (١٠٧٢) عن عبد المطلب بن ربيعة بن
[ ٦ ]
الحارث بن عبد المطلب أنَّه ذهب هو والفضل بن عباس إلى رسول الله ﷺ يطلبان منه أن يُولِّيهما على الصَّدقةِ ليُصيبَا مِن المال ما يتزوَّجان به، فقال لهما ﷺ: " إنَّ الصَّدقة لا تنبغي لآل محمد؛ إنَّما هي أوساخُ الناس "، ثمَّ أمر بتزويجهما وإصداقهما من الخمس.
وقد ألْحَق بعضُ أهل العلم منهم الشافعي وأحمد بنِي المطلب بن عبد مَناف ببَنِي هاشم في تحريم الصَّدقة عليهم؛ لمشاركتِهم إيَّاهم في إعطائهم من خمس الخُمس؛ وذلك للحديث الذي رواه البخاري في صحيحه (٣١٤٠) عن جُبير بن مُطعم، الذي فيه أنَّ إعطاءَ النَّبِيِّ ﷺ لبَنِي هاشم وبنِي المطلب دون إخوانِهم من بنِي عبد شمس ونوفل؛ لكون بنِي هاشم وبَنِي المطلب شيئًا واحدًا.
فأمَّا دخول أزواجه ﵅ في آلِه ﷺ، فيدلُّ لذلك قول الله ﷿: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ
[ ٧ ]
أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنءَايَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ .
فإنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على دخولِهنَّ حتمًا؛ لأنَّ سياقَ الآيات قبلها وبعدها خطابٌ لهنَّ، ولا يُنافي ذلك ما جاء في صحيح مسلم (٢٤٢٤) عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: " خرج النَّبِيُّ ﷺ غداةً وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل من شَعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثمَّ جاء الحُسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمةُ فأدخلها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخله، ثمَّ قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ "؛ لأنَّ الآيةَ دالَّةٌ على دخولِهنَّ؛ لكون الخطابِ في الآيات لهنَّ، ودخولُ عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين ﵃ في الآيةِ دلَّت عليه السُّنَّةُ في هذا الحديث، وتخصيصُ النَّبِيِّ ﷺ لهؤلاء الأربعة ﵃ في هذا الحديث لا يدلُّ على قَصْرِ أهل بيته عليهم دون القرابات الأخرى، وإنَّما يدلُّ على أنَّهم مِن أخصِّ أقاربه.
[ ٨ ]
ونظيرُ دلالة هذه الآية على دخول أزواج النَّبِيِّ ﷺ في آله ودلالة حديث عائشة ﵂ المتقدِّم على دخول عليٍّ وفاطمة والحسن والحُسين ﵃ في آله، نظيرُ ذلك دلالةُ قول الله ﷿: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ على أنَّ المرادَ به مسجد قباء، ودلالة السُّنَّة في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (١٣٩٨) على أنَّ المرادَ بالمسجد الذي أُسِّس على التقوى مسجدُه ﷺ، وقد ذكر هذا التنظيرَ شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة " فضلُ أهل البيت وحقوقُهم " (ص:٢٠ ٢١) .
وزوجاتُه ﷺ داخلاتٌ تحت لفظ " الآل "؛ لقوله ﷺ: " إنَّ الصَّدقةَ لا تَحلُّ لمحمَّدٍ ولا لآل محمَّد "، ويدلُّ لذلك أنَّهنَّ يُعطَيْن من الخُمس، وأيضًا ما رواه ابن أبي شيبة في مصنّفه (٣/٢١٤) بإسنادٍ صحيح عن ابن أبي مُلَيكة: " أنَّ خالد بنَ سعيد بعث إلى عائشةَ ببقرةٍ من الصَّدقةِ فردَّتْها، وقالت: إنَّا آلَ محمَّدٍ ﷺ لا تَحلُّ لنا الصَّدقة ".
[ ٩ ]
ومِمَّا ذكره ابن القيِّم في كتابه " جلاء الأفهام " (ص:٣٣١ ٣٣٣) للاحتجاج للقائلِين بدخول أزواجه ﷺ في آل بيته قوله: " قال هؤلاء: وإنَّما دخل الأزواجُ في الآل وخصوصًا أزواجُ النَّبِيِّ ﷺ تشبيهًا لذلك بالنَّسَب؛ لأنَّ اتِّصالَهُنَّ بالنَّبِيِّ ﷺ غيرُ مرتفع، وهنَّ محرَّماتٌ على غيرِه في حياتِه وبعد مَمَاتِه، وهنَّ زوجاتُه في الدنيا والآخرة، فالسَّببُ الذي لهنَّ بالنَّبِيِّ ﷺ قائمٌ مقامَ النَّسَب، وقد نصَّ النَّبِيُّ ﷺ على الصلاةِ عليهنَّ، ولهذا كان القولُ الصحيح وهو منصوص الإمام أحمد ﵀ أنَّ الصَّدقةَ تحرُمُ عليهنَّ؛ لأنَّها أوساخُ الناسِ، وقد صان اللهُ سبحانه ذلك الجَنَابَ الرَّفيع، وآلَه مِن كلِّ أوساخِ بَنِي آدَم.
ويا لله العجب كيف يدخلُ أزواجُه في قوله ﷺ: "اللَّهمَّ اجعل رزقَ آل محمَّد قوتًا"، وقوله في الأضحية: "اللَّهمَّ هذا عن محمد وآل محمد"، وفي قول عائشة ﵁: "ما شبع آلُ رسول الله ﷺ من خُبز بُرٍّ"، وفي قول
[ ١٠ ]
المصلِّي: "اللَّهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد"، ولا يَدخُلْنَ في قوله: "إنَّ الصَّدقة لا تَحلُّ لمحمَّد ولا لآل محمَّد"، مع كونِها من أوساخِ الناس، فأزواجُ رسولِ الله ﷺ أولى بالصِّيانةِ عنها والبُعدِ منها؟
فإن قيل: لو كانت الصَّدقةُ حرامًا عليهنَّ لَحَرُمت على مواليهنَّ، كما أنَّها لَمَّا حرُمت على بَنِي هاشِم حرُمَت على موالِيهم، وقد ثبت في الصحيح أنَّ بريرةَ تُصُدِّق عليها بلَحمٍ فأكلته، ولَم يُحرِّمه النَّبِيُّ ﷺ، وهي مولاةٌ لعائشة ﵂.
قيل: هذا هو شبهةُ مَن أباحَها لأزواج النَّبِيِّ ﷺ.
وجوابُ هذه الشُّبهةِ أنَّ تحريمَ الصَّدقةِ على أزواجِ النَّبِيِّ ﷺ ليس بطريق الأصالةِ، وإنَّما هو تَبَعٌ لتَحريمها عليه ﷺ، وإلاَّ فالصَّدقةُ حلالٌ لهنَّ قبل اتِّصالِهنَّ به، فهنَّ فرعٌ في هذا التحريمِ، والتحريمُ على المولَى فرعُ التَّحريمِ على سيِّدِه، فلمَّا كان التَّحريمُ على بَنِي هاشِم أصلًا استتبَع ذلك مواليهم، ولَمَّا كان التَّحريمُ على أزواجِ النَّبِيِّ ﷺ
[ ١١ ]
تَبَعًا لَم يَقْوَ ذلك على استِتْبَاعِ مواليهنَّ؛ لأنَّه فرعٌ عن فرعٍ.
قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وساق الآيات إلى قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنءَايَاتِ اللهِ وَالحِكْمَةِ﴾، ثم قال: فدخَلْنَ في أهل البيت؛ لأنَّ هذا الخطابَ كلَّه في سياق ذِكرهنَّ، فلا يجوز إخراجُهنَّ مِن شيءٍ منه، والله أعلم ".
ويدلُّ على تحريم الصَّدقة على موالِي بَنِي هاشِم ما رواه أبو داود في سننه (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٧)، والنسائي (٢٦١١) بإسنادٍ صحيح واللفظ لأبي داود عن أبي رافع: " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعث رجلًا على الصَّدقة مِن بَنِي مخزوم، فقال لأبي رافع: اصْحَبنِي فإنَّك تُصيبُ منها، قال: حتى آتِي رسولَ الله ﷺ فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: مولَى القوم مِن أنفسِهم، وإنَّا لا تَحِلُّ لنا الصَّدقة ".
[ ١٢ ]