أبو بكر الصديق ﵁:
روى البخاري في صحيحه (٣٧١٢) أنَّ أبا بكر ﵁ قال لعليٍّ ﵁: " والذي نفسي بيدِه لَقرابةُ رسول الله ﷺ أحبُّ إليَّ أنْ أَصِلَ من قرابَتِي ".
وروى البخاريُّ في صحيحه أيضًا (٣٧١٣) عن ابن عمر، عن أبي بكر ﵁ قال: " ارقُبُوا محمدًا ﷺ في أهل بيته ".
قال الحافظ ابن حجر في شرحه: " يخاطِبُ بذلك الناسَ ويوصيهم به، والمراقبةُ للشيء: المحافظةُ عليه، يقول: احفظوه فيهم، فلا تؤذوهم ولا تُسيئوا إليهم ".
وفي صحيح البخاري (٣٥٤٢) عن عُقبة بن الحارث ﵁ قال: " صلَّى أبو بكر ﵁ العصرَ،
[ ٢٨ ]
ثم خرج يَمشي، فرأى الحسنَ يلعبُ مع الصِّبيان، فحمله على عاتقه، وقال:
بأبي شبيهٌ بالنبي لا شبيهٌ بعلي
وعليٌّ يضحك ".
قال الحافظ في شرحه: " قوله: (بأبي): فيه حذفٌ تقديره أفديه بأبي "، وقال أيضًا: " وفي الحديث فضلُ أبي بكر ومَحبَّتُه لقرابةِ النَّبِيِّ ﷺ ".
عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄:
روى البخاري في صحيحه (١٠١٠)، و(٣٧١٠) عن أنس ﵁: " أنَّ عمر بن الخطاب كان إذا قُحِطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللَّهمَّ إنَّا كنَّا نتوسَّل إليك بنبيِّنا ﷺ فتسقينا، وإنَّا نتوسَّلُ إليك بعمِّ نبيِّنا فاسقِنا، قال: فيُسقَوْن ".
والمرادُ بتوسُّل عمر ﵁ بالعباس ﵁ التوسُّلُ بدعائه كما جاء مبيَّنًا في بعض الروايات، وقد
[ ٢٩ ]
ذكرها الحافظ في شرح الحديث في كتاب الاستسقاء من فتح الباري.
واختيار عمر ﵁ للعباس ﵁ للتوسُّل بدعائه إنَّما هو لقرابتِه مِن رسول الله ﷺ، ولهذا قال ﵁ في توسُّله: " وإنَّا نتوسَّل إليك بعمِّ نبيِّنا "، ولم يقل: بالعباس. ومن المعلوم أنَّ عليًّا ﵁ أفضلُ من العباس، وهو من قرابة الرسول ﷺ، لكن العباس أقربُ، ولو كان النَّبِيُّ ﷺ يُورَث عنه المال لكان العباس هو المقدَّم في ذلك؛ لقوله ﷺ: " أَلحِقوا الفرائض بأهلها، فما أبقتِ الفرائضُ فلأولَى رجل ذَكر "، أخرجه البخاري ومسلم، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قولُ النَّبِيِّ ﷺ لعمر عن عمِّه العباس: " أمَا عَلِمتَ أنَّ عمَّ الرَّجلِ صِنْوُ أبيه ".
وفي تفسير ابن كثير لآيات الشورى: قال عمر بن الخطاب للعباس رضي الله تعالى عنهما: " والله لإِسلاَمُك يوم أسلمتَ كان أحبَّ إليَّ من إسلامِ الخطاب لو أسلَمَ؛
[ ٣٠ ]
لأنَّ إسلامَك كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب "، وهو عند ابن سعد في الطبقات (٤/٢٢، ٣٠) .
وفي كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (١/٤٤٦) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " أنَّ عمر بنَ الخطاب ﵁ لَمَّا وضع ديوان العَطاءِ كتب الناسَ على قَدْرِ أنسابِهم، فبدأ بأقربِهم فأقربهم نسبًا إلى رسول الله ﷺ، فلمَّا انقضت العربُ ذكر العَجَم، هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين، وسائر الخلفاء من بَنِي أُميَّة ووَلَدِ العباس إلى أن تغيَّر الأمرُ بعد ذلك ".
وقال أيضًا (١/٤٥٣): " وانظر إلى عمر بن الخطاب ﵁ حين وضع الديوان، وقالوا له: يبدأ أميرُ المؤمنين بنفسِه، فقال: لا ولكن ضَعُوا عمر حيث وضعه الله، فبدأ بأهل بيت رسول الله ﷺ ثمَّ مَن يليهِم، حتى جاءت نوْبَتُه في بَنِي عديٍّ، وهم متأخِّرون عن أكثر بطون قريش ".
[ ٣١ ]
وتقدَّم في فضائل أهل البيت من السُّنَّة حديث: " كلُّ سبب ونَسبٍ منقطعٌ يوم القيامة إلاَّ سبَبِي ونسبِي "، وأنَّ هذا هو الذي دفع عمر ﵁ إلى خِطبَة أمِّ كلثوم بنت عليٍّ، وقد ذكر الألباني في السلسلة الصحيحة تحت (رقم:٢٠٣٦) طرقَ هذا الحديث عن عمر ﵁.
ومن المعلوم أنَّ الخلفاء الراشدين الأربعة ﵃ هم أصهارٌ لرسول الله ﷺ، فأبو بكر وعمر ﵄ حصل لهما زيادة الشَّرَف بزواج النَّبِيِّ ﷺ من بنتيهِما: عائشة وحفصة، وعثمان وعلي ﵄ حصل لهما زيادة الشَّرَف بزواجهما من بنات رسول الله ﷺ، فتزوَّج عثمان ﵁ رُقيَّة، وبعد موتها تزوَّج أختَها أمَّ كلثوم، ولهذا يُقال له: ذو النُّورَين، وتزوَّج عليٌّ ﵁ فاطمةَ ﵂.
وفي سير أعلام النبلاء للذهبي وتهذيب التهذيب لابن حجر في ترجمة العبَّاس: " كان العبَّاسُ إذا مرَّ بعمر أو بعثمان، وهما راكبان، نزلاَ حتى يُجاوِزهما إجلالًا لعمِّ رسول الله ﷺ ".
[ ٣٢ ]
عمر بن عبد العزيز ﵀:
في طبقات ابن سعد (٥/٣٣٣)، و(٥/٣٨٧ ٣٨٨) بإسناده إلى فاطمة بنت علي بن أبي طالب أنَّ عمر بن عبد العزيز قال لها: " يا ابنة علي والله ما على ظهر الأرض أهلُ بيت أحبُّ إليَّ منكم، ولأَنتم أحبُّ إليَّ مِن أهل بيتِي ".
أبو بكر بن أبي شيبة ﵀:
في تهذيب الكمال للمزي في ترجمة علي بن الحسين، قال أبو بكر بن أبي شيبة ﵀: " أصحُّ الأسانيد كلِّها: الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي ".
شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
قال ابنُ تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية: " ويُحبُّون (يعني أهل السُّنَّة والجماعة) أهلَ بيت رسول الله ﷺ ويتوَلَّوْنَهم، ويحفظون فيهم وصيَّة رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خُمّ: "أُذكِّرُكم الله في أهل بيتِي"، وقال أيضًا للعباس عمّه وقد اشتكى إليه أنَّ بعضَ قريش يجفو
[ ٣٣ ]
بَنِي هاشم فقال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمنون حتَّى يُحبُّوكم لله ولقرابَتِي"، وقال: "إنَّ اللهَ اصطفى مِن بَنِي إسماعيل كِنانَةَ، واصطفى من كنَانَة قريشًا، واصطفى مِن قريشٍ بَنِي هاشِم، واصطفانِي مِن بَنِي هاشِم)، ويتوَلَّون أزواجَ رسول الله ﷺ أمَّهات المؤمنين، ويؤمنون بأنَّهنَّ أزواجُه في الآخرة، خصوصًا خديجة ﵂، أمُّ أكثر أولاده، وأوَّل مَن آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصدِّيقة بنت الصدِّيق ﵂، التي قال فيها النَّبِيُّ ﷺ: (فضلُ عائشة على النساء كفضل الثَّريد على سائر الطعام)، ويتبرَّؤون من طريقة الروافض الذين يُبغضون الصحابةَ ويَسبُّونَهم، وطريقةِ النَّواصب الذين يُؤذون أهلَ البيت بقول أو عمل "
وقال أيضًا في الوصيَّة الكبرى كما في مجموع فتاواه (٣/٤٠٧ ٤٠٨): " وكذلك آل بيت رسول الله ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتُها؛ فإنَّ الله جعل لهم حقًّا في الخمس والفيء، وأمر بالصلاةِ عليهم مع الصلاةِ على
[ ٣٤ ]
رسول الله ﷺ، فقال لنا: (قولوا: اللَّهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وبارِك على محمد وعلى آل محمد كما بارَكتَ على آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ) .
وآلُ محمَّدٍ هم الذين حرُمت عليهم الصَّدقة، هكذا قال الشافعيُّ وأحمد بنُ حنبل وغيرُهما من العلماء ﵏؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: (إنَّ الصَّدقةَ لا تَحِلُّ لمحمَّدٍ ولا لآلِ محمَّد)، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وحرَّم الله عليهم الصَّدقة؛ لأنَّها أوساخُ الناس ".
وقال أيضًا كما في مجموع فتاواه (٢٨/٤٩١): " وكذلك أهل بيت رسول الله ﷺ تجبُ مَحبَّتُهم وموالاتُهم ورعايةُ حقِّهم ".
الإمام ابن القيِّم ﵀:
قال ابن القيم في بيان أسباب قبول التأويل الفاسد: " السبب الثالث: أن يَعْزُو المتأوِّلُ تأويلَه إلى جليلِ القَدْر،
[ ٣٥ ]
نبيلِ الذِّكر، مِن العقلاء، أو مِن آل بيت النَّبِيِّ ﷺ، أو مَن حصل له في الأمَّة ثناءٌ جميل ولسانُ صِدق؛ ليُحلِّيه بذلك في قلوب الجُهَّال، فإنَّه من شأن الناسِ تعظيمُ كلامِ مَن يَعظُمُ قدْرُه في نفوسهم، حتى إنَّهم لَيُقدِّمون كلامَه على كلام الله ورسوله، ويقولون: هو أعلمُ بالله منَّا
وبهذا الطريق توصَّل الرافضةُ والباطنيَّةُ والإسماعليَّةُ والنُّصيريَّة إلى تنفيقِ باطلهم وتأويلاتِهم حين أضافوها إلى أهل بيت رسول الله ﷺ؛ لِمَا علموا أنَّ المسلمين متَّفقون على مَحبَّتِهم وتعظيمِهم، فانتمَوا إليهم وأظهروا مِن مَحبَّتِهم وإجلالهم وذِكر مناقبهم ما خُيِّل إلى السَّامع أنَّهم أولياؤهم، ثم نفقوا باطلَهم بنسبتِه إليهم.
فلا إله إلاَّ الله كم مِن زندقَةٍ وإلحادٍ وبدعةٍ قد نفقت في الوجود بسبب ذلك، وهم بُرآءُ منها.
وإذا تأمَّلتَ هذا السَّببَ رأيتَه هو الغالب على أكثر النفوس، فليس معهم سوى إحسان الظنِّ بالقائل، بلا بُرهان من الله قادَهم إلى ذلك، وهذا ميراثٌ بالتعصيب من
[ ٣٦ ]
الذين عارضوا دين الرُّسل بما كان عليه الآباء والأسلاف، وهذا شأنُ كلِّ مقلِّدٍ لِمَن يعظمه فيما خالف فيه الحقَّ إلى يوم القيامة ". مختصر الصواعق المرسلة (١/٩٠) .
الحافظ ابن كثير ﵀:
قال ابن كثير في تفسيره لآية الشورى بعد أن بيَّن أنَّ الصحيحَ تفسيرُها بأنَّ المرادَ ب ﴿القُرْبَى﴾ بطونُ قريش، كما جاء ذلك في تفسير ابن عباس للآية في صحيح البخاري، قال ﵀: " ولا نُنكرُ الوُصاةَ بأهل البيت والأمرَ بالإحسان إليهم واحترامِهم وإكرامِهم؛ فإنَّهم من ذريَّةٍ طاهرَةٍ، مِن أشرف بيتٍ وُجِد على وجه الأرض، فخرًا وحسَبًا ونَسَبًا، ولا سيما إذا كانوا متَّبعين للسُّنَّة النَّبويَّة الصحيحة الواضحة الجليَّة، كما كان سلفُهم، كالعباس وبنيه، وعليٍّ وأهل بيته وذريَّتِه، ﵃ أجمعين ".
وبعد أن أورد أثرَين عن أبي بكر ﵁، وأثرًا عن عمر ﵁ في توقير أهل البيت وبيان علوِّ
[ ٣٧ ]
مكانتِهم، قال: " فحالُ الشيخين ﵄ هو الواجبُ على كلِّ أحدٍ أن يكون كذلك، ولهذا كانا أفضلَ المؤمنين بعد النَّبيِّين والمرسَلين، ﵄ وعن سائر الصحابة أجمعين ".
الحافظ ابن حجر ﵀:
قال ابن حجر في فتح الباري (٣/١١) في حديث في إسنادِه علي بن حسين، عن حسين بن علي، عن علي بن أبي طالب ﵃، قال: " وهذا من أصحِّ الأسانيد، ومن أشرف التراجم الواردةِ فيمَن روى عن أبيه، عن جدِّه ".
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
وأمَّا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ فله ستَّةُ بنين وبنت واحدة، وهم عبد الله وعلي وحسن وحسين وإبراهيم وعبد العزيز وفاطمة، وكلُّهم بأسماء أهل البيت ما عدا عبد العزيز، فعبد الله وإبراهيم ابنا النَّبِيِّ ﷺ، والباقون علي وفاطمة وحسن وحسين: صهره وبنته ﷺ وسبطاه.
[ ٣٨ ]
واختياره تسمية أولاده بأسماء هؤلاء يدلُّ على مَحبَّته لأهل بيت النَّبِيِّ ﷺ وتقديره لهم، وقد تكرَّرت هذه الأسماء في أحفادِه.
وفي ختام هذا الفصل أقول: لقد رزقنِي الله بنين وبنات، سميت باسم علي والحسن والحسين وفاطمة، وبأسماء سَبْعٍ من أمهات المؤمنين، والمسمَّى بأسمائهم جمعوا بين كونهم صحابة وقرابة.
والحمد لله الذي أنعم عليَّ بمَحبَّة صحابة رسول الله ﷺ وأهل بيته، وأسأل اللهَ أن يُديم عليَّ هذه النِّعمةَ، وأن يحفظَ قلبِي من الغِلِّ على أحدٍ منهم، ولساني من ذِكرهم بما لا ينبغي، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
[ ٣٩ ]