أشرفُ الأنساب نسَبُ نبيِّنا محمد ﷺ، وأشرف انتسابٍ ما كان إليه ﷺ وإلى أهل بيتِه إذا كان الانتسابُ صحيحًا، وقد كثُرَ في العرب والعجم الانتماءُ إلى هذا النَّسب، فمَن كان من أهل هذا البيت وهو مؤمنٌ، فقد جمَع الله له بين شرف الإيمان وشرف النَّسب، ومَن ادَّعى هذا النَّسبَ الشريف وهو ليس من أهله فقد ارتكب أمرًا محرَّمًا، وهو متشبِّعٌ بِما لَم يُعط، وقد قال النَّبِيُّ ﷺ: " المتشبِّعُ بِما لَم يُعْطَ كلابس ثوبَي زور "، رواه مسلمٌ في صحيحه (٢١٢٩) من حديث عائشة ﵂.
وقد جاء في الأحاديث الصحيحة تحريمُ انتساب المرء إلى غير نسبِه، ومِمَّا ورد في ذلك حديثُ أبي ذر ﵁ أنَّه سَمع النَّبِيَّ ﷺ يقول: " ليس مِن رجلٍ ادَّعى لغير أبيه وهو يَعلَمه إلاَّ كفر بالله، ومَن ادَّعى قومًا ليس له فيهم
[ ٨٢ ]
نسبٌ فليتبوَّأ مقعَدَه من النار "، رواه البخاريُّ (٣٥٠٨)، ومسلم (١١٢)، واللفظ للبخاري.
وفي صحيح البخاري (٣٥٠٩) من حديث واثلة بن الأَسْقع ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: " إنَّ مِن أعظَمِ الفِرى أن يَدَّعيَ الرَّجلُ إلى غير أبيه، أو يُري عينَه ما لَم تَرَ، أو يقولَ على رسول الله ﷺ ما لَم يقل "، ومعنى الفِرى: الكذب، وقوله: " أو يُري عينَه ما لَم تَرَ "، أي: في المنام.
وفي مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣١/٩٣) أنَّ الوقفَ على أهل البيت أو الأشراف لا يستحقُّ الأخذَ منه إلاَّ مَن ثبت نسبُه إلى أهل البيت، فقد سُئل عن الوقف الذي أُوقِف على الأشراف، ويقول: (إنَّهم أقارب)، هل الأقاربُ شرفاء أم غير شرفاء؟ وهل يجوز أن يتناولوا شيئًا من الوقف أم لا؟
فأجاب: " الحمد لله، إن كان الوقفُ على أهل بيتِ النَّبِيِّ ﷺ أو على بعض أهل البيت، كالعلويِّين والفاطميِّين
[ ٨٣ ]
أو الطالبيِّين، الذين يدخل فيهم بنو جعفر وبنو عَقيل، أو على العبَّاسيِّين ونحوِ ذلك، فإنَّه لا يستحقُّ مِن ذلك إلاَّ مَن كان نسبُه صحيحًا ثابتًا، فأمَّا مَن ادَّعى أنَّه منهم أو عُلِم أنَّه ليس منهم، فلا يستحقُّ مِن هذا الوقفِ، وإن ادَّعى أنَّه منهم، كبَنِي عبد الله بن ميمون القدَّاح؛ فإنَّ أهلَ العلمِ بالأنسَاب وغيرَهم يعلمون أنَّه ليس لهم نسبٌ صحيحٌ، وقد شهد بذلك طوائفُ أهل العلم من أهل الفقه والحديث والكلام والأنساب، وثبت في ذلك محاضرُ شرعيَّة، وهذا مذكورٌ في كتب عظيمة مِن كتب المسلمين، بل ذلك مِمَّا تواتر عند أهل العلم.
وكذلك مَن وقف على الأشراف، فإنَّ هذا اللفظ في العُرف لا يدخل فيه إلاَّ مَن كان صحيح النَّسَب من أهل بيت النَّبِيِّ ﷺ.
وأمَّا إن وقف واقفٌ على بني فلانٍ أو أقارب فلانٍ ونحو ذلك، ولم يكن في الوقف ما يقتضي أنَّه لأهل البيت النبويِّ، وكان الموقوف مُلكًا للواقف يصح وقفُه على ذريّة المعيَّن، لم يدخل بنو هاشم في هذا الوقف ".
[ ٨٤ ]
وإلى هنا انتهت هذه الرسالةُ المختصرةُ في فضل أهل البيت وعلُوِّ مكانتهم عند أهل السنَّة والجماعة، وأسأل اللهَ التوفيقَ لما فيه رضاه، والفقهَ في دينه، والثباتَ على الحقّ إنَّه سَميعٌ مُجيبٌ، وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
[ ٨٥ ]