قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢ وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣.
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن لكل نبي ولاة من النبيين، وأنا وليي منهم أبي إبراهيم وخليل ربي. ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ٥.
_________________
(١) ١ سورة الروم آية: ٣٠. ٢ سورة البقرة آية: ١٣٢. ٣ سورة النحل آية: ١٢٣. ٤ سورة آل عمران آية: ٦٨. ٥ مسلم: البر والصلة والآداب (٢٥٦٤) .
[ ٢١٩ ]
ولهما عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلي رجال من أمتي، حتى إذا أهويت لأناولهم. احتجبوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" ١.
ولهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "وددت أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد. قالوا: فكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟ قال: أرأيتم لو أن رجلا له خيل غرا محجلة بين ظهراني خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى. قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء. وأنا فرطهم على الحوض. ألا ليذادن رجال يوم القيامة عن حوضي كما يذاد البعير الضال. أناديهم: ألا هلم. فيقال: إنهم بدلوا بعدك. فأقول: سحقا سحقا" ٢.
وللبخاري: "بينما أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم وعرفوني ٣ خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم فقلت أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثم إذا زمرة - فذكر مثله – قال: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم".
ولهما في حديث ابن عباس ﵄: "فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ البخاري: الرقاق (٦٥٧٦)، ومسلم: الفضائل (٢٢٩٧)، وابن ماجه: المناسك (٣٠٥٧)، وأحمد (١/٣٨٤،١/٤٣٩) . ٢ البخاري: المساقاة (٢٣٦٧)، ومسلم: الطهارة (٢٤٩)، والنسائي: الطهارة (١٥٠)، وابن ماجه: الزهد (٤٣٠٦)، وأحمد (٢/٣٠٠،٢/٤٠٨)، ومالك: الطهارة (٦٠) . ٣ لفظة (وعرفوني) من مخطوطة المفتي. ٤ سورة المائدة آية: ١١٧.
[ ٢٢٠ ]
ولهما مرفوعا: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها" ١. ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ٢ متفق عليه.
وعن حذيفة ﵁ قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير. وأنا أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. فقلت: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال. نعم. فتنة عمياء، ودعاة على أبواب جهنم؛ مَنْ أجابَهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: يا رسول الله ما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك" أخرجاه، وزاد مسلم٣: "ثم ماذا؟ قال: ثم يخرج الدجال، معه نهر ونار. فمن وقع في ناره وجب أجره وحط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره٤. قلت: ثم ماذا؟ قال: هي قيام الساعة" وقال أبو العالية: (تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه
_________________
(١) ١ البخاري: تفسير القرآن (٤٧٧٥)، ومسلم: القدر (٢٦٥٨)، وأحمد (٢/٢٣٣،٢/٢٧٥،٢/٣٤٦،٢/٣٩٣،٢/٤١٠،٢/٤٨١)، ومالك: الجنائز (٥٦٩) . ٢ سورة الروم آية: ٣٠. ٣ هذه الزيادة في "سنن أبي داود" فلعل الأصل "زاد أبو داود". ٤ الزيادة من (وحط وزره) إلى (وحط أجره) في المخطوطات الثلاث.
[ ٢٢١ ]
فلا ترغبوا عنه. وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام. ولا تتحرفوا عن الصراط يمينا ولا شمالا. وعليكم بسنة نبيكم. وإياكم وهذه الأهواء. انتهى تأمل كلام أبي العالية هذا، ما أجله واعرف زمانه الذي يحذر فيه من الأهواء التي من اتبعها فقد رغب عن الإسلام، وتفسير الإسلام بالسنة، وخوفه على أعلام التابعين وعلمائهم من الخروج عن السنة والكتاب، يتبين لك معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ ١. وقوله ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ٣. وأشباه هذه الأصول الكبار التي هي أصل الأصول، والناس عنها في غفلة. وبمعرفته يتبين معنى الأحاديث في هذا الباب وأمثالها؛ وأما الإنسان الذي يقرؤها وأشباهها وهو آمن مطمئن أنها لا تناله، ويظنها في قوم كانوا فبادوا ٤. ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٥.
وعن ابن مسعود ﵁ قال "خط لنا رسول الله ﷺ خطا. ثم قال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله. ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٦ ٧" رواه أحمد والنسائي.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ١٣١. ٢ سورة البقرة آية: ١٣٢. ٣ سورة البقرة آية: ١٣٠. ٤ في الأصل: فبانوا. ٥ سورة الأعراف آية: ٩٩. ٦ سورة الأنعام آية: ١٥٣. ٧ أحمد (١/٤٣٥)، والدارمي: المقدمة (٢٠٢) .
[ ٢٢٢ ]