ومن رواد (الغلو) في المطابقة: -شكري أحمد مصطفى (١٩٤٢ - ١٩٧٨ م).
زعيم الخوارج الجدد، وإمام ما أسماه "جماعة المسلمين".
- كتب رسالة "التوسمات " وكان مما تضمنته: الكلام على واقع المسلمين، وواقع جماعة الحق -التي هي جماعتهم بزعمهم- وظهور المهدي.
ومما جاء فيها: ["النصوص تؤكد أن جماعة الحق اليوم أصبحت وشيكة، من الدجال ونزول عيسى ابن مريم، ونرجو الله أن نكون خَلَفًا من حوارييه ".
"وإشارات كبيرة تؤكد أننا سندرك عيسى ابن مريم، وأننا جماعة الحق التي تستحق الخلافة في الأرض على هدي النبوة، ونرجو الله أن يجد فينا خَلَفًا من حوارييه ".
" .. ونحن جماعة الحق في آخر الزمان تشملنا الآيتان: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، و﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ ". "فقد كلفهم الله -أي: جماعة آخر الزمان﷾- من الناحية القدرية التي يعلمها، والتي يريدها؛ بما لم يكلف به صحابة النبي -ﷺ-؛ حيث سوف يتم على يد جماعة آخر الزمان ظهورُ الإسلام على كافة الأديان والملل، ويُعبد الله لا يُشْرَكُ به شيئًا (١)، ولا يبقى بيت من وبر أو مدر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز
_________________
(١) الصواب: شيءٌ.
[ ١٢١ ]
أو بِذُلّ ذليل، ويتم الله قدره ونعمته على عباده، وينتصر هو ورسله وحزبه على العالمين، ويمكّن لهم في الأرض كما وعد بذلك "] اهـ (١)
"لهذا وغيره كان أعضاء هذه الجماعة يجزمون بأن قائدهم شكري هو مهدي هذه الأمة المنتظر، ولن تستطيع السلطة قتله، وسوف يذهب كل جهد تبذله في هذا السبيل أدراج الرياح؛ لأن الله -﷾- سوف يحفظه؛ ليجاهد اليهود والنصارى، ويرفع رايات النصر في كل صُقْع من أصقاع العالم الفسيح، ويُظهر الله به دينه على كافة الأديان والملل، ويمكِّن له في الأرض ما شاء أن يمكن.
وكان أعضاء الجماعة يؤكدون أنه لو تم إعدام قائدهم؛ لوجب عليهم إعادة النظر بتصورات ومفاهيم الجماعة " (٢).
_________________
(١) "الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو"، لمؤلفه محمد سرور زين العابدين، ص (٢١٥، ٢١٦).
(٢) "نفسه" ص (٢١٦)، وانظر ما يأتي هامش ص (٣٠٦ - ٣٠٩).
[ ١٢٢ ]
تعليق واستطراد
إن تعليق "وجوب إعادة النظر بتصورات ومفاهيم الجماعة" على "إعدام قائدهم" سوءة فكرية، وعورة منهجية خطيرة، ولماذا يأتي التصحيح دائمًا بعد فوات الأوان؟
ولا يتقون الشَرَّ حتى يصيبَهم ولا يعرفون الأمرَ إلا تدبرا
ولماذا لا نُخْضِع الفكر والمناهج للفحص والتفتيش ونحن ما زلنا في دار "الامتحان"؛ حيث توجد فرصة، بل فرص للمراجعة والتصحيح واستدراك الخطإ قبل الانتقال إلى دار "ظهور النتائج"!
وإلى متى ستظل الدعوة الإسلامية تدفع ثمن استبداد بعض فصائلها بالرأي في غيبة عن الرقابة العلمية الشرعية؟
إن هذا النمط العجيب من التفكير ليستدعي من الذاكرة قولَ إمام فتنةٍ من المتأولين: "إننا -والله- نعلم أن بين يدي الله موقفًا يسألنا فيه عن أعمالنا، ويحاسبنا عليها، ولكن نسأل الله -إن كان لنا هوى، أو مقصدنا لغير وجهه الكريم- أن يُخزيَنا، وُيبينَ باطلَنا على رءوس الأشهاد، وأن يفسد مساعينا، ولا يسددها". اهـ.
سبحان الله! "لقد حجَّرتَ واسعًا"، أليس اللسان الذي تلفظ بهذه الدعوة العديمة الفقه، هو نفس اللسان الذي كان يمكن أن يدعو بالعفو والعافية من الهوى، ويسأل الله الذي لا يُخَيِّبُ راجيَه، ولا يَرُدُّ داعيَه؛ أن يُريَه الحق حقًّا، ويرزقه اتباعه، ويريه الباطل باطلًا، ويرزقه اجتنابه؟! ولماذا نتأسى بالذين قال الله -﷿- فيهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ
[ ١٢٣ ]
كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وننسى هَدْيَ مَن هديُه خير الهدى -ﷺ- الذي عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اللهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " سُبْحَانَ اللهِ لَا تُطِيقُهُ - أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ - أَفَلَا قُلْتَ: اللهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " قَالَ: فَدَعَا اللهَ لَهُ، فَشَفَاهُ. (١).