وقال السفاريني -رحمه الله تعالى-: "مما ينبغي لكل عالم: أن يبث أحاديث الدجَّال بين الأولاد، والنساء، والرجال، ولا سيما في زماننا هذا الذي اشرأبت فيه الفتن، وكثرت فيه المحن، واندرست فيه معالم السنن" (١). اهـ.
وامتدت شفقته -ﷺ- لتشمل إخوانه الذين يأتون من بعده، ولم يروه؛ فبذل لهم النصحَ، ودلَّهم على ما فيه نجاتهم، وحسنُ عاقبتهم (٢).
فمن ذلك قوله -ﷺ-: " وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ» (٣) الحديث.
فمن ثم أمسك المسلمون عن استفزاز واستثارة الترك، فَسَلِمُوا من غائلتهم، إلى أن خالفوا التوجيه النبوي، قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "وقد قَتَلَ جنكيز خان من الخلائق ما لا يَعْلَمُ عددَهم إلا الذي خلقهم، ولكن كان البُداءة من خوارزم شاه، فإنه لما أرسل جنكيز خان تُجَّارًا من جهته معهم بضائعُ كثيرةٌ من بلاده، فانتهوا إلى إيرانَ، فقتلهم نائبها من جهة خوارزم شاه، وأخذ جميعَ ما كان معهم، فأرسل جنكيز خان إلى خوارزم شاه يستعلمه: هل وقع هذا الأمر عن رضًى
_________________
(١) "لوامع الأنهار البهية" (٢/ ١٠٦، ١٠٧).
(٢) انظر شيئًا من ذلك بهامش ص (٣٧).
(٣) شَطْر حديثٍ رواه أبو داود، رقم (٤٣٠٢)، في كتاب الملاحم، باب في النهي عن تهييج الترك والحبشة، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود (٣٦١٥)، وانظر "السلسلة الصحيحة" (٧٧٢).
[ ٢٨ ]
منه، أو أنه لا يعلم به، فأنكره؟ وقال فيما أرسل إليه من المعهود من الملوك أن التجار لا يُقتلون؛ لأنهم عمارةُ الأقاليم، وهم الذين يحملون إلى الملوك ما فيه التحف والأشياء النفيسة، ثم إن هؤلاء التُّجَّار كانوا على دينك، فقتلهم نائبك، فإن كان أمرًا أمرتَ به، طلبنا بدمائهم، وإلا فأنت تُنْكِرُهُ، وتقتصُّ من نائبك.
فلما سمع خوارزم شاه ذلك من رسول جنكيز خان، لم يكن له جواب سوى أنه أمر بضرب عُنُقِهِ، فأساء التدبيرَ، وقد كان خَرَّفَ وكَبُرَتْ سِنُه، وقد ورد الحديث: "اتْرُكُوا الترْكَ مَا تَرَكوكمْ "، فلما بلغ ذلك جنكيز خان، تجهز لقتاله، وأَخْذِ بِلادِهِ، فكان بِقَدَرِ الله تعالى ما كان من الأمور التي لم يُسْمَعْ بأغرَبَ منها، ولا أبشعَ" (١).
فهنا نرى أن المسلمين لما خالفوا أمر النبي -ﷺ- بترك التُّرك؛ جاءت العاقبةُ عنيفةً مريرةً، حيث اجتاح التتار ديار الإسلام في كارثة لم يسبق لها مثيل في التاريخ (٢).
وفي أكثر من موضع ذكر الحافظ ابن كثير وقائع القتال بين المسلمين والتتار، وبيَّن أن المسلمين لم يكونوا يتعقبون التتار إذا فروا هاربين أمامهم، ولو كانت الرماحُ تنالهم؛ ومثال ذلك ما ذكره في حوادث سنة ثلاث وأربعين وستمائة: "وفي هذه السنة كانت وقعةٌ عظيمةٌ بين جيش الخليفة وبين التتار -لعنهم الله-؛ فكسرهم المسلمون كسرةً عظيمةً،
_________________
(١) "البداية والنهاية" (١٣/ ١١٩).
(٢) انظر تفصيل ذلك في "المصدر نفسه" (٨٦/ ١٣ - ٩١)، وصدق عمرو بن العاص الذي قال لابنه عبد الله -﵄-: "الخَرَقُ: معاداةُ إمامك، ومناوأة من يقدر على ضررك"، كما في "الإحياء" (٣/ ١٨٨).
[ ٢٩ ]