وقد اغتر به "حاطب ليل"، فاتخذ الغراب دليلًا، ومارس -مثله- هواية التهويش بأن لديه مراجع "بالجملة"، ودون إحراج بطلب ذكر التفاصيل، فقال في مقدمة كتابه: "كما ينبغي التنبيه على أنَّ ثمة مخطوطات نادرة لم تُطبع، تحوي أضعاف الأحاديث المعروفة، سواء
_________________
(١) "المهدي المنتظر على الأبواب"، ص (٢١٦).
(٢) وهو هنا (يغازل) الضربة الجوية الأولى في حرب العاشر من رمضان ١٣٩٣ هـ (٦ أكتوبر ١٩٧٣ م)!
(٣) "نفسه" ص (١٢٢).
[ ١٥٠ ]
في الكتب المشهورة والغير مشهورة، محفوظة في المكتبات العالمية، كمخطوطات، منها ما هو موجود في المكتبة العراقية الكبرى ببغداد، ومنها في دار الكتبخانة باسطنبول بتركيا، وكذلك مكتبة التراث في "طنجة"، ومنها في مكتبة دار الكتب القديمة بالرباط، ومنها بمكتبة بحرة الشام؛ وهي دمشق في الجامع الأموي، هذا غير كثير من المخطوطات الإسلامية النادرة الموجودة في الفاتيكان، مكتبة البابا" (١).
لقد سرت عدوى "هوس المخطوطات" إلى صاحبنا، فراح يهذي بنفس ضلالات "السندباد المصري"، ويردد صدى صوته:
أثَّر البهتان فيه وانطلى الزورُ عَلَيهْ
يا له من ببغاءٍ عقلُه في أذنيه
تلمح ذلك واضحًا في قوله يحاكي مُقلَّدَه في الهروب من "المحاكمة" العلمية: "كما أن كثيرًا من أحداث الفتن وملاحم آخر الزمان وردت في أحاديث وآثار غير مشهورة، مثبتة في مخطوطات
_________________
(١) "هرمجدون، آخر بيان يا أمة الإسلام" ص (١١) ونقول تعليقا على هذا "التهويش": ما زِدتَ على أن قلت: "في المكتبات مخطوطات" فكان ماذا؟! وأين صور هذه المخطوطات، وأرقامها، وتوثيقها؟ خاصة، وأنها تتحدث عن أمور غيبية خطيرة؟ وننصح القارئ المكرم أن يطالع شيئا من المصنفات التي توضح الضوابط العلمية في التعامل مع المخطوطات، منها: "تحقيق النصوص ونشرها"، للعلامة عبد السلام هارون. "تحقيق التراث العربي: منهجه وتطوره" للدكتور عبد المجيد دياب. "مبادئ لفهم التراث" للشيخ محمد بن إبراهيم الشيبالي. "مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين" للدكتور رمضان عبد التواب.
[ ١٥١ ]
وكتب ليست سهلة المنال، فكذلك حال الآثار التي بها توجيهات نبوية، ونصائح غالية تستبين بها سبيل النجاة، ولذلك خَفيت على أكثر الناس قديما وحديثًا، إلَّا من اختصه الله تعالى بعلمها، حتى يبثها وينشرها إذا جاء وقتها وحان أوانها" (١).
ثم ذكر أنه بعد أن يستدل بالأحاديث والآثار المشهورة يُثَنِّي "بتلك الآثار الخفية غير المشهورة، مع عدم التشديد في اعتبارات مدى صحة أو ضعف الأثر من ناحية السند؛ إذ إنها نصائح وإرشادات (٢) من باب فضائل الأعمال التي يتساهل العلماء في قبول أحاديثها وآثارها، وإن كانت ضعيفة السند، مع الأخذ في الاعتبار أن ضعف سندها ليس شديدًا ولا موضوعا، ثم إنها قد جاءت من أكثر من طريق (٣)؛ مما يجعلني مطمئنا، لإيرادها وذكرها" (٤) اهـ.
أقول: صدق الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- إذ قال: "من طلب غريب الحديث كَذَبَ".
_________________
(١) "هرمجدون" ص (١١٠).
(٢) وهل التزمتَ التوثيق، والتحقيق يا عبد الله فيما ليس من فضائل الأعمال؛ كالإخبار عن الغيوب المستقبلة؟ أم تردد مقولة مقلَّدك: "أقول للمرة الألف: حديث الفتن ليس من العقيدة، وليس من التشريع". اهـ، "من أسرار الهاء في الجفر" ص (١٨).
(٣) اعلم -رحمك الله- أن كثرة الطرق لا تقوي الحديث الضعيف بإطلاق، فليس كل ضعيف ينجبر بكثرة طرقه، وليس كل شاهد ومتابع يصلح لتقويته، بل ربما زادت كثرةُ الطرق الضعيف ضعفا، حين يتداوله ويحتكر روايته الوضاعون الكذابون، والضعفاء المتروكون، فأين كان الجهابذة المتقنون؟!
(٤) وهذا الكلام ظلمات بعضها فوق بعض، إذ يتعامل مع هذه الأخبار بالجملة، ويعمم الأحكام بصورة جائرة، عسى أن ينجو من المحاكمة العلمية.
[ ١٥٢ ]
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى-: "وينبغي للمنتخب أن يقصد تخير الأسانيد العالية، والطرق الواضحة، والأحاديث الصحيحة، والروايات المستقيمة، ولا يُذْهِب وقته في التّرَّهات، من تتبع الأباطيل والموضوعات، وتَطلّبِ الغرائب والمنكرات" (١) اهـ.
وقال أيضًا -رحمه الله تعالى-: "أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب على إرادتهم كتبُ الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبًا، والثابت مصروفًا عنه مُطَّرَحًا، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين، والأعلام من أسلافنا الماضين" (٢) اهـ.